من بغداد إلى برلين... أريدُ السلام

من بغداد إلى برلين... أريدُ السلام

مئات الوجوه، مئات القصص، آلاف الساعات قضيتها وأنا أستمع إلى معاناتهم، قصّةً قصّة. لم نقبل أو نرفض شخصاً بالمجمل ولم نحكم مسبقاً على أحد. استمعنا إلى كلّ شخصٍ دون سقفٍ زمنيٍّ محدّد، إلى كل تفصيلٍ مهما كان مهمّاً أو مملّاً، ليبقى البروتوكول للتاريخ شاهداً على عذاباتِ هؤلاء الناس.

نحن عندما نتكلم عن الحرب، نقول ويلات الحرب وأهوال الحرب وفظائع الحرب، هكذا بالجمع، ككرة لهبٍ كبيرةٍ خارجةٍ عن السيطرة وعصيّةٍ على الفهم. لكن تلك الأهوال بالذات، هي مجموع المعاناة الشخصيّة لكل فردٍ. تلك الويلات هي مجموع ذلكَ الألمِ الكامن في التفاصيل الصغيرة في كل قصّة لكل فردٍ واحد.

لا يجوزُ الجمع والشمل والتعميم في الكلام عن المعاناة الإنسانية. إصبعٌ صغيرٌ مؤلم هو مهمّ، طفحٌ جلديّ أحمر على بشرة طفلٍ هو مهمّ.. فكيف ببيوتٍ وأحبابٍ فقدوا أو غُيبوا ويفتقدون. كيف بضحايا التعذيب؟ هذا بالذات ما لا يمكن وضعه تحت خانةِ القدر.. فهل هو قضاءٌ؟ وإن كان قضاءً كيف نجلّ إلاهاً يرضى بهذا الظلم بعد اليوم؟ كيف نصدّق وجودَه؟

أين أنتَ يا الله، هل أنت موجود؟! أسأله وأنا أمشي بحذرٍ على الجليد كي لا أقع، إذا كنت موجوداً وأنت ترى التعذيب ولا تحرّك ساكناً فتلك كارثةٌ! وإن لم تكن موجوداً وهؤلاء الجلادون المجرمون سيفلتون من العقاب فتلك كارثةٌ أيضاً. كم أكره هذا الوجود الآن وأكره أنني إنسان، فالحيوانات لا تعذّب بعضها. أكفر بالإنسانية جمعاء، هيَ وهمٌ وكذبة. لا بدّ أنَّ هذا كابوسٌ وعليّ أن أصحوَ منه، ولا أصحو.

كلا لا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً، أحدّث نفسي كالمجنونة وأنا أشتري بطاقةَ القطار بشكلٍ آليّ وأقف لأنتظرَ في الهواء الجليديّ. أحسُّ بالبرد يأكل أطرافي ووجهي ورأسي ولا أعبأ. لا يهمّ، حياتي كلَّها لا تهمُّ، حياة الجنس البشري كلُّها لا تهمّ، فما النفع إن كان التعذيب يحدث الآن، في هذه اللحظة، في مكانٍ ما، ولا من ربٍّ يتدخل ليضع حدّاً لذلك؟ هل يهمّ أيَّ شيءٍ بعد الآن...

لكن لا، لا! كلُّهم كاذبون، كلُّهم يختلقون قصص التعذيب حتى تدمى قلوبنا ويحصلوا على اللجوء وأموال دافعي الضرائب. كلُّهم قذرون وكاذبون، طامعون بالمال فقط. معظمهم ليسوا فقراء بل من الطبقة الوسطى أو أعلى.. من معه مبلغُ ثمانيةُ آلاف يورو ليدفع للمهرّب ليس فقيراً. أنا ليس معي هذا المبلغ ولا نصفه حتى إذا أردت الهرب إلى مكانٍ ما. كلُّهم كاذبون جاؤوا كي يعيشوا على حساب دافعي الضرائب الكادحين.

لم أعد أصدّق أحداً... الغضب المشتعل في داخلي لا يطفئُه برد 7 درجاتٍ تحت الصفر. لا شيء يطفىءُ هذا الألم، كيف يمكنني أن أتابعَ العيش وكأنني لم أسمعْ وأشهدْ على تلك القصص؟ حتى لو كان بعضهم كاذبين، لكن ماذا عن الحالات التي صدّقتُها بشكلٍ لا يقطعه الشكّ أبداً.. كيف يمكنني أن أمضيَ قدماً بعد معرفتي بما حدث ويحدث؟

تتزاحمُ الوجوه والقصصُ المرعبة في بالي كمشهدِ الجحيم في توم وجيري عندما يموت توم بعد وقوع الخزانة عليه ويصعد إلى السماء، هناك ينتظره شيطانٌ غاضبٌ ليعذبه بالنّار على أفعاله مع الفأر جيري. مثل ذلك الشيطان الأحمر تماماً أتخيّل الجلادَ الذي يقوم بتعذيب الأشخاص.

تغيبُ معظمُ الوجوه والتفاصيل، ككومة حطبٍ تُرمى في مدفأةٍ مشتعلة. لا يهمّ كم فيها من الخشب وما أنواعها، إنها تحترق، تحترق فقط. لكن كلّ بضعِ دقائق لا بد لشرارةٍ أن تتطاير خارج المدفأة، تحطُّ على السجادة أو الباركيه الخشبي، إن لم ننتبه لها ستتسبّب بحريق. بعضُ القصص والوجوه تحرقُ سطحَ ذاكرتي تماماً كالشراراتِ المتطايرة، تأبى أن تنصهرَ في مجموع جهنّم، تَحرقني كي أرويها. قصصٌ لا بدّ من استعادتها بتفاصيلها المتعبةِ، المؤلمة، المفجعةِ والجارحة إن كان مقدّراً لنا أن نتعلّمَ من الحرب يوماً ما.

ـ أهلاً بك سيد منتظر التميمي، هل هذا اسمك الكامل؟

وأُريه ملفَّه الذي بين يديّ ليتأكد من أن اسمه مكتوبٌ بطريقة صحيحة.

ـ منتظر جابر والكنية التميمي.

هل لديك أية وثائقَ تثبت هويتَك؟

ـ لدي جوازُ سفرٍ وبطاقةُ الجيش وهويّة.

ـ أين هي؟ هل بإمكانك تقديمها لنا لو سمحت.

ـ جوازُ السفر ضاع، وبطاقةُ الجيش والهوية سلمتهما للشرطة لدى وصولي إلى ألمانيا.

ـ إذاً يجب أن تكونا مرفقتين بملفك هنا.

أبحث في ملفه ولا أجدها. تدوّن القاضية ملاحظةً أنّه يجب أن نطلبهما من الوزارة.

ـ رجاءً تحقَّق من تاريخ الولادة وكل المعلومات الشخصية الموجودة في الاستمارة إن كانت كلّها صحيحةً.

ـ نعم صحيح،  25.03.1991 في بغداد.

ـ متى تركت العراق؟

ـ منذ سنة تقريباً.

ـ هل تعرف أي يوم بالتحديد؟

ـ نعم أعتقد في 15 من الشهر الثالث، مارس.

ـ متى وصلت إلى ألمانيا؟

ـ حوالي 20 من الشهر الرابع.

ـ في أوراقك هنا مذكورٌ أنك وصلت في 22 أبريل 2015.

ـ آه صحيح 22 أبريل نعم.

ـ كيف وصلت إلى ألمانيا؟ صف لي الطريق من لحظة تركك بيتكَ وحتى وصولك إلى الحدود الألمانية.

أكتب أنا الطريق التي يصفها على ورقةٍ بيضاء أمامي حتى أعود إليها لاحقاً أثناء الحديث الذي سيطول لساعاتٍ في العادة.

ـ تركتُ البيت وذهبتُ إلى منزل عمتي التي تقطن قريباً من المطار، بعدها بثلاثة أيّام غادرت بغداد إلى تركيا.

من تركيا ذهبت بحراً بالبالون إلى اليونان. من اليونان ذهبنا إلى مقدونيا، من مقدونيا إلى صربيا. بعدها طلعنا على هنغاريا، من هناك إلى النمسا ثم وصلت ألمانيا.

ـ كيف سافرتَ إلى تركيا؟

ـ بالطائرة، من مطار بغداد.

ـ كم كان ثمنُ التذكرة؟

ـ 400 دولارٍ أميركي.

ـ من أين حصلت على المال؟

ـ من أهلي.

كم دفعت للمهرب من تركيا إلى اليونان؟

ـ حوالي 1500 دولار.

كم كلفتك الطريق من اليونان حتى وصولك إلى ألمانيا؟

ـ ليس كثيراً، حوالي 300 دولار.

ـ عندما تقول نحن، من أنتم؟

ـ أنا وابنُ عمتي ورفاقُ الطريق. كنا مجموعةً تعبر الحدود معاً وتمشي وتنام في العراء في الخيم معاً.

ـ هل بإمكانكَ أن تذكرَ أسماء الأشخاص الذين رافقتَهم أو رأيتَهم أثناء الطريق؟

ـ لا، غير ابن عمتي لا أعرف أيّة أسماء.

ـ هل لاحظتَ وجودَ أشخاصٍ مريبين في طريق الهروب قد شاركوا بأعمالٍ إرهابيةٍ أو يخطِّطون للقيام بأعمالٍ إرهابيةٍ في أوروبا؟

ـ لا.

ـ كيف وصلتَ من اليونان إلى ألمانيا، ما هي وسائلُ النقل التي استعملتها؟

ـ كلُّ شيء.. يعني سيارات، باصات، قطارات وشاحنات.. ومشي، مشينا مسافاتٍ هائلةً.. وعند وصولنا إلى الحدود الألمانية، كانت تنتظرنا الشرطة الألمانية ووضعونا في باصات، ثم في قطار إلى ميونخ. هناك استقبلونا بالطعام والماء والبطانيات والإسعافات الأولية وأخذونا بعدها إلى المأوى.

باستطاعتي أن أخمّن أنَّ القاضيةَ مرتاحةٌ لسيرِ الحديث، فكلُّ ما يقوله إلى الآن عاديٌ وروتيني بالنسبة لنا. لا أخبار غريبة ولا ملابسات تجعلنا نسأل أية أسئلةٍ إضافية. التواريخ دقيقةٌ والمبالغ المالية معقولةٌ والطريق هي طريق البلقان المشهورة.

ـ متى غادرتَ تركيا إلى اليونان تحديداً؟

ـ لا أذكر تحديداً فقد كانت هناك عدّةُ محاولاتٍ للوصول. في المرة الأولى اعتقلنا خفرُ السواحل التركي وأُجبرنا على الرجوع إلى الشاطئ، واحتُجزنا ثلاثةَ أيّامٍ. في المرة الثانية صعدنا إلى البالون (القارب المطاطي) لكن الطقسَ كان سيّئاً جداً فقرر المُهرّب إلغاء الرحلة. في المحاولة الثالثة نجحنا بالوصول إلى اليونان.

ـ كم طالتِ الرحلةُ بالبالون من تركيا إلى اليونان؟

ـ لا أعرف صراحةً، قد يكون ساعتين أو ثلاث أو أربع.

ـ إلى أين وصلتَ في اليونان؟

ـ إلى جزيرة.

ـ ما اسمها؟

ـ لا أدري.

حسناً، الآن أريد منكَ أن تذكرَ لي كيف وصلتَ من اليونان إلى ألمانيا بالتفصيل، كيف وصلتَ من كلّ نقطة إلى الثانية، بأيّة وسيلة نقلٍ وكم دفعت...

يجيبُني فأبلغه أننا انتهينا من الجزءِ الأول من المقابلة، والذي هو إجرائيٌّ ومتطابقٌ لكل المتقدمين بالطلبات.

ـ ماذا كنتَ تعمل في العراق؟

ـ كنت ضابطاً في الجيش العراقي.

ـ ما كانت رتبتكَ وعملك؟

ـ ملازم خبير بدبابات Abrams ومُدرّب على استعمالها.

هنا أبدأ أنا بفلفشة اللوائح المعدّة مسبقاً والتي تساعدني على ترجمة وتصنيف الرتب العسكرية، أسماء الكتائب وأنواع الأسلحة وكل ما يختص بالمصطلحات الحربية.

ـ أين تمَّ تدريبك وفي أية وحدة؟

ـ في الكتيبة المجوقلة الثانية في بغداد وتدرّبتُ عند الجيش الأمريكي.

ـ لماذا تركتَ العراق إذاً؟

ـ تعرضتْ كتيبتي للقصف وأُصبتُ، حين كنا في عملية ضد الإرهاب في إحدى ضواحي بغداد.

ـ هل بإمكانك أن تصف لي الظروف والهجوم الذي تعرضتم له بالتفصيل، إن كان ذلك لا يؤذيك؟

ـ تعرضنا لقصفٍ صاروخيٍّ ونحن على الجسر، فيما أول دبابة في موكبنا انفجرت بألغامٍ أرضيةٍ، بعدها فتحوا علينا النار بـ"ال أر بي جي".

ـ من هم؟

ـ الإرهابيون.

ـ حسنا وبعدها ماذا حدث؟

ـ أنا تعرضت لإصابةٍ بليغةٍ في الرأس وأجزاءَ متفرقة من جسدي. انظري، ويريني ساعدَه المحروقة، وجرحاً يبدأ من الجبهة صاعداً إلى الرأس، شعرُه حليقٌ على الصفر مثلَ كلِّ من يتعرض لإصابة في الرأس.

ـ سلامتك. أكمل يا منتظر فنحن نستمع ونكتب.

ـ استفقتُ في المستشفى بعد كوما مدةَ أسبوعين... بعد شهرين تقريباً غادرتُ إلى المنزل وأعطوني إجازةً مرضية. في البيت، بدأت تأتيني زياراتٌ من المسلحين المسيطرين في المنطقة، كلُّ منهم يريدني أن أتركَ الجيش وأنضمّ إليهم.

ـ من هم هؤلاء المسلحون؟

ـ في البدء كان يزورني أشخاصٌ من جيش المهدي. يأتون حاملين الحلوى، عارضين علىّ أن أترك الجيش حين أتعافى. "انضمّ إلينا، دَرّبْ الشباب وستكون قائداً كلمتك مسموعةٌ، ونحن مستعدين لتلبية كافّة طلباتك".

ـ حسناً.. تابعْ من فضلك.

ـ قلتُ لهم إن شاء الله، لمّن أطيب، عندما يُشفى رأسي وذراعاي.

ـ لماذا لم ترفض؟

ـ لا أستطيع أن أرفضَ فقد يؤذونني.. كلُّ ما كان بإمكاني فعله هو التسويف والتأجيل والتّحجّج بالمرض.

ـ وبعدها...

ـ صار يتردَّدُ على بيتنا ناسٌ من جماعة بدر المناوئةِ لجيش المهدي، هم أيضاً يريدونني أن أنضمّ إليهم لتدريب عناصرهم والقتال. بعدها، سقطَ اللطفُ الزائف عن أسلوب الطرفين، أصبحت الزيارات أكثرَ إلحاحاً إذ بدأ صبرهما بالنفاذ خصوصاً أنهم في ضيق والمعارك محتدمة.

عندها زادتِ الزيارات درجةَ أنها أصبحت عبئاً يومياً على العائلة وتشكل تهديداً مبطناً كلّنا نعرف ما معناه. صارَ من الواضح أنهم لن يدعوني وشأني، كما زاد ضغطُهم على والدي. عرفنا أن السبيلَ الوحيدَ للخلاص من هذا الوضع هو الهرب.

ـ بماذا ضغطوا على والدك؟

ـ بأن أقنِع ابنك أن يعقلَ وينضمَّ إلينا لمصلحته ومصلحة عائلته، وإلا العواقبُ قد تكون وخيمةً إن عرف رئيسُ الجماعة برفضه الانضمام...

ـ لماذا كنتَ لا تريدُ الانضمام إليهم؟

ـ أنا لا أريدُ أن أحارب. لا أريد أن أقتلَ أحداً، ولا أن يقتلَني أحدٌ. بعد الإصابة التي تعرضتُ لها، صرتُ غيرَ قادرٍ على العمل في أيّة قواتٍ مسلحة مهما كانت.

ـ هل يمكنكَ أن تريَني على خرائط غوغل موقعَ الهجوم الذي تعرضتم له؟

يأتي إلى الكومبيوتر الموجود قبالةَ القاضية ويرينا موقعَ الجسر الذي يزعم أن الهجومَ على رتلِ الدباباتِ حصل عليه.

ـ متى حصل الهجوم؟

ـ في الثالث من الشهر الثاني أي فبراير، وإذا أردتِ معي بعض المقتطفاتِ من الصحف التي غطت الخبر في العراق وقتها. آخذ النسخَ المصورةَ عن مقالاتٍ في جرائد عدة عن نفس الهجوم الذي أخبرني عنه، التفاصيل دقيقةٌ وصحيحة.

ـ انظري... وقد أصيب الملازم منتظر جابر التميمي بإصاباتٍ بالغةٍ في الرأس، هو في حالِ حرجة.. وقد تم نقلُ جميع المصابين إلى مستشفى بغداد المركزي.

يضيف: بإمكانكِ التحقّقُ من الخبر من الإنترنت إذا شئتِ.. كلُّه موجود.

تسألني القاضية إن كانت قصاصاتَ جرائدَ أصليةً لنضيفها إلى الملف، ويقول لنا هو إن لديه النسخَ فقط.

ـ نعم يا منتظر، كل هذا جيدٌ، لكن لا شيءَ يثبتُ حتى الآن أنّ هذا هو اسمكَ الحقيقي!

ينظر إليّ بنظرةٍ ملؤها اليأسُ والأمل في آن، وضياعُ من لا يملك في اليد حيلةً، لكنّه أيضاً واثقٌ من نفسه. الشاب ذكي، فهمَ بسرعةٍ خاطفة، أنه ليس أمامه من فرصةٍ سوى أن يقنعني ويقنعَ القاضية بصحّةِ ومعقوليةِ روايته، في ظل عدم امتلاكه أيةَ أوراق ثبوتية. في عينيه عزمُ من كان الحقُّ معه، فهو لم يتحاشَ أبداً النظر في عيوننا، وكلُّ لغةِ جسده كانت تشي بأنه صادقٌ، أو مدربٌ تدريباً محترفاً...

لا أعرف لماذا يعطي المُهرِّبون طالبي اللجوء هذه النصيحةَ السيئة بأن يتخلصوا من أوراقِهم الثبوتية فورَ وصولهم إلى أول بلد في الاتحاد الأوروبي. لكنَّ الكثير من اللاجئين السوريين تداركوا الأمر وأصبحوا يأتون بهوياتٍ وجوازاتِ سفرٍ مزورةٍ من تركيا.

لا بدّ لمنتظر أن يستخدمَ الوقتَ المتاح لإقناعي. يفعل ذلك جيداً، ليست هنالك أية ثقوبٍ في روايته، حديديةِ الإحكام. مهما طرحتُ عليه الأسئلة نفسها بأكثر من طريقة وبفتراتٍ زمنية متباعدة، أجوبته بقيت متّسقةً.

ـ أين كان بيتُكم في بغداد وكم يبعدُ عن المطار؟

ـ في الكرّادة الشرقية... ليس بعيداً عن المطار.

ـ كم كيلومتر؟

ـ لا أعرف بالضبط، لكن من 10 إلى 15 كم تقريباً.

ـ هل يمكنك أن تريَني بالضبط على خرائط غوغل الطريقَ الذي سلكته من بيتك إلى المطار؟

لكن أنا لم أذهب من بيتنا إلى المطار. خرجتُ أولاً إلى بيت عمتي ومن عندها ذهبت إلى المطار.

برافو منتظر، أقولُ في سرِّي، فقد وفرتَ للتوّ عليك وعلينا أكثرَ من عشرين سؤالٍ إضافيةٍ فيما لو كانت إجابتُك متناقضةً. نحن أيضا نملّ من تكرار الأسئلة المتشابهة لساعاتٍ طويلة، والأسئلة نفسها لكل حالةٍ جديدة. في حالة تأكّدنا من صحّة الرواية، نريد أن ننهيَ القضيةَ بأسرع وقتٍ ممكن لنستقبلَ غيره.

ـ على أيّة شركةِ طيران، بكم كانت التذكرة؟

ـ العراقية. حوالي 400 دولارٍ

ـ من دفعها؟

ـ أبي.

ـ ماذا يعمل والدكَ؟

كان لديه سوبر ماركت قبل أن يجبرَه المسلحون على إغلاقِه حين علموا بخروجي.

ـ هل لديك إخوةٌ؟

ـ نعم أختان

ـ ما أسماؤهما، ماذا تعملان وأين تسكنان؟

ـ أختي الكبيرة رانيا طبيبة وتعمل، والثانية رهف طالبة هندسة ما زالت في الجامعة.

ـ أين تسكنان وما أعمارهما وهل هما متزوجتان؟

ـ لا ليستا متزوجتين، الكبيرة عمرها ٣١سنةً والصغيرة ٢٢سنةً، تعيشان مع والديّ.

ـ يعني أهلك وأختَاك في بغداد ما زالوا يسكنون البيتَ نفسه الذي غادرته أنت؟

ـ نعم

ـ ألم يتعرضوا للمضايقات أو التهديد عند رحيلك؟

ـ نعم، لكنهم (المسلحين) سرعان ما يئسوا. جاؤوا إلى البيت أكثر من مرة ليسألوا عني فأجابهم أهلي أنه ذهب لزيارةِ عمّته ولم يعد. في البداية صرخوا وهددوا وتوعدوا، لكن لما مرَّت الأيام ولم يروني في الحي عرفوا أنني هربتُ.

ـ طيب يا منتظر، قل لي ما هو السبب الأساسي الذي من أجله تطلبُ اللجوء؟ لأساعدَه أكثر، أضفتُ: قل لنا ماذا سيحدثُ في حال تمّت إعادتك إلى بلدك؟

ـ أنا لا أستطيعُ العودةَ إلى بلدي. إن أرجعوني، ستقتلني الميليشيات أو سيعذبونني ثم يجبرونني على القتال معهم بأحسنِ الأحوال. أنا لا أريد الحربَ ولا القتال. لا أريد أن أقتلَ أحداً. أريد أن أعيشَ بسلام. أن أبدأَ حياةً جديدةً بسلام فقط.

ـ هل هذا كلُّ شيء؟

ـ نعم

قبل أن أنهيَ المقابلةَ أعود وأباغتُه بالسؤال:

ـ طيب، كم كلفتك كل الرحلةِ من العراق الى ألمانيا؟ ما المبلغ الإجمالي؟

ـ حوالي 2200 دولارٍ.

أقوال جاهزة

شارك غردأين أنتَ يا الله، هل أنت موجود؟! أسأله وأنا أمشي بحذرٍ على الجليد كي لا أقع، إذا كنت موجوداً وأنت ترى التعذيب ولا تحرّك ساكناً فتلك كارثةٌ! وإن لم تكن موجوداً وهؤلاء الجلادون المجرمون سيفلتون من العقاب فتلك كارثةٌ أيضاً

شارك غردمن معه مبلغُ ثمانيةُ آلاف يورو ليدفع للمهرّب ليس فقيراً. أنا ليس معي هذا المبلغ ولا نصفه حتى إذا أردت الهرب إلى مكانٍ ما. كلُّهم كاذبون جاؤوا كي يعيشوا على حساب دافعي الضرائب الكادحين.

الآن سنقوم بطباعةِ البروتوكول وإن أردتَ، بإمكاني أن أقرأَ عليك كلَّ البروتوكول. أعيدُ لك كل ما قيل وسُجّل في الثلاثِ ساعاتِ والنصف الماضية في هذه الغرفة. هذا حقّك إن أردتَ، وبإمكانك التحقّق إذا كنت تريد تغييرَ أي من أقوالك، قبل أن تقومَ القاضية باتّخاذ القرار. هل تريدني أن أقرأ البروتوكول عليك؟

ـ لا يا أختي أنا عندي ثقة بكِ.

ـ إذاً وقّعْ هنا من فضلك.

لا يمكنُ للبشرية التعلّمُ من جنون الحرب وبشاعتها ، دونَ المثابرةِ والجهد، مهما كان مملاًّ، منمّطاً، غارقاً في التفاصيل وجارحاً. كل قصّة تستأهلُ منّا الصبرَ والوقتَ لروايتِها، وسماعِها، وكتابتِها، وقراءتها. تحتاج وقتاً تقضيه تحت جلدِنا وليال ٍتؤرقُ فيها نومنا، إن كان لنا أن نتعلمَ يوماً. حتى لو عشناها، تُرى هل بالإمكان أن نعي وندرك حقّاً ما هي الحرب؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
نورا المقداد بورجار

كاتبة ومحللة سياسية لبنانية - ألمانية. درست العلوم السياسية والعلاقات الدولية. حائزة على ماجيستير في الحوكمة والاقتصاد السياسي.

كلمات مفتاحية
السلام العراق

التعليقات