في رأسي أتخيّل الآن أنني أقبّلك

في رأسي أتخيّل الآن أنني أقبّلك

الإنسان كائن أناني.

لا أدري مَن مِن الفلاسفة سيؤيد رأيي ومن سيعارضه، لكن هذا يبدو غير ذي أهمية الآن وأنا أمشي في الشارع، وتثبُتْ بالمشاهدة نظريتي.

المذياع الصادح من دكان خضروات قريب يعدّد حصيلة اليوم من المآسي: تفجيرات في الجنوب، قذائف في الشمال، كوارث بيئية متفرقة، والكثير الكثير من الموت في كل مكان، حتى أن المذيع يحدّث معلوماته كل خمس دقائق مضطراً، كما لو أنه يضغط معنا زرّ "ريفريش" على صفحة الكترونية ويزيد: ثلاثون... أربعون... خمسون، مواكباً مع زياداته تغيير مزيد من الجرحى لماهيتهم.. تخلّيهم عن الـ بين بين وتحوّلهم تماماً إلى "قتلى" بدون مواربات.

بالمقابل، وكما لو في كون آخر تماماً، سيارة مفتوحة تمرّ أمامي وفيها ثلاثة عمّال يضحكون كاشفين عن أسنانهم. أستطيع بسهولة أن أربط سعادتهم تلك بالسندويتشات في يديهم التي يبدو أنها جاءت بعد جوع وتعب.

أقوال جاهزة

شارك غرديصبح العدد "واحد" من حبات الطماطم أكثر من العدد مئة الذي وصل إليه المذيع في آخر تحديث عن ضحايا التفجير؛ يُعاد تعريف علم الحساب.

شارك غردتفوقت الآنية على الأبدية، وأصبحت الحرب خلفيّة لمشاهد الحياة اليومية: يوم دفع الرواتب، لقاء حبيبين، خلاف بين زوجين، وجدال في "الدكان" حول الطماطم غير الطازجة...

على شباك دائرة حكومية أمرّ بمشهد آخر. شاب ينصبُّ تركيزه على جيوبه يبحث فيها عن خمسين ليرة سورية، لأن الموظف كان قد قال له مبتسماً: "أعطني خمسين، لأعطيك ألف وخمسمئة كاملة".

الآن يبدو العالم بالنسبة له هو الخمسين أو الألف وخمسمئة ليرة في أفضل الأحوال، ولكن ليس عدد الجرحى الذي لا يمكن تحويله إلى "كامل" ولا بأية خمسينات.

على الرصيف المقابل فتاة وشاب يقفان مبتسمين مع عيون لامعة.. أرجّح أنه قال لها كلمة غزل أو لمس عرضياً أطراف أصابعها بما تسبب بملامح نشوة واضحة، ولكن مسروقة من صوت المذياع ومتجاهلة له، تماماً مثل الزوجين القريبين اللذين يصرخان لسبب يبدو متعلقاً بخيانة ارتكبها الرجل مؤخراً. الآن بلا ريب يبدو الجرح الذي ينفتح في قلب المرأة هو الكارثة الكونية الأكثر أهمية ودونما منازع.

ثمة أيضاً في المشهد أنا... أمشي ذاهلة، وإن كانت عينيّ تلاحظان. أعيد في خيالي مشهداً آخر من بطولتك. أفكر بيديك ووجهك وبشفاهك تقولان لي أشياء ليست عن الحرب ثم تقبلاني. في رأسي أتخيّل الآن أنني أقبّلك، وبينما يتابع المذيع زيادة عدد الجرحى المتحوليّن قتلى، أزيد عدد مرات فتح وإغلاق شفاهي في تماهٍ غير واع. المذيع يزيد وأنا أزيد. "ألا أونا، ألا دوي، ألا تري".

المشهد يتعقّد أكثر بدخول امرأة إلى متجر الخضار ذاته حيث يقبع المذياع. الآن صوتها أعلى من نشرة الأخبار وهي تجادل البائع في ثمن الطماطم وتقول إن معظمها فاسد. تركيزها تماماً مُنصبّ على حبات الطماطم الحمراء وعلى الخلل الخطير الذي تمثّله حبة طماطم فاسدة، يبدو الآن الغداء الذي تهندسه في رأسها أكثر أهمية ممّا يصدح به المذياع.

يصبح العدد "واحد" من حبات الطماطم أكثر من العدد مئة الذي وصل إليه المذيع في آخر تحديث؛ يُعاد تعريف علم الحساب.

الآنيّة إذاً تتفوق على الأبدية. وثمة الكثير من المشاهد التي توحي كما لو أن الحرب هي حبة الطماطم الفاسدة التي يمكن عزلها باليد أو بالتعامي، وصولاً للتركيز على المتبقي: الراتب في اليد، الحُب في القلب، كلمة غزل، خطوة طفل أولى تُوَّثق، خصام بين حبيبين، خيانة عرضية أو حتى صداع نصفي.

لكن في العمق، ما وراء الكواليس ثمة حقيقة ولو تخبّأت.. الحرب ليست، أو لم تعد، حبة الطماطم الفاسدة، بل الجزء الأعلى من كل حبة طماطم موجودة، الجزء حيث يقولون أن المواد المسرطنة تتجمع، ولا تزول بالغسيل.. الحرب تصبح الخلفيّة للمشاهد التي تبدو بلا خلفيّة.

ويمكن لكل الأصوات أن تكون أعلى من صوت المذياع الذي يذيع أخبار الحرب، لكن العدد المتزايد يتزايد، ومرّة بعد مرة يشمل أكثر فأكثر من الجميع. حتى هؤلاء الذين يعتقدون أن القبلة قبعة إخفاء أو أن طبخة اليوم هي كلّ المشكلة.

الآنيّة تُغيّب الأبدية. 

لكن صوت المذيع يعلو وتزداد الأرقام كما لو في مزاد علني: مئة وخمسون، مئة وستون، مئتان وسبعون، ثم مئتان وواحد وسبعين خافتة. تُحسب ذهنيّاً ولا تُقال لأن آخر قنبلة انفجرت على ما يبدو بجانب المذيع ذاته.

هكذا تنتفي آنيّة أخرى، لكن المرأة تكرّر: "هذه الطماطم ليست طازجة"، مصرّة ألا تتماهى مع المشهد الأوسع، أو حتى مع حقيقة أن الانفجار ما قبل الأخير قد كان حدث بالضبط في سوق لبيع الخضار، قاطفاً كائنات كانت بالضرورة تُجادل في مسائل مصيرية مشابهة.

الإنسان كائن أناني، نعم، ربما، لكن إنساناً يختبئ في ظلّ قبلة من قذيفة، هذا الإنسان من يلومه؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات