من "الأديرة" إلى "الكعبة" قصص الانتحار في حضرة الرب

من "الأديرة" إلى "الكعبة" قصص الانتحار في حضرة الرب

أن تعاني روحك من الإرهاق فتبحث عن ملاذ أو صديق قادر على إعادة بعض السكينة لها، لأمر طبيعي، خاصةً مع زيادة الضغوط والمعاناة في تفاصيل حياة معظمنا، وقد يختلف الملاذ بين طبيب وبيت صديق، وفي حال فشلت كل المحاولات فسوف يكون عليك اللجوء إلى الرب -أو هكذا سيقوم معظم الناس بإخبارك- فتتجه مباشرة إلى بيت قريب له، كنيسة أو مسجد أو معبد، ولكن شاءت الظروف واستطاع البعض الترحال إلى حيث قِبلة الرب، وبدلاً من نيل السكينة قرروا الانتحار هربًا من كل شيء إلى المجهول.

انتحار الرهبان في مصر..  لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا

الحادث الأخير الذي أثار الدهشة والجدل يعود إلى الغموض الذي أحاط بواقعة محاولة الراهب "فلتاؤس المقاري" الانتحار عن طريق قطع شرايين يديه والقفز من الدور الرابع لدير الأنبا أبومقار بوادي النطرون بمصر، سبقت هذا الحادث أحداث غريبة من مقتل الأنبا إبيفانيوس الذي نتج عنه تجريد أحد الرهبان ويُدعى "أشعياء المقاري" زميل ورفيق "فلتاؤس" الذي حاول الانتحار أيضًا بتناوله السم، من رتبته وطرده خارج الدير، وعودته لاسمه بالميلاد وائل سعد، لتتعالى أصوات مجتمع الكنيسة وخارجه زعمًا بعودة زمن "يهوذا" –الذي تسبب في صلب المسيح بخيانته له- كما أطلق البعض على الحادث، قبل أن تنفي الكنيسة المصرية ارتباط تجريد "أشعياء" من رتبته بمقتل الأنبا إبيفانيوس مع فرض سرية تامة لجميع ملابسات الأحداث بعد ذلك.

وبعيدًا عن الحادث وتفاصيله الغامضة، فإن محاولة راهبين الانتحار تكشف وجهًا جديدًا للحالات النفسية قد يفوق القدرات الروحية للكنيسة في مداواة قلوب البعض كما ينصح الكثيرون، فالرهبان أنفسهم كانوا ملجأ لشعب الكنيسة أحيانًا من أجل إنقاذ أرواحهم المسلوبة منهم في الوقت الذي يبدو أنهم كانوا بحاجة حقيقية ومُلحة إلى ملجأ أخر، طبيًا ربما، أو صديق من خارج ذلك المجتمع الديني البحت، ففي النهاية "أشعياء" و"فلتاؤس" كانا صديقين كما أكد زملاؤهم في شهادات نُشرت في صحف مصرية، أي كان يجب في مرحلة ما تدخل صديق مُختلف قليلًا في حياتهما يمتلك أجوبة وحلولًا نفسية لم يجداها داخل تلك الجدران التي قبعا خلفها سنوات عدة.

وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.. ولو كان في بيت الله الحرام

من ناحية أخرى، لم تكن الواقعة الأخيرة لانتحار رجل فرنسي يبلغ من العمر 26 عامًا قفزًا من أعلى طوابق الحرم المكي في السعودية هي الأولى من نوعها، فمنذ عام 2008 حينما أقدم باكستاني مقيم في السعودية منذ 15 عامًا على الانتحار في شهر رمضان وعقب صلاة التراويح، تكررت محاولات الانتحار في تلك المنطقة وتعددت الضحايا مع اختلاف الطريقة قفزًا أو عبر محاولة إشعال النيران في الجسد، بين سيدة أسيوية ومواطن سعودي وسوري ويمني، ومؤخرًا الشاب الفرنسي، صاحب مقطع الفيديو الشهير لهذا العام، الذي ظهر فيه وهو يُلقي بنفسه من أعلى سطح المسجد الحرام نزولًا إلى صحن الطواف ليسقط قتيلًا، إذ أكدت وسائل الإعلام الفرنسية أنه أحد مواطنيها بعد ذلك نقلًا عن وزارة الخارجية الفرنسية.

وبالعودة قليلًا إلى حوادث الأعوام الثمانية السابقة سنجد الكثير من حالات الانتحار، ففي عام 2010 حدثت ثلاث وقائع لمحاولات انتحار فاشلة في معظمها، بدأت مع مواطن سعودي يعمل في هيئة البريد، قام بالانتحار شنقًا داخل دورة مياة الحرم، ثم محاولة شخص آخر قرر اتباع نفس الطريقة وتدلى بالحبل من الدور العاشر لبرج زمزم بالقرب من الحرم المكي قبل انقاذه، واُختتم العام الذي مر صعبًا على هيئة الدفاع المدني بمحاولة انتحار ثالثة، وبنفس الطريقة إذ لف شاب الحبل حول عنقه ومن ثم ألقى نفسه ولكن تم إنقاذه.

أقوال جاهزة

شارك غردبلغ البيت الحرام وألقى بنفسه من سطحه، أو اعتزل صُحبة يسوع وقرر الانتحار... مُكلفون بحماية قُدسية الحياة بحاجة إلى من يحميهم

شارك غردشاءت الظروف واستطاع البعض الترحال إلى قِبلة الرب، وبدلًا من نيل السكينة قرر الانتحار هربًا من كل شيء إلى المجهول.

وبعد تلك الحادثة بعام واحد، لم يجد حاج سوري إلا الانتحار داخل الحرم قفزًا من دور علوي من أجل لفت انتباه الزوار للقضية السورية، وتمكن الدفاع المدني من التدخل بشكل ناجح ومنع تلك المحاولة، وتوالت المحاولات المُشابهة في عام 2015 بواقعتين، الأولى بطلها مقيم أسيوي، 35 عامًا، ولقي حتفه، والمحاولة الثانية كانت لمعتمرة من الصين تبلغ 40 عامًا تقريبًا وتوفيت أيضًا، فيما نجح شاب يمني في الانتحار عن طريق القفز من على شرفة المسعى للطابق الثاني وسقط جثة هامدة بسبب ارتطامه بصخرة الصفا عام 2016.

عام 2017 لم يمر في سلام أيضًا إذ شهد محاولة انتحار بجوار الكعبة مباشرًة لرجل قام بسكب البنزين على جسده لأسباب نفسيه تبين فيما بعد أنها تعود إلى مشاكل مالية مع أقاربه حول الميراث، ولكن تم القبض عليه قبل إنجاز محاولته.

فيديو قديم لانتحار رجل قفزًا

فيديو يوضح منع أحد المعتمرين من إشعال النيران في نفسه

فيديو انتحار الشاب الفرنسي في شهر يونيو الماضي

في بلاد الزُهد، للانتحار أسباب أخرى

الأمر لا يُقتصر على رجال الأديان الإبراهيمية، فمنذ عام ونصف تقريبًا، أقدم راهب بوذي كوري على الانتحار اعتراضًا على سياسات رئيسة كوريا الجنوبية بارك كون هيه بعد اتفاقها على تسوية مع اليابان بقبول اعتذار رئيس الوزراء الياباني عن ممارسات غير أخلاقية لجنود يابانيين مع نساء كوريات حدثت في زمن الحرب، الأمر الذي دوٰنه ذلك الراهب في مذكراته قبل إضرامه النيران في جسده خلال مسيرة مناهضة لرئيسة كوريا الجنوبية بعد نحو العامين على تلك الاتفاقية.

وقد يجول في خاطرك حين رؤية تلك النماذج مئات المرات التي وضع أحدهم أمامك حل التقرب إلى الله لمواجهة ميولك الانتحارية مثلًا، فما بالك بمن ازداد قربًا حتى بلغ بيت الله الحرام ومن ثم ألقى بنفسه من سطحه، أو اعتزل الجميع وبقي في صُحبة يسوع قبل أن يتجاهل تلك الصُحبة ويقرر الانتحار أو أن رجالًا مُكلفين بحماية قُدسية الحياة هم ذاتهم بحاجة إلى من يُعينهم على تحمل الضغوط النفسية. لماذا لم يفلح معهم ذلك الحل الروحاني؟ هل نحتاج في العصر الحديث إلى علاج حقيقي ملموس يُناسب مجتمعاتنا ويحفظ بعض الأرواح أن تُزهق؟

التحليل النفسي للانتحار في حضرة الرب... تضارب المصالح بين الدين والعلم

قدمنا كل تلك التساؤلات إلى د. جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، فشدد على أن الطب النفسي هو علاج عضوي، لذا ليس هناك فرق أن يكون المريض رجل دين أو موظفًا أو طبيبًا، فالجميع معرض لتلك التغيرات الكيماوية التي تُفقد الشخص رغبته في الحياة، ومن ثم اتخاذه قرار الانتحار.

وأضاف: "منذ البداية هناك صراع بين مؤسسات الكهنوت الدينية بمختلف أنواعها وبين جميع مجالات الطب، وبعد شد وجذب انتهى بانتصار التخصص العلمي لعلاج معظم الأمراض، بقي الطب النفسي مستمرًا في ذلك الصراع حتى الآن، خاصة أن رجال الدين اعتادوا تقديم تفسيراتهم للمرض النفسي على أنه مس شيطاني أو أرواح شريرة، وهو الأمر الذي لن يسهل التراجع عنه وإفساح المجال كاملًا للمتخصصين".

وعن الصراع بين الطب وإصرار البعض على صبغ المرض النفسي بالدين كشف "جمال فرويز" عن معاناة يشهدها ذلك المجال أمام تمسك رجال الدين من أهل السنة بالنسبة للإسلام والأرثوذكس في المسيحية وبعض فئات حاخامات اليهود بالمعتقدات القديمة والتفسيرات التي لا تُجدي نفعًا الآن، وأرجع ذلك إلى أن الصراع بين رجال الدين والطب النفسي هو في الأصل تضارب مصالح، وأنه يجب علينا جميعًا الاستسلام وتقبل الحل الطبي القادر على علاج المشاكل النفسية بشكل سليم بدلًا من تقاليد لا يوجد لها أصل حتى في الأديان ذاتها.

وأكد د. جمال فرويز أنه في النهاية، وبعيدًا عن حوادث الانتحار الأخيرة تلك، تشهد الأمور بعض الاختلاف في الفترة الأخيرة حيث أنه شخصيًا على علم بحالات كثيرة لرجال دين بمختلف معتقداتهم بدأوا في اللجوء إلى الطب النفسي وزيارة متخصص لعلاجهم من حالات الاكتئاب وسواه من أمراض نفسية، ولكنهم يحرصون على فعل ذلك في الخفاء وفي مواعيد خاصة نظرًا لحساسية موقفهم ووضعهم الاجتماعي.

المصادر

قصة رهبان وادي النطرون وشهادات زملائهم

انتحار شاب فرنسي من الحرم المكي

حوادث الانتحار في الكعبة

قصة انتحار راهب بوذي

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات