يا إلهي! رضاعة في أماكن عامة؟

يا إلهي! رضاعة في أماكن عامة؟

أحد أصدقائي كان يزور أمه، القاضيّة، والتي تعمل في القصر العدلي في مدينة دمشق، حين رأى امرأة ريفيّة أمام باب المحكمة منتظرة زوجها، وفي يديها رضيعٌ في شهوره الأولى. بكى الطفل جائعًا، جلست الأم على الأرض وبدأت بإرضاعه.

أثناء الرضاعة، مرّ أحد العاملين في القصر العدلي، وركلها على صدرها صائحًا: "ضبي صدرك شو مفكرة حالك بخيمتك؟" ومن ثم تابع مشيه دون أن يوقفه أحد ودون أن يهرع لنجدتها أي شخص.

الأسبوع الأول من شهر آب/ أغسطس من كلّ عام هو الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعيّة. في هذا العام احتفت صفحة منظمة اليونيسيف على موقع تويتر بهذا الأسبوع ونشرت تغريدات مثل: " أول حليب يخرج من الثدي — ويسمى اللبأ — غني جداً بالمغذيات والأجسام المضادة ويعمل كأول لقاح للطفل فهو درع حيوية تحميه من المرض".

قبل أيام قليلة، انتشرت صورة امرأة ترضع طفلها في مطعم ما على مواقع التواصل الاجتماعي. طلب بعض رواد المطعم من المرأة أن تستتر. فما كان من المرأة إلا أن وضعت الغطاء على رأسها تاركة طفلها يتنفس وهو يرضع من ثديها.

في أحد المواقع العربيّة، وبعد بحث قصير، وُجدت نصائح للرضاعة الطبيعيّة في الأماكن العامة. واحدة من هذه النصائح: "اسألي هل يوجد مكان مخصص للرضاعة وتغيير حفاضات الصغار في المكان الموجودة فيه، يمكنكِ استخدام الحمام أو المُصلى لإرضاع صغيرك أيضًا."

يُفضل محررو هذا الموقع أن ترضع النساء أطفالهنّ في الحمام على أن يرضعنهم أمام عيون الرجال. ربما لأنّ الرجال لا يحبون أن يروا أثداء لا يستطيعون الوصول إليّها.

من غير المفهوم هوس بعض رجال بلادنا المقيمين (أو الزائرين) في المدن الأوروبيّة بثدي الأم المرضعة. يكاد يكون رجال بلادنا المُشبعون بثقافة الذكورة، الوحيدين الذين يحدقون في الثدي حين تهمّ امرأة ما بإرضاع طفلها.

أقوال جاهزة

شارك غردسؤال سهل: ماذا تفعل المرأة حين يبكي رضيعها طالبًا الحليب؟

شارك غردإذن أيها الدنيء، ما الذي يجذبك جنسيًا إلى امرأة ترضع طفلها في مكان عام؟

سؤال سهل: ماذا تفعل المرأة حين يبكي رضيعها طالبًا الحليب؟

الجواب سهل: ترضعه.

سؤال آخر: أين ترضعه؟

جواب: في أيّ مكان.

سؤال: وإن أرضعت المرأة رضيعها أمامك، هل يكون ذلك سلسًا أم أنّ المكان لن يكون مريحًا للمرأة، وبالتالي لرضيعها؟

إن كان جوابك يدور حول طبيعيّة الفعل وحق المرأة في إرضاع طفلها ساعة تشاء، أينما تشاء، فهنيئًا لك. أنت إنسان طبيعي لا تتحكم غرائزه بأفعاله اليوميّة وأقواله. أما إن كان لديك إجابة أخرى مثل: لتستر ثديها أو لتتوجه إلى مكان مخصص للنساء أو لتذهب إلى غرفة أخرى، فيسعدني أن أصفك بالدنيء.

إذن أيها الدنيء، ما الذي يجذبك جنسيًا إلى امرأة ترضع طفلها في مكان عام أو ما الذي يهين رجولتك في ذلك؟

يتشدق الكثيرون بحجج مختلفة لوجوب امتناع المرأة عن إرضاع طفلها في الأماكن العامة. وما هذه الحجج، وما أصحابها، إلا عقبات في طريق الحصول على الحريّات الفرديّة والعامة. هؤلاء أعداء طبيعيّة الإنسان. هؤلاء الأشخاص وآليات تفكيرهم من أسباب تخلف مجتمعاتنا وتسلط الدكتاتوريين علينا. المصيبة أنّهم يعتقدون بأحقيتهم في فرض ما يشاؤون على من يشاؤون.

الآن، أيّها الدنيء، بعد أن قرأت ما سبق، اشتمني واشتم النساء العاريات اللواتي يفرحنّ بأثدائهنّ الخارجة من مسكنها، واشتم الرجال من أشباهي ممن تعتقد أنّهم بلا شرف. اشتمنا كما تشاء. لكنّ، أيّها الدنيء، تأكد أنّ المستقبل لنا، نحن الأحرار، من لا تتحكم غرائزنا بنا. نحن أحرار القول والفكر والفعل، وابقى أنت وأمثالك عائشين في طيّات كتب التاريخ المزورة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
دلير يوسف

كاتب ومخرج من سوريا، أخرج عدداً من الأفلام السينمائيّة منها: "أمراء النحل" و"منفى" و"بانياس: البدايات" و"حبل غسيل". وله كتاب مطبوع بعنوان "حكايات من هذا الزمن" صدر في العام 2014 من بيروت. مقيم حالياً في برلين- ألمانيا.

التعليقات