غاصَ في وحل الواقع حتى انعدمت الرؤية.. "كفر ناحوم" لنادين لبكي

غاصَ في وحل الواقع حتى انعدمت الرؤية.. "كفر ناحوم" لنادين لبكي

قد تكون المرةَ الأولى التي تتاح لي فيها فرصةُ مشاهدة فيلمٍ عربي قبل عرضه الجماهيري في بلد صانعيه، فكم من عملٍ مهم قرأت عنه ورغبت بمشاهدته لكنه سقط في البون الشاسع الذي يفصل أوكلاند حيث أقيم منذ سنوات عشر عن مدن العرب البعيدة..

لذلك، كانت مفاجأةً سارة للغاية عندما تصفّحت منهاج الدورة الحالية من مهرجان الفيلم العالمي في نيوزلندا وعثرت ضمن قائمة عروضه المرتقبة على اسم "كفر ناحوم" الفيلم الأخير للمخرجة اللبنانية نادين لبكي، خصوصاً أني من متابعي تجربة لبكي الإخراجية، بدءاً من فيلمها الروائي الأول "كراميل" أو"سكر بنات"، مروراً بفيلمها التالي "وهلّأ لوين؟" والحفاوة التي حظيا بها من الجمهور والنقاد السينمائيين حول العالم، والتي تُوّجت بفوز فيلمها الثالث بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان كان السينمائي قبل شهور قليلة.

لم أكن أعلم الكثير عن مضمون الفيلم عندما ولجتُ قاعة العرض المكتّظة، فلم يسبق لي أن شاهدت منه سوى المقطع القصير المرفوع على "يوتيوب" للطفل "زين" وهو يقاضي والديه بتهمة إنجابه، ظهرت فيه لبكي وهي تؤدي شخصية محامية المُدّعي. العنوان أيضاً بدا لي غامضاً ومثيراً للحيرة فـ"كفر ناحوم" قريةٌ في فلسطين ورد ذكرها في الكتاب المقدّس مقرونا بمعجزات المسيح وكفر أهلها العصاة ورفضهم الإيمان به، بينما الفيلم يبدو معاصراً لا تأريخياً.

عندما بحثتُ عن التورية في اختيار تسميةٍ بالعبرية القديمة لعمل لبناني تدور أحداثه في زمننا الحالي، عثرت على الدلالة التالية في القواميس الانكليزية والفرنسية "مكان يسوده الاضطراب بفعل تراكماتٍ عشوائية لأشياء متنافرة" والذي أدرك الآن كم هو متسقٌ مع هيكلية الفيلم ومضمونه.. وهكذا، قرّرت أن أستوحي معنى العنوان في كتابة مراجعتي عن العمل بطريقة غير تقليدية "تراكمية"، متناولاً ملامحه المختلفة، كل على حدة، مع ذكر أثرها على نفسي والأسئلة الكثيرة التي أثارتها في رأسي، الأمر الذي يتماشى ربما مع طبيعة الفيلم الخاصة.

القصة

على عكس فيلمَي لبكي السابقين الذين شاهدتهما خلال زياراتي للعاصمة الأردنية عمّان بعد قراءة قدرٍ وافر من المراجعات عنهما في الصحافتين العالمية والعربية، الأمر الذي هيّئني لأجواء كل منهما وعرّفني على طبيعة شخوصهما وصراعاتهم. دخلت صالة السينما هذه المرة كصفحة بيضاء ثم غادرتها بعد ساعتين وأنا غير متأكدٍ إن كان ما شاهدته فيلماً عن رحلة فريدة لصغيرين جمعتهما قسوة الحياة، أم عملاً عن الفقراء ومعاناتهم في العشوائيات واستخدامهم في تهريب وبيع المخدرات، أم تعاسةَ العمالة الوافدة والظلم الذي تتعرّض له، أو جرائمَ تزويج القاصرات وعواقبها، أو الاتجارَ بالأطفال، أو تدهورَ أوضاع السجون، أو دعوةً لتحديد النسل، أو، أو ...

أغلب الظنِّ أن الفيلم قصد الإشارة إلى كل ما سبق باعتبار أن الواقع سلسلة مترابطة الحلقات، وإن بقي في داخلي تساؤل هو "ألم يكن من الأجدر عدم  تشتيت المشاهد الذي ربما شعر كمن أوقع به في فخٍ غزلته المخرجة (بمهارة) من خيوطها الدرامية الكثيرة؟"

الصدمة

لم أكن أتوقع مشاهدةَ ملهاةٍ عندما حجزت تذكرتي، لكن قسوة (سادية؟) فيلم لبكي هذه المرة صدمتني، بل صفعتني، حتى أنني أفقت على نفسي في منتصف العرض وأنا أكاد أختنق بعد أن كتمت أنفاسي بلا وعي بفعل وحشية الأحداث التي مرّت أمامي على الشاشة..

لستُ من مناصري مدرسة الغوص في وحول الواقع حتى تنعدم الرؤية تماماً، لا أحبذها في الأدب أو الفن التشكيلي أو سواهما من وسائل التعبير "الإبداعي". لا أقولها رفاهية، لكن الإيغال في إيجاع المتلقي يأتي في أحيان كثيرةٍ بنتائج عكسية، وإن بات جليَّاً أن اتباع ذلك النهج وصفةٌ مُجرّبةٌ للتأهّل لنيل الجوائز المرموقة.

يبقى أن المشاهد يغادر الصالة وهو يشعر بأنه قد تعرّض لابتزازٍ عاطفي أدواتُه أطفالٌ أبرياء. الشعور بالخديعة تركّز عندي عندما تابعت لاحقاً لقاءاً متلفزاً مع المخرجة الحسناء تحدّثت فيه عن اختيارها "اللوك" الخاص بالظهور على السجادة الحمراء لمهرجان كان وفستانها الذي صمّمه لها "أيلي صعب"

Seriously?

الحدود

من المآخذ الشائعة على السينما العربية بعدُها عن كل ما من شأنه أن يثير حفيظة الرقيب العتيد من مشاهدَ حميمة أو عنفٍ مفرط أو عباراتٍ نابية أو موقف سياسي أو عقائدي أو اجتماعي مخالف للسائد والمتعارف عليه، وإن كنا قد شهدنا خلال السنوات الماضية محاولاتٍ جريئة لكسر تلك المحرّمات في تجارب شاركت في تمويلها وبنسب متفاوتة مؤسسات ثقافية غربية.

لكن كمُّ السباب والشتائم التي وردت في كفر ناحوم على ألسنةِ أبطاله من الأطفال القُصّر والتي لم تترك فعلاً جنسياً أو عضواً تناسلياً في جسد الرجل أو المرأة إلّا وذكرته بإفراط يجعل العمل منافساً لأكثر الأفلام الأمريكية والأوروبية فظاظةً لغوية، كما يثير علاماتِ استفهام عن مشروعية وأخلاقية دفع أطفال وأحداث لترديد تلك العبارات بذريعة محاكاة الواقع في منتجٍ فني، حتى وإن كانوا قادمين من بيئاتٍ تتداول مثل تلك اللغة بلا تحفّظ أو حرج..

الغريب هنا أن الفيلم مموّل من مؤسساتٍ سينمائية خليجية معروفة بتحفّظها وحرصها على التقاليد والأعراف الصارمة في كثيرٍ من الأحيان، أي أن من المستحيل السماحُ بعرضه جماهيرياً في الخليج دون تشذيب قد يأتي على أجزاء كبيرة ومهمة منه، فهل سترضخ المخرجة لاشتراطاتِ الرقيب الخليجي من أجل إجازة عرضه في بلاد الوفرة، أم سترفض المساس بعملها؟ سؤال آخر: ما حاجة تلك الجهات لإهدار مواردها على أعمالٍ لا تُسهم في تدريب كوادرها المحلية، ولا تعبِّر عن واقعها، وقد لا تُعرض في صالاتها من الأصل؟

الوثائقية

بغرض معايشة وفهم معاناة الشريحة التي يستعرض العمل مآسيها، قامت نادين لبكي بتوثيق طبيعة الحياة اليومية في شوارع وأحياء بيروت المُعدمة.. على ما يبدو، فقد توفر لديها فائض من المادة المصوّرة التي استعانت بها بإفراط في الجزء الأول من الفيلم حتى كادت أن تفلت منها خيوط الحبكة وجعلتني كمشاهد أتساءل إن كان العمل درامياً، أم دراما – وثائقية، لكنها عادت وتداركت الأمر ببراعة تُحسب لها في الجزء الثاني.

بيروت

مسرح الأحداث والمدينة التي ترتكب فيها كل تلك الفظائع، قد لا تصدم الصورة المُقدّمة عنها في الفيلم المشاهد الغربي الذي لم تسبق له زيارتها، فهي تبدو كمدينة عربية أو مشرقية مُغبرّة ترزح تحت نير الفقر والجهل والتخلّف، شأنها شأن المدن المنكوبة التي تظهر يومياً على شاشات التلفزة في نشرات الأخبار ككابول في أفغانستان، على سبيل المثال لا الحصر، لكن كل من يعرف بيروت سيدرك حتماً أن ثمة خلل وانتقائية في اختيار مواقع التصوير وزواياه ومرشحات الضوء واللون المستخدمة لرسم لوحةٍ مؤثرة، لكنها غيرُ حقيقية عن تلك المدينة الاستثنائية ..

لا أدعو طبعاً إلى تقديم مادة إعلانية للترويج للسياحة في لبنان وعاصمته فتلك ليست مهمة الأفلام الروائية، لكن تجاهل صاحبة العمل للتناقض الصارخ في مدينتها وأحيائها المتجاورة بين ثراء فاحش وفقر مدقع أضاع عليها فرصة مهمة لتجذير الحكاية وتوجيه أصبع الاتهام للفساد المستشري، عوضاً عن تحميل صاحب دكانٍ صغير في سوقٍ شعبي وسِمسار وثائق مزوّرة المسؤوليةَ عن رزايا النظام والمجتمع ومظالمهما.

ثم أين الصراع الطائفي الجاثم على الواقع اللبناني منذ عقود والمُحرّك له سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، والذي يلمسه كل من يزور بيروت اليوم، دعك عمن يعيش فيها؟ قد يكون التبرير أن المدينة تبدو قاتمةً في الفيلم لأننا نراها بعيني طفل مشرّد وشخوص مسحوقة، أو أن تسمية الأشياء بمسمياتها كانت ستعرّض حياة المخرجة وطاقم عملها للخطر وقد تتسبّب بإجهاض مشروعها قبل أن يُبصر النور. ربمّا!

But still

الخطابية

من أولى الأمور التي استوقفت النقاد الغربيين عند مشاهدتهم كفر ناحوم كان عدم منطقية إقدام حدث بعمر وخلفية زين بالادعاء قضائياً ضد والديه بسبب إنجابهما له. فكّرت مثلهم في تلك النقطة وأيضا في الخطبة/ الإدانة التي ألقاها من خلال مداخلة هاتفية قام بها من داخل زنزانته في السجن (؟) مع أحد البرامج التلفزيونية عن الفساد وهزّ بها ضمير الرأي العام، ما أسفر في النهاية عن إطلاق سراحه..

قد لا تبدو تلك الأمور والأفعال مقنعةً، بل ربما كان حدوثها مستحيلاً على أرض الواقع، لكن يبقى للعمل الفني برأيي هامش مشروعٍ من الخيال بوسع مُبدعه أن يستثمره من أجل رسم صورة وترسيخ فكرةٍ ما تدور في رأسه، وهذا ما فعلته نادين لبكي.

أقوال جاهزة

شارك غرداستعانت لبكي بالمادة المصوّرة بإفراط في الجزء الأول من الفيلم حتى كادت أن تفلت منها خيوط الحبكة وجعلتني كمشاهد أتساءل إن كان العمل درامياً، أم دراما – وثائقية، لكنها عادت وتداركت الأمر ببراعة تُحسب لها في الجزء الثاني

شارك غردلم أكن أتوقع مشاهدةَ ملهاةٍ عندما حجزت تذكرتي، لكن قسوة (سادية؟) فيلم لبكي هذه المرة صدمتني، بل صفعتني، حتى أنني أفقت على نفسي في منتصف العرض وأنا أكاد أختنق بعد أن كتمت أنفاسي بلا وعي بفعل وحشية الأحداث التي مرّت أمامي على الشاشة..

الموسيقى

كما في عملَي المخرجة السابقين، كان لموسيقى "خالد مزنّر" حضورٌ أساسي في كفر ناحوم أيضاً. ظهر جلياً حرصه هذه المرة على تأليف قدرٍ كافٍ فقط من الألحان التي كان غيابها سيجعل المشاهد تبدو ناقصة، ولم نسمع أية أغنياتٍ بعكس "كراميل" و"وهلّأ لوين" الذي أحتفظ بموسيقاه التصويرية على قرص مدمج، حسناً، يجب أن أعترف أنه مستنسخ، عثرت عليه بالصدفة لدى بائع رصيف في عمّان بعد أن فشلت في إيجاد القرص الأصلي في متاجر الموسيقى الشهيرة في المدينة!

لا حاجة بي لذكر أن إبداع مزنّر كبير وأنه استطاع أن يترك بصمةً وأثراً على كتابة الموسيقى للأفلام في لبنان والعالم العربي خلال تجربته القصيرة. أذكر أن بعض أصدقائي من الأكاديميين هنا قد عبّروا عن إعجابهم الشديد بما قدمه خالد مزنّر في فيلم "وهلّأ لوين" بمجرّد خروجهم من الصالة التي عُرِض فيها ضمن فعاليات مهرجان الفيلم العالمي قبل سنوات، لذلك كانت مفاجأة بالنسبة لي أن مزنّر قد أخذ على عاتقه إنتاج الفيلم أيضاً هذه المرة، وهو أمرٌ مؤسف بنظري لشخص يتمتع بحجم موهبته، فهل هي رغبةٌ باستثمار نجاح زوجته المهني وإبقاء زيت الأسرة في دقيقها كما يقول المثل الشعبي بتلويناته المختلفة على امتداد العالم العربي؟

Oh well

كفر ناحوم فيلم مختلفٌ ومثير للجدل، وهو أمر يحسب لصانعته الحريصة على عدم استنساخ تجاربها السابقة وتقديم الجديد وغير المتوقع في كل عمل تخرجه، وإن حافظت على نهجها في توظيف شخصياتٍ لم يسبق لها التمثيل وإسناد أدوار مهمة بل بطولية لها، وهو ما يعطي أعمالها مصداقية وطزاجة باتتا علامة مسجّلة لنادين لبكي..

لعل من أجمل وأبلغ مشاهد الفيلم كان ذلك الذي حمل فيه الصبية المشرّدون سيوفهم وأسلحتهم البلاستيكية وراحوا يجوبون الأزقة صارخين متوعّدين فيما حلّقت الكاميرا الموجّهة عن بعد عالياً كي تعطينا صورة بانورامية عن الأحياء المُعدمة التي تموج بالغضب والنقمة وتعدّ أرضية خصبة لإنتاج العنف والتطرّف بكافة أشكالهما، فيبقى السؤال الأهم الذي يثيره العمل في نفوس مشاهديه، وأنا من بينهم، امتداداً لذلك الذي طرحته لبكي في فيلمها السابق... وهلّأ لوين؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
علي شاكر

مهندس معماري عراقي نيوزلندي. مؤلف كتاب A Muslim on the Bridge ورواية "كافيه فيروز" وكتاب "صدام وأنا ومتلازمة ستوكهولم" (2018). نشر العديد من المقالات في العالم العربي والولايات المتحدة وبريطانيا ونيوزلندا حيث يحمل عضوية اتحاد كتابها.

كلمات مفتاحية
السينما لبنان

التعليقات