ألهذا أحرق بوعزيزي نفسه؟

ألهذا أحرق بوعزيزي نفسه؟

تعتبر تونس رائدة البلدان التي فاح منها عبق الحرية المنشودة من الشعوب العربية في ثورتها على نظم الفساد والاستبداد، واستطاعت تونس تجاوزَ محنتها مع عهد الديكتاتورية العسكرية وشقَّ طريق جديدةٍ، يبدو لحسن الطالع وحسن التأسيس الثقافي المتجذر في الشعب التونسي تجنيب تونس ما لم تستطع بلدان الثورات العربية تجنبه أو التخفيف من فاتورته.

وما يزال من اشتعلت رؤوسهم  شيباً وبيوتهم ومدنهم حرقاً في سورية يحلمون بتلك المقولة التي صدح بها رجل تونس  - يوم هروب بن علي - وهو يمسح رأسه "كنا نعيش من أجل هذه اللحظة التاريخية!".

تثير حزمة الإصلاحات والقرارات التي دعا إليها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي جدلاً واسعاً في الفضاء الثقافي التونسي والعربي بين مؤيدٍ ومشجع وبين متخوفٍ ورافض، هذا الجدل القديم الجديد بين العلماني والإسلامي أو بين المتحرر والمحافظ يعود دوماً كتغطيةٍ عن فشلٍ داخلي تنموي أو تدخل خارجي مصلحي.

لا ريب أنّ هناك عشراتٍ إن لم نقل المئات من النصوص الدينية والفقهية والتراثية وبعض القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية لم تعد قادرةً على الحياة أو التأقلم مع تعقيدات العصر الحديث أو المتناغمة مع ثقافة المساواة والتحرر وحقوق الإنسان، منها قوانين الإرث والزواج والطلاق وحرية التدين أو التحول أو الإلحاد وغيرها كثير.

كل ذلك حقٌّ ومراجعته وتعديله أو تبديله بقوانين أكثرَ عصرية وتحررية وأقربَ لتحقيق العدالة الإنسانية هو أمرٌ لا مندوحةَ عنه ولا رجعة فيه، فالواقع الذي خُلقت فيه تلك القوانين ليس واقعَ اليوم، وحياة الأمس البعيد ليست كحياة اليوم والغد القريب، وإنسان العصور السالفة  ليس كإنسان اليوم، كل شيءٍ يتغير، كما قال الله "كل يوم هو في شأن"، إذاً يجب أن نتغير ومن لم يتغير لن يتطور حكماً.

لكنَّ الملاحظ النبيه يرى أنّ المساحةَ الفكريةَ والكتابية والخطابيةَ في بلدان الربيع العربي، ومنها تونس وسورية كان الحيز الكبير فيها للحديث عن التراث والإسلام وحقوق المرأة وإرثها ومساواتها وحقها بتزويج نفسها وكأنّ هذه الجماهير ما ثارت يوم ثارت إلا لمشكلة أساسية في التراث والإسلام أو كانّ الإسلام هو الديكتاتور العسكري المستبد الحاكم!

وكان هذا الحيز الثقافي على حساب إكمال المعركة التحررية من الاستبداد وتفكيكه وتعطيله إلى غير رجعةٍ، وبناء دولة المؤسسات والأحزاب وخلق مشاريع اقتصادية وتنموية تشغل الناس وتطعمهم من جوع وتأويهم في مساكن كريمة وتدمج المواطنين في برامج تدفع الجميع للأمام.

لطالما قلنا إنّ الإسلاميين يؤمنون بالديمقراطية كحركةٍ ذرائعيةٍ منهم للوصول إلى الحكم والسلطة ثم يصدرون القراراتِ والقوانين حسب ما تمليه عليهم شريعة الإسلام، فما الفرق إذأً اليوم بينهم وبين النخبة العلمانية والديمقراطية وهي إذ تصل إلى الحكم والسلطة بصناديق الاقتراع فلا ترى في منطلقات برنامجها السياسي غير قوانين المرأة والإرث والحجاب والمثلية!

يبدو لي أنّ الاشتغال بالبنى الفوقية على حسابِ التنمية والبنى التحتية هو هروبٌ من الفشل في متابعة طريق التحرر والحداثة وصولاً لمعايير الدولة الحديثة التي تطعم الناس وتسد حاجتهم وتحقق كرامة أفرادها. عندما يتحول الدين إلى مشروع مواجهةٍ لدى النخبة العلمانية فقد يتحقق فيه المعنى الأفيوني الذي قصده ماركس أكثر من كونه أفيوناً عند الإسلاميين.

أقوال جاهزة

شارك غردلم يحرق البوعزيزي نفسه من أجل أخته التي أحبّت مسيحياً وقد منعها القانون من الزواج منه، ولا من أجل أن تحصل على نفس القدر من الميراث، وهو لا يملك شيئاً حتى يرثه..

شارك غردالإصلاحات الدينية هي مشروع لإلهاء المجتمع وتخدير النخبة العلمانية المثقفة في ظروف القهر والحاجة وغياب العدالة الاجتماعية وتدخل البوليس في حياة الناس وغياب الصحافة الشفافة وغيرها..

في ظروف القهرِ والحاجة وغيابِ العدالة الاجتماعية ووجودِ المحسوبيات على حساب الكفاءات، وتدخلِ البوليس في حياة الناس، وغيابِ الصحافة الشفافة وعدمِ تحقق دخلٍ ماديٍّ مقبول لعموم الشعب، يجعل في كل الإصلاحات الدينية الواجبة ظاهراً هو مشروع لإلهاء المجتمع وتخدير نخبة العلمانية المثقفة قبل جماهيره الشعبية.

لم يُحرق البوعزيزي نفسه -مثلاً - من أجل أخته التي أحبت مسيحياً وقد منعها القانون من الزواج منه.. ولم يحرق البوعزيزي نفسه من أجل أن تحصل أخته على نفس القدر من الميراث، وهو لا يملك شيئاً حتى يرثه!

روح البوعزيزي تقول: لم أحرق نفسي إلا لغياب العدالة والكرامة في بلدي. أحرق البوعزيزي نفسه لأنّه يريد أن يعيش حراً كريماً.

ليس من الجيد على بلدان الربيع العربي أن تتحول فيها الديمقراطية إلى أيديولوجية، وليس من الجيد أن تتحقق الديمقراطية دون تنميةٍ وعدالةٍ وحقوق وواجبات، دون ذلك فأمامنا طريق طويلةٌ نحو دولة الحداثة والحق والقانون.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
منصور حسنو

كاتب سوري

كلمات مفتاحية
الربيع العربي تونس

التعليقات