كيف فقدت عذريتي: الأحزاب الوهمية ونصف الوهمية

كيف فقدت عذريتي: الأحزاب الوهمية ونصف الوهمية

في طلب الانتساب النموذجي الذي يقدّم للانضمام إلى حزب البعث العربي الاشتراكي ثمّة فقرة تشرح فيها منبتك الطبقي والذي سيكون بالضرورة منبتا بروليتاريّاً حتى لو كنت من عائلة روتشيلد، فتكتب في الطلب: نشأت وترعرعت في بيئة فقيرة مؤمنة بأهداف الحزب وتطلعاته.

ومن الجلي أني لن أنكر هذا، لكن الفارق أني نشأت في الغضب وتنفسته، في السخط معجوناً بالعجز وممدودا على رغيف يابس، الغضب الغاضب المهتاج المتألم العاجز الصامت، غضب الجائع والمحتاج، غضب اليائس والفاقد والملتاع، تجاه كل شيء..الدولة، العائلة، المؤسسة التعليمية، الوقت، الدين، الأشباح والألبسة المرقطة والأحذية القاسية.

كانت الحاجة والخذلان والنقص رفاق أنفاسنا اليومية، ولدنا في العوز وولد معنا، أرّقناه وأرّقنا حتى تقبلناه كقدر طبيعي ومصير لا نأمل بغيره.

أنّى لصف ضابط في الجيش ووالد لتسعة أشخاص نهمين أن يؤمن قوتهم وتكاليف تعليمهم ويحميهم بنفس الوقت من الانحرافات التي كانت تنمو في الأرجاء كفطر جذل، كانت ابتسامته العريضة أول الشهر تبدأ بالتناقص إلى أن تنتهي في أسبوع أو أقل فيبدأ الاستدانة ممن أسعفهم الحظ وكانوا أقلّ عددا وكانت والدتي تحتال بطرق سحرية على الطعام ليبدو أكثر وأسهل في المضغ كإضافة ضعف الكمية المطلوبة من المياه أو من عصير البندورة لنشبع.

في الوقت الذي نحا فيه أقراني في الحي صوب جمعية المرتضى الدينية (والتي انحلّت لاحقا بأمر جمهوري) كتجمّع يؤمّن لهم الحماية وإثبات الوجود وجدت نفسي أبحث عن بقايا اليساريين في المحافظة، كانت الأحزاب اليسارية المحظورة آنذاك قد لفظت أنفاسها تحت ضربات النظام المتكرّرة واختراقاته الأمنية الغريبة، فلم يتبق في الساحة إلا البكداشيين البهاليل.

كان غضبا مبررا وسخطا طبيعيا لمراهق في الخامسة عشر من عائلة نامت ليال كثيرة بلا عشاء، كان تأمين ثمن خبز الغد هاجسا يقلق والدي ويقلقنا أيضا، بالتأكيد لم نكن الوحيدين في هذه الحفرة، إذ أن السواد الأعظم من السوريين في نهاية السبعينيات وكل الثمانينيات وبداية التسعينيات كانوا يرزحون تحت صخرة الفاقة على هذا النحو أو ذاك، في ظلّ القيادة الحكيمة التي حطّمتْ على صخرة (الصمود والتصدّي) عتاة الرأسمالية العالمية وعجزت عن تأمين الرغيف بشروط إنسانية.

كنا فقراء لكننا فخورون أيضا وممتلئون على نحو غامض بالأمل الذي توفّره لنا يفاعتنا قبل أن تحطمنا المشاريع الحكومية واليأس الجمهوري، كانت الفتيات تتهادى صوب مدرستي (طلال ياسين) و(الثورة) باللباس الخاكي الموحّد والرقع ظاهرة على مؤخراتهن أو على ركبهن ولم يكن خجلات من هذا، إذ أن الجميع يشبه الجميع.

لم يكن هناك أغنياء في أحيائنا، البيوت متشابهة وكذلك نوعية الطعام والملابس أما السيارات فنادرة، كانت الفروق الطبقية ضئيلة تتبدّى ربما بامتلاك هاتف أرضي أو تلفزيون ملوّن أو بإضافة بعض اللحم على الطعام، كان الألم موزّعا بعدالة على الجميع تقريبا.

أقوال جاهزة

شارك غردكانت الأحزاب اليسارية المحظورة قد لفظت أنفاسها تحت ضربات النظام المتكرّرة واختراقاته الأمنية الغريبة، فلم يتبق في الساحة إلا البكداشيين البهاليل

شارك غردنشأت في الغضب وتنفسته، في السخط معجوناً بالعجز وممدودا على رغيف يابس

ثم جاءت عاصفة التهريب الأولى لتصنع موجة من الألبسة المموّهة واللحى الطويلة ومسدسات الكولت وبدأنا نسمع بماركات الأحذية والملابس ثم ظهر الموز في الأسواق وعلب الجبنة الفرنسية وأنواع التبغ الأميركية.

كان الأغنياء يعيشون بعيدا في كوكب آخر، كوكب يدعى: إششش اخرس، مثلما كانت الدولة أيضا، كان الرئيس يظهر مبتسما في التلفزيون بفيديو صامت يرتدي طقما غامقا وتظهر قدماه وجواربه وحذاؤه وهذه كانت مفاجئة لنا إذ كنا نعرف رأسه فحسب، يتحدّث دونما صوت ثم نرى صوته في الأيام التالية على جدران المدرسة والأبنية الحكومية واجتماعات منظمة شبيبة الثورة، فنحتار ونتساءل متى قال هذا وهل يتحدّث فعلا أم أن أحدا آخر يقول كلامه.

كانت مشاعرنا نحوه متضاربة، إذ أنه لم يكن يوجد إلا صامتا أو على هيئة صورة على جدار أو تمثال نصفي، لم نعلم إن كان يجدر بنا أن نكرهه أو أن نحبه، لكننا في الحالتين فعلنا ذلك بصمت وخشية، أحببنا وكرهنا، أخذنا معرفتنا ورؤيتنا للعالم، عرفنا أصدقاءنا وأعداءنا من صورة صغيرة على جدار، من تمثال حجري أو من فيديو صامت فحسب.

كنت أعتقد جازما أنه السبب في كل المصائب التي تحيق بنا، الرقع في بنطلون أختي وحذائي البلاستيكي الذي يترك حفرا في قدمي، القمصان الداخلية الممزقة، ندرة اللحوم والأرز في الطعام، العلامات المتدنية في امتحان الرياضيات والتربية الدينية، انقطاع الكهرباء وملوحة مياه الشرب، المطر المتسرب من النوافذ المكسورة، لكن لم أعرف كيف أكرهه...

بالفصحى، كنت أرغب بشتمه بطريقة منمقة وتستخدم مفردات كبيرة، بالتحدّث كما يفعل أولئك الزوّار الليليّون لأخي الكبير، ويجدون السبل المنطقية لإدانة الحكومة والحزب لكني كل ما فعلته كان غمغمات يفهم منها القصر الجمهوري والحزب الواحد واللعنات ويقينا لم يكن الله سبيلا لي لأبرّر بطريقة غامضة ما لم أستطع فهمه بالطرق الجلية.

كانت كتب دار التقدم ودار رادوغا السوفيتيان مدخلا لي باتجاه الشيوعية، وجمعت أصدقاء لي يشبهونني وقررنا تأليف حزب (كنت أمينه العام على جري العادة السورية وعدد أعضائه خمسة) وإصدار جريدة باسم (الشعلة) كانت أغرب جريدة صدرت على الإطلاق، إذ أنها تصدر على ورق دفاتر مدرسية مسطرة، مكتوبة بخط اليد، وعندما اشتكى (الرفاق) من صعوبة نسخها اكتفيت بإصدار نسخة وحيدة نتداولها جميعا مكتوبة بالقلم الأزرق الناشف وتحوي مقالات الرب وحده يعلم من أين كنت أنسخها.

وانتهت مغامرتنا سريعا عند أول صدام مع إدارة مدرسة رفيق اسكاف الثانوية عندما وشى بي أحد الأشخاص من صف الباكالوريا (تطوّع لاحقا بعد فشله في نيل الشهادة في المخابرات العامة, وفيا لموهبته في الوشاية) وقام موجّه الإعدادي ومدرّس القومية بنفس الوقت وهو شاعر عمودي وبعثي متحمّس أيضا بصفعي وضربي بالعصا على كفّي واكتفى لحسن الحظ بهذا إذ كان من الطبيعي في ذلك الوقت أن يُحضر دورية عسكرية لشبيبة الثورة لتقوم بتأديبي كما ينبغي. 

كانت مغامرتي الثانية على طريق فقداني عذريتي السياسية هي الانتساب رسميا إلى الحزب الشيوعي، لكنها أيضا انتهت وإن بطريقة أخرى، فبعد أربعة أو خمسة اجتماعات لطيفة كنا نتحدث فيها مع الرفيق أبو إيفان بحضور كؤوس كبيرة من عرق الريّان، عن ذكرياته في بلغاريا والنساء اللواتي قابلهن والرفيقات العديدات اللواتي وجد نفسه في فراشهن.

جاءت الرفيقة جميلة عضو المكتب السياسي من دمشق لتقوم باجتماع مع اللجنة المنطقية للحزب وتمت تلاوة تقرير اللجنة في ذلك الوقت وكان هذا في بداية 1992 أي بعد أشهر على سقوط الاتحاد السوفييتي، وكان التقرير مليء بمواضيع على شاكلة: الاشتراكات الشهرية... عدد النسخ غير المباعة من الجريدة الحزبية وأبو جورج يثرثر عن زوجة أبو مكسيم وهكذا...

عندما جاء دوري في الحديث وقفت بكل ثقة واستغربت وجود هكذا تقرير سخيف في حزب شيوعي، في الوقت الذي يغلي فيه العالم بمسألة سقوط الاتحاد السوفييتي وإذا كان ذلك يعني نهاية التجربة أم نهاية النظرية وما شابه من إشكالات، ينشغل الحزب بهذه المواضيع السخيفة؟؟

نظرت إلي الرفيقة جميلة وقالت: حسنا سنضع كلامك بعين الاعتبار لكن مبدئيا انزع يدك عن كتف الرفيقة زويا وكف عن استخدام علبة سجائري...

وهذا كان آخر عهدي بالحزب والرفاق، وانتهى بي الأمر هكذا في سن التاسعة عشر، رفيقا ثيّبا هاربا من حزبين اشتراكيين وأمينا عاما لحزب وهمي ومدخنا شرها لا تفارق أصابعه السيجارة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

شاعر من سوريا، صدر له: خط صوت منفلش 2008، ثلم في تفاحة طافية 2010، التتمات وتفسير الربع الأول من السيرة الناقصة للأخير 2012، لا شيء مسلّ في الحرب 2015.

التعليقات