في الواقع نتمنّى العكس... رحلة النصّاب "جيري" مع المسكين "توم"

في الواقع نتمنّى العكس... رحلة النصّاب "جيري" مع المسكين "توم"

قط يبحث هنا وهناك عن فأر ضال داخل المنزل، وبعد عناء كبير يتمكن من الإمساك به، للأسف كان قبل أن يظهر ذلك الكلب الغاضب دائمًا على القط ويُبرحه ضربًا، ليتمكن الفأر من عيش يوم آخر ونتمكن نحن أيضًا من الاستمتاع بحلقة جديدة من أشهر مسلسلات الرسوم المتحركة على الإطلاق: "توم وجيري".

تلك الكائنات المُبهرة بتفاصيلها الصغيرة التي أشبعتنا ضحكًا لسنوات عديدة لم تنقطع حتى الآن، بعدما شكلت بطريقة أو بأخرى ذاكرة حديدية تسطع للحظات ساحرة، فقد لا تتذكر أين كنت منذ 20 سنة مثلًا، أو يصعب عليك أن تتمكن من تحديد ماذا حدث بعد تلك اللحظة أو ماذا كنت تفعل قبلها، أما اللحظة نفسها فهي تتمثل في جلوسك على أريكتك مبتسمًا تتابع القط "توم" يهرول خلف الفأر "جيري" وخلفهما عيناك الصغيرتان تتابعان بمتعة المطاردة الشقية.

مسلسل الرسوم المُتحركة يعود إلى أكثر من 70 عامًا، من دور العرض في السينمات إلى منصة تتويج الأوسكار فإلى كل قلب شاهد وأحب وتذكر الآن تلك الأيام وبدأ يضحك في صمت.

"توم وجيري" عكس اللذين نعرفهما

إذا ما عدنا إلى الواقع ونظرنا إلى الأمور نظرة مُختلفة قليلًا، فسوف نجد أنفسنا في حيرة كبيرة، فمعظمنا يقف حليفًا للقط في مواجهة الفأر في كل مرة يسعى ذلك الدخيل ذو الذيل الطويل إلى نبش أشيائنا والعبث بهدوء المنزل، وقد تتخيل الآن أحدهم يقف ممسكًا بممكنسة وبجواره صديقه القط يبحثان عن فأر هنا وهناك حتى يتمكنا من طرده خارج المنزل، وبعد ذلك قد يعودان إلى حياتهما الهادئة ليقوما بتشغيل إحدى حلقات "توم وجيري"، يضحك هو ونضحك نحن على ذلك التناقض الذي حدث في لحظة.

فالقط تحول داخل شاشة التلفاز إلى عدو لدود لصديقنا الفأر الصغير، وفي كل مرة ينجح "جيري" في الإفلات من "توم" نشعر بالارتياح مع قليل من التصفيق إذا ما تمكن "جيري" من نصب أحد فخوخه المثيرة للإيقاع بمطارده الأسطوري ذلك، وكلما اشتد الصراع تمنينا كثيرًا لو ظهر في المشهد سبايك الكلب ليقوم بدوره المُعتاد في إنقاذ صغيرنا من براثن القط الشرير.

أقوال جاهزة

شارك غردذلك التناقض لم يكن فقط بين مشاعرنا في الواقع وأثناء مشاهدة الكرتون المُفضل، ولكن حتى في العديد من حلقات "توم وجيري" إذا ما قمنا بتدقيق النظر، فسوف نكتشف أن "توم" مجرد قط مسكين يقوم بأموره الاعتيادية في صد محاولات المُزعج "جيري" لنشر الفوضى داخل أرجاء المنزل.

شارك غردمناصرتنا للشخصيات الشريرة لن تقف عند "جيري" أو الرسومات المتحركة فقط، بل سنجد أنفسنا ننجذب إلى الشرير "الجوكر"، العدو اللدود للرجل الوطواط، وحتى لو أحببنا الرجل الوطواط فإن "الجوكر" امتلك دائمًا شخصية فريدة نجحت في إبهارنا كثيرًا، ربما لسلوك بشري اعتيادي نقوم بكبحه طوال الوقت وهو "التمرد"

ذلك التناقض لم يكن فقط بين مشاعرنا في الواقع وأثناء مشاهدة الكرتون المُفضل، ولكن حتى في العديد من حلقات "توم وجيري" إذا ما قمنا بتدقيق النظر، سوف نكتشف أن "توم" مجرد قط مسكين يقوم بأموره الاعتيادية في صد محاولات المُزعج "جيري" لنشر الفوضى داخل أرجاء المنزل، بل أحيانًا يسعى الفأر دون أي سبب إلى استفزاز "توم" لغرض ما.

جيري الحقيقي نصاب يبحث عن مضايقة القط

في تلك الحلقة مثلًا نجد الفأر يبدأ في إلقاء البيض على أرض المنزل، فيما يحاول القط المغلوب على أمره إنقاذ تلك البيضات من الكسر قبل أن يفاجأ بالحلوى تسقط على رأسه، وحينما ينهض يجد كارثة أخرى في انتظاره لما استقدم "جيري" أحد الحيوانات من خارج المنزل بغرض العبث مجددًا لينجح "توم" في إفشال ذلك المخطط، وعندما يقرر القط الراحة قليلًا بعد يوم شاق في مواجهة العابث "جيري" ويستلقي للنوم، يقوم الفأر بطلاء أقدام القط بالحبر ومن ثم إيقاظه عمدًا حتى يقوم بمطاردته، وبالطبع يضطر "توم" إلى تلطيخ أرضية المنزل والحائط بفعل الحبر في أقدامه.

حلقة أخرى على عكس المُعتاد إذ يبدأ الكلب "سبايك" في مطاردة القط والفأر معًا، حينها لم يجد الإثنان سوى التحالف معًا لإنقاذ حياتهما، حتى أن "توم" تمكن من إخراج "جيري" من داخل فم "سبايك" في اللحظات الأخيرة قبل أن ينجح في التهامه، وتستمر الأحداث في وضع خطط لهزيمة الكلب الغاضب حتى ينجحا في صد هجماته وطرده من المنزل، وحينما يتصافح الإثنان معلنين انتصارهما يشعر "توم" بألم مُفزع نتج عن قيام مصيدة خلفه بالإمساك بذيله، ونستطيع معرفة أن "جيري" هو وراء ذلك بسبب تلك النظرة التي علت وجه "توم" وبالطبع هروب "جيري" مباشرة.

وللتأكيد على وجهة النظر القائلة بأن "جيري" ليس كما يبدو طيبًا، يُمكنك مشاهدة مقطع آخر للفأر وهو يقوم بالضحك لاستفزاز القط بعد تسبب الأخير في تلطيخ جسد الكلب الصغير ابن "سبونيك" بالطين دون قصد، وعندما يهرع "توم" لردع المُستفز "جيري" يبدأ الأخير في خطة تسليط "سبونيك" الأب ضد "توم" إذ يقوم تارة بإقناع القط بالمشاركة في لعبة بالأقلام على جسد الكلب الصغير، وتارة أخرى يقوم بمحاولة سكب الحبر بنفسه على "سبونيك" الإبن قبل أن يُفشل "توم" محاولة "جيري" تلك، ولكن كالمُعتاد تجعل ظروف قهرية من المستحيل أن تفشل خطة الفأر.

الوجه الآخر للقط "توم": هادئ يسعى للسلام وطيب غالبًا

بعد تلك الأحداث قد نشعر الآن بالأسباب القوية التي تجعل "توم" يُطارد "جيري" لطرده خارج المنزل، فالقط يحاول الحفاظ على نظافة المنزل في معظم الأوقات فقط حتى لا يتعرض هو للطرد أو العقاب من سيدة المنزل التي لم نرٓ إلا قدميها غالبًا وهي تركل "توم" إلى الخارج.

ولكن حتى حينما ينجح "توم" في التخلص من "جيري" لا يُصبح مرتاح البال، فالمسكين يظل يُفكر في مصير الفأر خلال ليلة شتاء قارس ويخوض مغامرة مميتة من أجل البحث عنه وحمله على العودة مجددًا إلى دفء المنزل كما ستشاهد في المقطع الآتي.

"جيري" استغل طفولتنا لكسب تعاطف تاريخي معه للإيقاع بـ "توم"

ربما يكون الفأر قد نجح في خطته تلك بسبب طبيعتنا كأطفال في الماضي، فالتشابه بيننا وبين "جيري" كبير للغاية في محاولات العبث بالأشياء واستغلال غياب الكبار للشعور بالراحة داخل المنزل، وهو الأمر الذي يسعى دائمًا الفأر المشاكس إليه، فكما يحاول هو الوصول إلى قضمة غير شرعية من وجبة ما، فنحن كنا نسعى إلى ذلك أيضًا في طفولتنا، وحينما يتسبب الفأر بتحطيم مقتنيات المنزل يبحث مباشرة عن إلصاق التهمة بأحد غيره وذلك بالتحديد قد نكون قمنا به مرات عدة تجنبًا لتلقي عقوبة ما، وإذا ما وجدنا أحدهم يستلقي قليلًا أمامنا فإننا كنا نريد دائمًا أن نوقظه لنبدأ في المطاردة واللعب معه أيضًا.

لذا بطريقة أو بأخرى فإن "جيري" كان يفعل كل ما نقوم نحن بفعله في طفولتنا، وعلى عكس معظم محاولاتنا الفاشلة فقد مثل الفأر في تلك الحلقات صورة البطل "سوبر هيرو الأطفال" الذي ينجح في كل محاولاته دون أي فشل يُذكر، ويا له من بطل.

أما عن الكبار الذين يناصرون "جيري" فقد يرجع ذلك نفسيًا إلى فكرتين:

الأولى أنهم أحبوا تلك الشخصية منذ الصغر في الأساس، وسوف يكون من المستحيل تغيير ذلك الشعور بالراحة بعد نجاح "جيري" في الإفلات من "توم" أو الإيقاع به، والفكرة الثانية تحتاج لحديث أطول لأن مناصرتنا للشخصيات الشريرة لن تقف عند "جيري" أو الرسومات المتحركة فقط، بل سنجد أنفسنا ننجذب إلى الشرير "الجوكر" العدو اللدود للرجل الوطواط، وحتى لو أحببنا الرجل الوطواط فإن "الجوكر" امتلك دائمًا شخصية فريدة نجحت في إبهارنا كثيرًا، ربما لسلوك بشري اعتيادي نقوم بكبحه طوال الوقت وهو "التمرد" أو لأن معظمنا يشعر بالانجذاب لتلك الشخصيات الغامضة ذات الطابع المثير، وفي الكثير من الأحيان قد نعطي الأفضلية للأشرار بعد أن نعلم عن ماضيهم ما يُثير تعاطفنا مع ما وصلوا إليه.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات