يا إلهي، لقد أدمنّا هذه الحرب!

يا إلهي، لقد أدمنّا هذه الحرب!

في زيارتي الثالثة لمخيم اليرموك منذ انتهاء العمليات العسكرية فيه، حاولت إقناع نفسي بأنني اعتدت مشاهد الدمار. عندما يسألني أحد عن المخيم أقول "أكثر دمار شاهدته هولاً وحجماً وكثافة"، وهذا الدمار الهائل يقرر كل مرة أن يفاجئ الصور المكدّسة في مخيلتي ليضيف إليها أبعاداً أخرى، وهذه المرة، مع خليط من مشاهد جديدة.

بعد مدخل شارع فلسطين بعشرات الأمتار تلوح ألوان الأبيض والأسود والرمادي بين الركام والأحجار. على جانب الطريق وُضعت بعض اللوحات، وإلى جوارها شبان وفتيات اختاروا هذا الشارع الذي كان يوماً ما خط الجبهة الأول بين طرفي النزاع، لينصبوا مراسمهم ويشرع كل منهم في تخيل صورة ما وتحويلها إلى لوحة.

لا يمكنني أن أتخيل مشهد أكثر غرابة وسريالية. أشرع في التقاط بعض الصور. من الأسفل، من داخل أحد الأبنية، من كافة الجوانب. وعندما أعاينها أجدها جميلة للغاية. تمازج بصري فريد بين كآبة الدمار وفرح الألوان. الاندهاش الأول: أنا أعتقد بأن صوراً تخفي وراءها آلاماً لا متناهية، تبدو جميلة.

اقترب من الفتاة الأولى. أراقب ما ترسمه. تخبرني بأنها انتهت من لوحة وضعتها على الأرض. جرة فخارية وقارورة زجاجية وكأس وقطعة من الفاكهة. الجرة هي الشيء الوحيد الذي تمكنت من إنقاذه من منزلها الذي يقع في الشارع المجاور، وترى بأن لوحتها تعبير صامت عما تشعر به حيال دمار وفقدان بيتها.

فتاة أخرى ترسم طفل حرب. فقد عينيه ويحمل أمام وجهه صورة عينه اليمنى القديمة قبل فقدانها، وكأنه يريد أن يخبر من حوله بأنه على ما يرام. لوحة ثالثة تُظهر منزلاً بنافذة تحاول أن تُفتح على العالم الخارجي.

أحد الشباب يرسم طفلاً يبدو عليه الحزن، وينظر من الأعلى لعالم سفلي يحترق. يقول الشاب إن منزله يقع على بعد أمتار قليلة، وإنه يحاول من خلال الشيء الوحيد الذي يتقن عمله، وهو الرسم، أن يتحدث عن ألم الحرب والفقدان والخسارة، وما أصعب ذلك وهو يقف وجهاً لوجه مع هذا الألم.

أفكر في أصدقائي ممن كانوا يعيشون داخل مخيم اليرموك قبل الحرب. أحاول أن أعرف بماذا كانوا سيفكرون لو كانوا هنا. أعجز تماماً عن ذلك.

صوت مارسيل خليفة يصدح من مكبر صوت مجاور رديء النوعية: "وليكن. لا بد لي أن أرفض الموت...". الاندهاش الثاني: يعجبني هذا المزيج بين الدمار والألوان وأغان مضت عليّ سنوات دون أن أسمعها، وتشكّل جزءاً لا يستهان به من ذاكرتي.

أقوال جاهزة

شارك غرديقفز أمامنا عدد من الأولاد ويتسلقون تلة من الركام ليعبروا نحو شارع فرعي. يخبرني الرجل بأنهم من العائلات القليلة التي بقيت في المنطقة طوال الأعوام الماضية، وعاشت الحرب والحصار بكل فصولهما، وتستمر في الحياة هنا رغم عدم توافر أبسط الخدمات كالمياه والكهرباء.

شارك غردفكرة سريعة تمر في مخيلتي. "اشتقت لأصوات الحرب، وللأدرينالين الذي يسببه ذلك الشعور بالخوف، والذي لا يشبه أي شعور آخر على الإطلاق".

أنتهي من رؤية اللوحات. أتجول قليلاً في المساحة المجاورة. يتطوع أحد الرجال الموجودين في المكان ليخبرني بأن هذه النقطة بالذات شهدت أعتى المعارك مع تنظيم الدولة الإسلامية على وجه الخصوص. "هنا ما كان يسمى دشمة الملك، حيث رُفعت سواتر عالية إلى جانب هذا المحل وهو فلافل الملك. دشمة الملك باتت علامة لكافة معارك المخيم وكأنها بوابة دمشق".

الدمار حول هذه النقطة يَشي بضراوة المعارك التي دارت لشهور طويلة هنا. فوارغ طلقات مضاد طيران مرمية على الأرض، ورائحة بارود نافذة تعبق في المكان. الاندهاش الثالث: في رائحة البارود ما قد يسبب الإدمان. تنفذ إلى داخل الصدر، ولا يمكنني التوقف عن استنشاقها وأرغب مع كل نفس في ملء صدري بالمزيد.

يقفز أمامنا عدد من الأولاد ويتسلقون تلة من الركام ليعبروا نحو شارع فرعي. يخبرني الرجل بأنهم من العائلات القليلة التي بقيت في المنطقة طوال الأعوام الماضية، وعاشت الحرب والحصار بكل فصولهما، وتستمر في الحياة هنا رغم عدم توافر أبسط الخدمات كالمياه والكهرباء.

أكمل سيري لأصل إلى نقطة يتجمع عندها عدد من مقاتلي الجيش السوري. حوالى عشرة شبان ورجال يتحلقون حول إبريق من الشاي.

معظمهم مضى على وجوده هنا أكثر من خمسة أعوام. عايشوا كل أحداث المخيم، ويمكنهم حتى اليوم روايتها بأدق التفاصيل، وبكل ما يستطيعون إليه من فخر. يتذكرون عدد السيارات المفخخة التي استهدفتهم. القناصة الذين كانوا يمنعونهم من الوجود عند أي نقطة لأكثر من خمس ثوانٍ وإلا فسيكون مصيرهم الموت المحتم. الخنادق التي حفروها وكانوا يمرون عبرها من طرف لآخر، ولا يزال أثرها على الأرض حتى اليوم. تهريب الطعام والشراب تحت جنح الظلام. "سقى الله تلك الأيام"، يقول أحدهم. "ما كنا لنحلم بأن نتمكن من الوقوف هكذا بكل حرية في شارع فلسطين كما نحن اليوم".

فكرة سريعة تمر في مخيلتي. "اشتقت لأصوات الحرب، وللأدرينالين الذي يسببه ذلك الشعور بالخوف، والذي لا يشبه أي شعور آخر على الإطلاق". الاندهاش الرابع.

يخرجني أحد الجنود من دوامة أفكاري الغريبة. ينهي حديثه: "ذكريات الحرب لا تشبه أي شيء آخر"، ويتنهد كل من هم حوله.

أشعر بأنني لا أريد العودة لمنزلي. لمَ لا أتحول للوحة وأصطف إلى جانب تلك اللوحات الموضوعة على الأرض؟ لمَ لا أنضم لأولئك الأطفال الراكضين وغير العابئين بحياتهم التي لا مياه ولا كهرباء ولا ألعاب فيها سوى أكوام التراب؟ أريد أن أستنشق رائحة البارود ملء رئتي وأن أنام وأستيقظ على صور الدمار. لقد أدمنت الحرب بكل ما فيها من روائح وصور وأصوات.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

التعليقات