في مقبرة مخيم اليرموك

في مقبرة مخيم اليرموك

عندما يخبرني صديقي العائد من المهجر برغبته في زيارة مقبرة مخيم اليرموك، جنوب دمشق، لتفقد قبر والدته، لا أشعر بأي تردد. أخبره أن باستطاعتنا في اليوم التالي أن نستقل السيارة وصولاً إلى دوار البطيخة عند مدخل المخيم. فإن حالفنا الحظ وكان الدخول بالسيارة مسموحاً فسنحتاج لحوالي عشر دقائق للوصول للمقبرة في آخر شارع اليرموك، وإلا فعلينا السير نحو نصف ساعة، وفق ما أتذكره عن جغرافية المنطقة.

وهذا ما كان. تزودنا بزجاجتي مياه باردة، وتوجهنا نحو دوار البطيخة، الذي تتفرع منه ثلاثة شوارع رئيسية: شارع الثلاثين، وشارع اليرموك، وشارع فلسطين، كانت تضم فيما بينها أحد أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا. عاش في مخيم اليرموك أكثر من 150 ألفاً قبل بداية الحرب عام 2011، وأكثر من 220 ألفاً عام 2012 مع نزوح الآلاف إليه، وانخفض العدد إلى بضع مئات من العائلات بعد تحوله لساحة حرب عنيفة خلال الأعوام الفائتة، لينتهي اليوم إلى ما يشبه مدينة أشباح بعد انتهاء المعارك ورحيل كل من كان فيه قبل حوالى شهرين.

عند دوار البطيخة يستقبلنا أول حاجز، ويسمح لنا بالمرور بعد سؤالنا عن وجهتنا. وفي تلك اللحظة بالذات أشعر وكأننا نعبر من عالم لآخر.

أقوال جاهزة

شارك غرددمار القبور مؤلم. كيف لي أن أمشي دون أن أتعثر بشاهدة أو رفات أو قطعة من روح عالقة ترفض الرحيل؟ أدوخ بين بقايا الأسماء والتواريخ وأماكن الولادة والوفاة

شارك غردالحرب عادة تعيث فساداً بعالم الأحياء، لكن مقبرة اليرموك كما وقع نظري عليها تحولت إلى مزيج فريد من عبثية الحرب والموت. موت قديم يمتزج برائحة موت طازج يزكم الأنوف

كنت أعتقد بأن العين البشرية تعتاد مشاهد الدمار فلا تعود لافتة للنظر، فأشكال المباني المدمرة متشابهة في كل الأماكن التي زرتها وكل الصور التي رأيتها. صاروخ الطائرة يتسبب في انهيار الأسقف بعضها فوق بعض. قذيفة الدبابة أقل ضرراً فلا تحدث سوى ثقب في جدار أو جدارين. وقذائف الهاون هي الأفضل. مجرد دمار جزئي يمكن إصلاحه بسهولة.


لكن عالم مخيم اليرموك اليوم مختلف عن كل تلك الصور والمشاهد. مساحات الدمار واسعة على مد النظر. مئات الأبنية محروقة ولا تزال رائحة النيران المشتعلة تفوح منها، وبضعة أشخاص يدخلون سيراً لتفقد منازلهم وممتلكاتهم.

أخرج هاتفي لألتقط صورة، فأسمع صوت سيدة من الشارع: "شو بدك تصوري لتصوري؟" ألتفت لأرى سيدتين تسيران بجهد تحت أشعة الشمس الحارقة وهما تحملان حقائب فارغة، بكل تأكيد على أمل استعادة بعض الحاجات من المنازل المدمرة والمحروقة.

نتابع السير. حاجز ثانٍ وثالث ورابع وخامس. الكل يسأل عن الوجهة، ويسمح لنا بالمرور عندما نقول إننا نقصد زيارة "التربة" أي المقبرة.


أطفال متسخون ينتشرون بين المنازل. بعضهم يساعد أهله على استخراج أغراض قد تكون ناجية من هذه المحرقة. البعض الآخر يبدو وكأنه يعمل مع شبان كبار في السن ربما لاستخراج الحديد والنحاس وبيعهما. السواد يطغى على المشهد.

نمر بجانب سيدة تجلس على كرسي صغير أمام بناء محترق. أسألها كيف حالها فترد بأنها بخير وتشير للبناء. "هل منزلكِ هنا يا حجة؟". "هذا منزلي وهذا البناء بأكمله لنا. كان لابني محل حلاقة مع ثلاثة كراسي إلى اليمين، ولابني الآخر صالة مفروشات إلى اليسار، وفي الطابقين العلويين كنا نسكن".


تصمت وتتنهد، وتتابع أنها تعيش مع أولادها وأحفادها في بلدة يلدا المجاورة "في الطريق". لا تنتظر شيئاً سوى السماح لها بالعودة للمخيم، علّها تتمكن من إصلاح منزلها والسكن فيه مجدداً. "لا أمتلك سوى أوراق ملكية الأرض"، تقول بحسرة، ويقطع حديثها قدوم ابنتها وأحفادها ببعض الغنائم: كيس من العدس وآخر من البرغل وسجادة قديمة متسخة. "الحمدلله هذا كل ما بقي لنا اليوم".

هل لي وأنا التي لم أفقد منزلاً أو مجرد قطعة ثياب في هذه الحرب اللعينة أن أواسيها بشيء؟ هل أخبرها بأن سلامتها أهم من المنزل والأرض ومحل الحلاقة والمفروشات؟ لا أدري إن كانت أهم حقاً. لعلّها كانت تتمنى الموت قبل أن تجد نفسها جالسة تتأمل منزلها المحروق.

الصمت هو الحل الأفضل

بعد دقائق نصل التربة ونترجل من السيارة، ويشير صديقي للاتجاه الذي يفترض بأن يكون قبر والدته فيه.

الحرب عادة تعيث فساداً بعالم الأحياء، لكن مقبرة اليرموك كما وقع نظري عليها تحولت إلى مزيج فريد من عبثية الحرب والموت. موت قديم يمتزج برائحة موت طازج يزكم الأنوف.

عند مدخل المقبرة أتعثر بقطعة رخام صغيرة كُتب عليها "...المرحومة الحاجة..."، لأكتشف بعد ثوانٍ ما حلّ بمئات القبور التي حُطمت شواهدها وتبعثرت في أرجاء المكان، ولأعرف كم هي شاقة مهمتنا: العثور على حطام شاهدة ما بين آلاف القطع الرخامية المختلفة الحجم واللون والشكل، والمبعثرة كيفما اتفق.


دمار القبور مؤلم. كيف لي أن أمشي دون أن أتعثر بشاهدة أو رفات أو قطعة من روح عالقة ترفض الرحيل؟ أدوخ بين بقايا الأسماء والتواريخ وأماكن الولادة والوفاة. الحاج... الحاجة... الطفل... محمد.. ناجي.. درويش.. فاطمة.. حسين.. حيفا.. يافا.. دمشق.. المخيم.. موت داخل موت.

ساعة من البحث دون جدوى، نقرر بعدها العودة. أتذكر قبر أبي في منطقة باب شرقي. كلما فكرت بزيارته أشعر بثقل شديد، وأعدل عن الفكرة. هل أندم يوماً ما وأنا التي تمتلك ترف الوقوف على شاهدة قبر مكتملة لم تمسها الحرب يوماً؟


عند الباب، نرى ثلاث سيدات يتجهن لداخل المقبرة. يبدو القلق والتوتر على أكبرهن سناً وهي تقول إنها المرة الأولى التي يقررن فيها زيارة المكان وخوض رحلة البحث عن قبر وشاهدة ما. "خير انشالله.. خير انشالله.."، تتمتم. ونستقل نحن السيارة.

استعادة سريعة لشريط الدخول ونحن في طريق الخروج إلى العالم الآخر. عالمنا الآمن الذي لا تشوبه رائحة الحرائق والبارود. السؤال المعاكس الآن يأتي من جنود حواجز: "من أين أتيتما؟". "هل تحملان شيئاً في السيارة؟". والسيدة لا تزال جالسة على كرسيها الصغير، في انتظار السماح لها بالعودة وترميم منزلها.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

كلمات مفتاحية
سوريا

التعليقات