كرة الخيبة!

كرة الخيبة!

لست من كارهي الرياضة بكل تأكيد، لكني أيضاً وبكل تأكيد لست من متابعي كأس العالم، وآخر مونديال استمتعت بمتابعته كان في العام 1990 عندما سطع نجم سكيلاتشي، وسرعان ما انطفأ.

كنت في بلغاريا مع العائلة، وكنا نسكن في مدينة الطلبة على أطراف العاصمة صوفيا، في الحي المسمى: درفنيتسا. وقتها لم يكن لدينا في الغرفة التي نقيم تلفزيون، وأقرب جهاز تلفزيون كان في نهاية الممر في غرفة يسكنها طلبة عرب، أذكر أن أحدهم يمني الجنسية، والثاني سورياً، فيما لا أذكر جنسية الثالث.

كنا في العادة نستعير مكواتهم، ثم صرنا نتشارك الفضاء معهم في المونديال مع عدد من زملائهم المهووسين بكرة القدم.
قلت أقرب تلفزيون، لأنه كان التلفاز الوحيد في الطابق الخامس من المبنى 17 بي، فيما كان الثاني الذي أعرفه في غرفة المطالعة التي يجتمع فيها معظم ساكني المبنى مساء لمشاهدة الأخبار، ومسلسل السهرة.

لم يكن هنالك كثير من الخيارات، في بلغاريا الاشتراكية في أواخر أيامها، وبالكاد كان هنالك قناتان رسميتان، لكني لا أذكر سوى أغنية ما قبل النوم، حين يتنهي موعد استيقاظ الأطفال، ويقول "صنتشو" (الاسم الطفولي للشمس): "ليكانوشت" (تصبحون على خير)، ليبدأ عرض نشرة الأخبار تمام الثامنة مساءً.

إلا أن آخر مباراة استمتعت بها كانت مباراة بلغاريا وألمانيا في مونديال 2004، حين هزم الألمان بثلاثة أهداف نظيفة، في الوقت الذي كان فيه ستويتكشوف محترفاً في نادي برشلونة الاسباني، الذي أظن أن حبي له بدأ وقتها بسببه.

أقوال جاهزة

شارك غردقصة حصولي على دفتر مليء بصور لاصقة لنجوم سوريا بقيمة 13 ليرة سورية في العام 1988

شارك غردلا أتابع كرة القدم وأبرز أعراسها "كأس العالم"، لأن ما لدي من الخيبات كافٍ، ويزيد

وعندما أبحث في أسباب خيبتي، أجد أن أول الأسباب هو الخسارات المتكررة للمنتخب السوري، بكامل نجومه الذين عاصرتهم من وليد أبو السل، وعمار عوض، ورضوان عجم، ونزار محروس، ومالك شكوحي، وغيرهم من الذين لا أجد صعوبة في تذكر أسماء أي منهم دون الرجوع إلى الانترنت، وتحديداً الخسارات المتكررة في كل تصفيات آسيا التي تؤهل لكأس العالم أمام إيران، والعراق، وطبعاً أمام استراليا ونيوزيلندا، والعداوات التي كونتها مع الدول المنافسة فيما تحتضن الآن كثيراً ممن أحب، فيما "يفترض" بالرياضة أن تقرب المسافات!

وقتها تكسرت مجاديف آمالنا (كسوريين) على صخرة العراق (التي كنا ممنوعين من زيارتها كما ختم على جواز السفر السوري)، وكرهت العراق دون أن أعرفه، إلا أن علاقتي به تغيرت بعيداً عن كرة القدم، عندما ارتبط به مصيري في غربتين عشتهما في ليبيا وبلغاريا بمدرسة عراقية في الأخيرة، وزملاء دراسة وأصدقاء وثقافة في الأولى، واستمرت حتى اليوم.

أما الفريق الإيراني فأتمنى خسارته أمام أي فريق يلعب ضده، لا لشيء إلا لأن ما فعلته السياسة وقبلها كرة القدم، لم تشفع له السينما ولا الأعمال الفنية التي تابعتها بشغف في أبوظبي ودبي آرت، ولا الأصدقاء القلائل الذي تعرفت عليهم لاحقاً، أما أوستراليا ونيوزيلاندا فهي بلاد أصدقائي المهاجرين واللاجئين وكثير من الأصدقاء.

فيما كان ثاني الأسباب جدي، وحصولي على دفتر مليء بصور لاصقة لنجوم سوريا بقيمة 13 ليرة سورية في العام 1988، دفعها جدي بالكامل، وهو مصدوم!

صدمته كانت كصدمة جدتي عندما أصابها الفطبول الأحمر الثقيل في وجهها، وهي تحمل حشوة المحشي في طريقها إلى المطبخ، عندما شاط أخي آرام الفطبول (بفتح الفاء والطاء كما تسميه جدتي) من آخر ساحة أرض الدار ليستقر في منتصف وجهها ضربة عنيفة رن صوتها في آذاننا طويلاً -أنا وأخي وأبناء عمي المجتمعين في بيت الجد بمناسبة العيد- لتقضي هذه الحادثة على تسليتنا الكروية، وتحيلها قطعتين في برميل الزبالة الذي يحرس مدخل الحارة.

رفض جدي كثيراً محاولات قريبنا البائع أن يأخذ المال، وللتدليل على هول الصدمة، أذكر أن العيدية كانت خمس ليرات جديدة، يحضرها جدي من صديقه أبي زاهر الذي يعمل في البنك خصيصاً قبيل العيد ليقدمها لنا، فيما كان سعر الصورة ربع ليرة، لذا أذن لي باختيار بعضها، لكن لم يخطر بباله أن تصل حصيلة الحساب إلى 13 ليرة.

وجهه صار شديد الحمرة، وما عاد قادراً على النطق من فداحة الموقف، إذ تلاشى صوته وهو يقول للبائع: "ومشان هالدقن بدك تاخد"، واكتفى بمسحها بباطن يده مرات عديدة دون صوت، حتى توقف "قريبنا" عن الرفض وأخذ المبلغ. ولكثرة ما مسح جدي ذقنه، ما عادت فكرة إرجاع الصور مقبولة من قبله، بعدما عرضت أن أرجع بعضها -في الواقع معظمها، خصوصاً حين أدركت ما فعلت، ومشينا بصمت إلى الدار، وهناك قال زافراً "إنشالله يكونوا بيتساهلو".

بعدها بأعوام قليلة غسلت يدي من المنتخب "الوطني"، وصارت علاقتنا كعلاقتي بالعيد، فيما دفنت الدفتر بأرض المغارة في بيت جدي بحماة.

وما ينطبق على منتخبنا "الوطني"، ينطبق على المنتخبات العربية التي فشلت في تجاوز الدور الأول، عدا استثناءات إلا أنها ما زالت حتى اليوم تشعرني بمرارة الهزيمة، وكرة الخيبة التي يصعب بصقها دون أن تختنق، فتميل إلى تجاهلها، ومعالجتها ببخاخ النسيان الذي يوقف انتشارها البكتيري.

بعد كل الخيبات، أكره تماماً أن أتابع مونديال كأس العالم كي لا أقرأ عبارات من قبيل "لم يكسب فريقنا نقاطاً، لكنه كسب الاحترام"، أو "لم نكسب داخل الملعب، إنما كسبنا التواجد في العرس الكروي"، أو "المنتخب "استَبْسَل" في الدفاع ونريده أن "يستأسِد" في الهجوم"، "اللهم انصر المنتخب ... الشقيق .. اللهم آمين"، وغيرها من العبارات التي تملأ تويتر وفيسبوك سخرية، فيما أتذكر جيداً حسرة المتابعين الأكبر سناً على منتخب رابح ماجر الذي خسر بمؤامرة دنيئة فرصة التأهل للدور الثاني في مونديال 1982.

آخر الخيبات كانت مقتل مشجع على يد مشجع منافس في بلد عربي، وكلاهما يشجع منتخباً يبعد على الأقل أكثر من 10 آلاف كيلومتر عن موطنه.

بسبب كل ما تقدم، لا أتابع كرة القدم وأبرز أعراسها "كأس العالم"، لأن ما لدي من الخيبات كافٍ، ويزيد.

صورة المقال من مقتنيات متحف الحرب الإمبراطوري (رابط).  

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات