تأييد الطغاة: بين هاجس الخوف وفقر المخيّلة

تأييد الطغاة: بين هاجس الخوف وفقر المخيّلة

ليس مؤيدو الطاغية أغبياء أو أشراراً بالضرورة. هم بغالبيتهم، كغيرهم من البشر، عقلانيون. لكن الاختيار العقلاني محكوم دائماً بالتقدير الذاتي لما هو متاح من بدائل ضمن مساحة الحرية المتوفرة ونوعية المعرفة المتلقاة. فالمؤيد للطاغية هو إنسان مستلَب الحرية ومدفوع بالخوف من التغيير، تحركه غريزة البقاء. ينحصر الاختيار بالنسبة له بين استمرار الواقع بما يشوبه من عيوب وبين سيناريوهات بديلة أشد سوءاً. صياغة تلك السيناريوهات هي ما تعمل عليه السلطة وتترك بعدها لجمهورها مهمة الاختيار.

تنحصر خيارات جمهور الطاغية بما يلي: إما العيش في ظل سلطة قمعية تتيح هامشاً ضيقاً للحريات السياسية، ولكنها علمانية في الظاهر، وتحفظ أمن ووحدة الدولة واستقرارها وتتبنى خطاباً وطنياً وتعادي إسرائيل، أو الانتقال إلى نظام إسلامي متشدد وقمعي ولا يعترف بحريات اجتماعية أو سياسية ويقصي مجموعات دينية وطائفية عن السلطة، أو يحدث فوضى عارمة وحرباً أهلية ممتدة وانعداماً للأمن، او دولة مقسمة لكيانات ضعيفة يعادي بعضها بعضاً، أو خضوعاً لاحتلال دولة أو عدة دول أخرى.

لذا فإن الاختيار العقلاني بين تلك البدائل سيفضي لتفضيل استمرار الواقع، فلا أفق للتغيير نحو الأفضل، ولا مجال لزيادة هامش الحرية أو لإقامة دولة مواطنة يعيش مواطنوها تحت سقف القانون. وإنما استمرار للعمل بقوانين طوارئ، معلنة أو غير معلنة، الأولوية فيها هي الحفاظ على الأمن ووحدة الدولة وحماية فئات المجتمع بعضها من بعض، ومنع تحقق أي من السيناريوهات الأخرى.

أقوال جاهزة

شارك غردلا أفق للتغيير نحو الأفضل، ولا مجال لزيادة هامش الحرية أو لإقامة دولة مواطنة يعيش مواطنوها تحت سقف القانون. وإنما استمرار للعمل بقوانين طوارئ، معلنة أو غير معلنة، الأولوية فيها هي الحفاظ على الأمن ووحدة الدولة وحماية فئات المجتمع بعضها من بعض... ذلك هو منطق مؤيدي الطاغية

شارك غردقد يبلغ طغيان الديكتاتور حداً يعتبر فيه مخيلة الجمهور ضمن دائرة اختصاصه وساحة إضافية تخضع لما يخضع له الواقع من سيطرة ورقابة وتحكم.

شارك غردفي ظل سطوة النظام الحاكم وجبروته وهيمنة خطابه، تصبح الحقيقة غير ذات معنى ويصبح الجمهور معنياً فقط بسماع رواية السلطة وتبني وجهة نظرها وإثبات صوابها واجترار خطابها. كل ذلك نتيجة لسيطرة هاجس الخوف، فهو المصدر الحقيقي لشرعية بقاء السلطة

لا يكتفي الطغاة وأذرعهم الممتدة في أجهزة الدولة بتحديد السيناريوهات وتوضيح الخيارات وحصرها بمجموعة واضحة، بل يعملون أيضاً على ترسيخها في الواقع وتسليط الضوء على ما يؤكدها وتغييب ما ينفيها أو يخالفها. تلجأ السلطة الاستبدادية إلى تعريف البدائل وتعليب وتغليف الخيارات وتقديمها للجمهور بعد التأكد أن هذا الأخير قد أصبح واعياً لقوة مؤسسات الدولة وسطوتها ومحدودية قدرته على التغيير أو تحدي تلك القوة الجارفة والأعلى من أي قانون أو سلطة رقابية، ومدركاً لتكاليف انهيار النظام الحالي المتوقف على وجود أشخاص معينين على قمة هرم السلطة. كما يستثمر الطغاة في ترسيخ عدم الثقة بين المكونات المجتمعية بحيث لا يصبح الانتقال الديمقراطي خياراً متاحاً أو موضع قبول شعبي. غياب الثقة هو ما يدعو الكثيرين لتأجيل نقاش الانتقال الديمقراطى والتوسع في هامش الحريات وضمان حقوق المواطنين وحكم القانون. بناءً على ما سبق، تصبح غاية المنطق هي تبرير الأمر الواقع، ورغم المعاناة المُعاشة يومياً، سوء البدائل يجعل من الحفاظ على الواقع بشروره وسوئه واجباً وضرورة. تلك الحالة الغرائزية هي نتيجة لسياسات موجهة وخطاب أحادي يصر على تعميم الخوف وإظهار شرور التغيير ومحاسن الواقع المعيوش.

قد يبلغ طغيان الديكتاتور حداً يعتبر فيه مخيلة الجمهور ضمن دائرة اختصاصه وساحة إضافية تخضع لما يخضع له الواقع من سيطرة ورقابة وتحكم. لذا يصبح لا بد من تأطير وتقنين هذا الفضاء عبر صياغة خطاب محدد وتعميمه وإبراز ما يؤكد صوابيته ومحاربة وإخفاء ما قد يدحضه. فيمكن القول إن السلطة تتخذ من الجماهير المؤيدة دروعاً بشرية تحتمي بها من التغيير، لكن لا يتم ذلك بطريقة قسرية بالضرورة بل بالإقناع أيضاً. تستخدم السلطة في ذلك قوتها الناعمة المتمثلة بأجهزة الإعلام والدعاية، وقوتها الخشنة التي تمارسها أجهزة المخابرات والجيش والميليشيات التابعة أو الموالية للسلطة. ينتج عن ذلك أن يصبح لجمهور الطغاة مخيلتان، الأولى مخيلة تبريرية مرتبطة بالواقع وتسعى لتبسيطه وتفسيره، والثانية مستقبلية وتمتاز بأنها فقيرة وتشاؤمية.

في ظل سطوة النظام الحاكم وجبروته وهيمنة خطابه، تصبح الحقيقة غير ذات معنى. فالجمهور غير معني بمعرفة الحقيقة المجردة، بل معني فقط بسماع رواية السلطة وتبني وجهة نظرها وإثبات صوابها واجترار خطابها. كل ذلك نتيجة لسيطرة هاجس الخوف. فهو المصدر الحقيقي لشرعية بقاء السلطة، ولكن يتم تغليفه بخطاب وطني وشعارات حول سيادة الدولة ومقاومتها لإرادات الدول الأخرى وممانعتها للمؤامرات وللشرور المرافقة لأي تغيير. جزء من جمهور المؤيدين يدرك خواء تلك الشعارات، لكنها ضرورية ليس فقط للسلطة بل أيضاً لشرعنة الموقف المؤيد لها.

عموماً، تخفق الثورات والحركات الاحتجاجية عندما تفشل في رسم بدائل مختلفة وتبديد المخاوف من التغيير عند جمهور النظام القائم. في الحالة السورية، لم ينجح قادة الحراك الثوري حتى في تبديد مخاوف جمهور الثورة ذاته، بل اكتفوا بالمراهنة على لا أخلاقية ممارسات نظام الأسد وحتمية فشله عسكرياً وسياسياً. نجم عن عفوية الحراك الثوري أن انساقت مياه الثورة في قنوات حفرها لها النظام، الأمر الذي عزز رواية النظام وساعده في تأكيد الصورة التي رسمها للمشهد في حال انهياره وانتصار معارضيه.

هل ما ورد يبرر تأييد شريحة واسعة من المجتمع للطغاة؟ الإجابة شائكة جداً، لذا سأتنجنب الإجابة بنعم أو لا. فليست الإجابة عن هذا السؤال هي الغاية من التحليل السابق، وإنما الغاية هي فهم حيثيات الظاهرة ودوافعها دون الخوض في المحاكمة الأخلاقية للموقف المؤيد للطاغية والمناهض للتغيير، وتبعات موقف كهذا على باقي أفراد المجتمع. الإجابة المختصرة بنعم أو لا ستخفي حتماً التنوع ضمن تلك الفئة الرافضة للتغيير. فليس من يؤيد الطاغية استناداً إلى خلفيته الدينية أو الطبقية كمن يؤمن بمشروعية الطاغية وصوابية أسلوب حكمه، ولا كمن يؤمن بالديمقراطية مع الاعتقاد بأن اللحظة التاريخية لا تحتمل التبني المباشر لنظام سياسي تعددي.

بالطبع من الأسهل تقديم حكم أخلاقي بحق ظواهر أكثر تطرفاً كالبلطجة والتشبيح. لكن الاكتفاء بموقف نظري أو رأي مؤيد لاستمرار حكم الطاغية يحتاج إلى دراسة متأنية وتروي قبل إصدار أحكام أخلاقية قطعية بحقه.

 

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
عزام القصير

باحث في شؤون الحركات الإسلامية وقضايا التحديث السياسي في العالم العربي، حائز على ماجستير في سياسات الشرق الأوسط من جامعة إكستر، بريطانيا.

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات