لحظة قررت الاتجاه لمحافظة "كردستان" الإيرانية لمعرفة ما تقوله كلمات "واران وارانه"

لحظة قررت الاتجاه لمحافظة "كردستان" الإيرانية لمعرفة ما تقوله كلمات "واران وارانه"

نصحته أمّه حين كان في الخامسة أن يقرأ للكتّاب بلغتهم. ولد شهرام ناظري في العام 1949 في حارة "برزه دماغ" التابعة لمدينة كِرمانشاه، في زقاق "يخ اتشال" وتعني الثلاجة. ولندرة الثلاجة وامتلاك جده لها أُطلق عليه "أبا اليخ اتشالي". يكتب القصائد الغنائية، بل وكما يقول هو: منذ طفولتي ارتكبتُ الشعر.

وقد تكون قصيدته "شَيدا شُدَم" التي استوحاها من مولانا جلال الدين الرومي، وغنّاها في 2007، دلالة على شاعر متكتم يخفي نصّه كما يفعل الصوفي. ترك الشاعر الإيراني "هوشنك إبتهاج" المعروف ب "ه. ألف. سايِه"، أثرا قويا عليه، بينما المزج الذي أحدثه الروائي "رضا قاسمي" بين مولانا وحافظ كان واضحا في ألبوم "ناظري" (كُلِ صَد بَرك).

المرة الأولى التي سمعتُه فيها بعد أن حلّ الليل قلتُ لنفسي: هذا جنون، جنون مركب.

بعد أكثر من عشر سنوات وأنا مكتفٍ بألبوم الجنون اقتنيتُ ألبوم "اشتياق دل" (اشتياق القلب)، الذي صدر عام 2012. عليّ الاعتراف أني، كما حال بقية الألبومات المقرصنة، لقد حملته مجانا. مع تصاعد موسيقى "واران وارانه" أوقفتُ السيارة. إنها كلمات كردية. نسيت أن أذكر الطقس الذي ولد عبر السنوات للاختلاء بشَهرام ناظري.

بعد تحميل الألبوم، نحدد طريقا يناسب الحدث مسافةَ. مثلا الطريق المتجهة من الأهواز إلى مدينة عبادان 100 كيلو متر، الطريق المتجهة للشوش 106 كيلو متر، أو تختار طريقا جبليا كطريق باغْمَلك 126 كيلو متر، وتشتد خطورته شتاء. تتسلح بالماء والشاي وأحيانا القهوة، ومع انفتاح الطريق تفتح المذياع وتنظم الصوت لسماع تفاصيل حركة موسيقية.

أوقفتُ السيارة فأحسستُ بتوقف كل شيء حولي وهناك ملائكة تحلق بأيديها علامات إنذار. لم أفهم ولا كلمة من أغنية ناظري، ولم أفهم لماذا كنتُ أبكي. لم تعد هذه الطريق مناسبة ولا ما شابهها. في نفس اللحظة قررت الاتجاه لمحافظة "كردستان" إيران لمعرفة ما تقوله كلمات "واران وارانه".

تفصلني عن المدينة 536 كيلو متر، أي 10 ساعات من السير المتواصل. الخطة هي الوصول لكردستان، ثم أفكّر كيف سأسأل عن معنى الكلمات.

أقوال جاهزة

شارك غردإنه المطر إنه المطر يا عزيزي. كان وعدك أن تاتي في الربيع، وها هو الخريف قد حلّ. لقد بلّلني المطر لن أضحك، حزنا عليك، أعدك بذلك يا عزيزي. ولن أنزع عني ثياب الحداد. أريد الهروب من وخز البرد ووخز كلماتٍ تعِد الغائب ووخز ذكريات صديقي القديم حامد.

في الطريق وبعد أن وصلت مدينة أنديمِشك لاحت لي لافتة مدينة "إيلام" وهي منطقة يسكنها الكرد، ولي فيها صديق قديم، فاتجهت لإيلام، 332 كيلو متر و6 ساعات. في الصباح الباكر وصلت إيلام، فتغيّر كل شيء: انخفاض حرارة الجو والنباتات مختلفة والسماء أشدّ قربا؛ وديان خضراء وجبال وعرة وبحيرات صغيرة. لقد عبرت السلسلة الجبلية التي تقول هنا ينتهي كل ما يتعلق بالبحر.

بحثت عن قرية صديقي. تقع قريته فوق الجبل في مكان لا يعبره أحد، وحذرني الجميع من ولوج منطقتهم الجبلية فقطاع الطرق فيها لا يرحمون.

ولكني بتّ كرديا الآن بعد ستّ ساعات من الاستماع لوارانه. صعدتُ الجبل بسيارتي محاطا بالريبة والتوجس وأشجار البلوط والجوز واللوز وخليات نحل، فكلمة قطاع الطرق بات الآن لها معنى متناقض. وصلت لقرية في أقصى الجبل، سألتُ عن صديقي، فأجابني الرجل العجوز بكردية لم أفهمها. اتجه نحونا طفل وهو يركض، فهم عني وفهمت عنه. أخيرا استجاب الرجل العجوز وقال: تقصد ماجد العربي. انصدمتُ؛ إذاً هو بالنسبة لهم عربي، وما زلت أراه كرديا.

يقول شهرام ناظري: منذ طفولتي ارتكبتُ الشعر

أشار لنهاية الطريق الجبلي وقال: قبل أن تصل لنهاية الجبل ويُقطع عليك الطريق تجد منزلهم على اليسار. كان الطفل يترجم وهو يقضم الجوز. أكملت طريقي ووصلت حيث البيت في وادٍ. ترجلتُ من السيارة ورحبّ بي كلب شرس، اضطررتُ للتراجع أمامه. خرجت امرأة عجوز من منزل الوادي، قلت لها: سلام يُمّا. ما الذي دعاني لأقول لها يمّا؟. قالت: هلا يمّا. ودعتني للدخول. جلسنا في باحة البيت تحت سنديانة أو هكذا بانت لي. شجرة كبيرة وعمرها لا يقلّ عن العجوز التي استقبلتني.

كانت تتحدث الكردية ولا أفهم منها كلمة. أمام بيتهم بستان في نهايته نهر تكاد لا ترى الماء فيه. قلت لها أنا صديق حامد. فأخذت بالبكاء، ثم وضعتْ وشاحَها (الشَّيلة) على فمها وناحت "واران وارانه". كنت أرافقها بالبكاء. تجمهر الناس حولنا، فقطعت نواحها وأشارت نحوي وقالت: حامد. في صوتها فقدٌ وحنينٌ ولوعة. عرفتُ أنّ حامدا مات منذ ثلاث سنوات وهذه المرأة جدّته التي لم تره منذ عشر سنوات.

تذكرت التمر والسمك في صندوق السيارة. فجنوبنا مشبع بالتمر والسمك. أخرجتهما وتولت العجوز توزيع التمر، دون أن تلمس السمك الذي اخترته بحريا ونهريا. جمعتُ خشب البلوط وأشعلت النار. شويت السمك وحين انتهيتُ لم يمد أحد يده للسمك. بينما أحضروا هم لحم الضأن مشويا.

بين مَن حضرَ كان رجل عجوز أعتقد أنّ اسمه داود، طويل القامة قد يبلغ طوله مترين، ويده قوية كادت تهشم أصابعي، فحين مددتُ يدي له تلقف أصابعي وفات توقيت تعديل وضعية يدي. قال: كيف تأكلون هذه الزفرة وكل هذا الشوك؟ أين الكلب؟ أخبروه بمكان الكلب لأنّ الرجل العجوز فاقد للبصر. رمى رأس السمكة للكلب، تشممه الكلب ثم تركه.

قال: هل ترى حتى كلابنا لا تأكلها!

لم أحصل على غايتي بعد. قطعتُ الطريق لأفهم كل مفردة من الوارانه. أفهمتهم بالإشارة وبتكرار "وارانه" أنني أريد معناها. نهضتْ فتاة لم أنتبه لها من قبل، كان صوتها هو ترجماني منذ وصولي لكنها أخفت نفسها عني. هل هي جميلة؟ كانت تشرح الكلمات كلمة كلمة ولم أعد أفهم ما تقوله. كان جمالها لا يحتمل ولا يفهم. حلّ الليل والجو الربيعي باتت برودته الآن مثل مسامير تُغرز تحت الجلد. وثيابي الصيفية لا تقاوم الوخز الجبلي. قررت الرحيل، فناحت جدة حامد.

قالت: في نفس هذه الساعة تركني حامد يا يمّا. وكررت الوارانه أو سمفونية المطر. تقول فيها:

إنه المطر إنه المطر يا عزيزي

كان وعدك أن تاتي في الربيع، وها هو الخريف قد حلّ

لقد بلّلني المطر

لن أضحك، حزنا عليك، أعدك بذلك يا عزيزي

ولن أنزع عني ثياب الحداد

أريد الهروب من وخز البرد ووخز كلماتٍ تعِد الغائب ووخز ذكريات صديقي القديم حامد.

عدتُ وحيدا قاطعا 332 كيلو مترا تتكرر فيه أغنية وارانه.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

روائي ومترجم وإعلامي من إيران، الأهواز. ممّا صدر له في الترجمة من الفارسية إلى العربية: عيناها، رواية؛ خالي العزيز نابليون، رواية؛ أصفهان نصف العالم، رحلة؛ صيف ذلك العام، رواية. وقد صدرت له رواية "حمار الغجر الأحمق".

التعليقات