اثنان وثلاثون قصة شخصية عن العالم وكأس العالم

اثنان وثلاثون قصة شخصية عن العالم وكأس العالم

كولومبيا

في صيف العام 2014 التقيت في برلين بشاب قادم من كولومبيا، كان يدرس مع أصدقائي في الجامعة التقنيّة في برلين. في ذلك الصيف كان يرتدي قميص المنتخب الكولومبي كلّ يوم خلال فترة كأس العالم التي أُقيمت في البرازيل. كان طالب الدكتوراه هذا فخورًا بفريق بلاده، وهو الذي لم يتابع كرة القدم يومًا. لم تكن تهمه الفرق التي تفوز أو تخسر لكنه تابع كأس العالم بشغف غير مسبوق.

قال لي يومها: "ما الذي يعرفه العالم عن كولومبيا سوى المخدرات. هذه فرصتنا لنُري العالم أشياءً أخرى عن كولومبيا".

ما قاله لي غيّر من وجهة نظري إلى هذه المنافسات الكرويّة ونزع عنها طابعها القومي الضيق وصبغها بطابع ثقافي اجتماعي جميل. بالنسبة إلي أصبحت هذه المنافسات فرصة جديدة وحقيقية للتعرف على ثقافات جديدة وطعام جديد وروايات جديدة، وأصبحت كرة القدم وسيلة للتواصل مع العالم الذي لا أعرفه، فضلًا عن كونها لعبة ممتعة.

البرتغال

خلال صيف العام 2016 كنت في زيارة عمل إلى مدينة غرناطة، فقررت السفر عبر مدن الأندلس وبعدها أقضي بضعة أيام إلى البرتغال. أقمت لأيام قليلة في مدينة لشبونة ويومًا واحدًا في مدينة سينترا.

أهل البرتغال طيبون ودودون، طعامهم لذيذ، هناك تعرفت على حلوى Pastel de nata اللذيذة والتي صنعنا منها في البيت يوم مباراة البرتغال الأولى في كأس العالم. كان يشاركني الغرفة في الهوستيل طباخ أمريكي يعيش في أستراليا. كان يجوب العالم مسافرًا من أجل تذوق الطعام. هكذا عرفني الرجل على الأطباق البرتغالية التقليديّة، وياله من مذاق رائع!

خلال وجودي هناك بدأت منافسات بطولة كأس الأمم الأوروبية. وضعت البلدية شاشات عملاقة في الساحة المطلة على نهر تاجة (أو تاجُس). هناك اشتريت مع بعض رفاق السفر الطارئين علم البرتغال وشجعت فريقها للمرة الأولى في حياتي.

بعدها بأيام توجهت إلى فرنسا مكان انعقاد البطولة لأزور والديّ، الواصليّن حديثًا إلى باريس. اصطحبتهم إلى ساحة برج إيفل من أجل مشاهدة مباراة للمنتخب الفرنسي. رسمت العلم الفرنسي على وجهي من أجل زيادة حماسة التشجيع. بعد بضعة أيام عدت إلى بيتي في برلين وأكملت البطولة مشجعًا الفريق الألماني، لأنّني اضطررت إلى مشاهدة المباريات في أماكن عامة مع بعض أصدقائي الألمان. أليس انتمائي الكروي رائعًا؟

روسيا

حكاياتي مع روسيا لا تنتهي، رغم إنّني لم أزر تلك البلاد بعد. بدأت علاقتي مع روسيا منذ طفولتي ولم تنته مع احتلال الجنود الروس لساحات بلادي. والدي وثلاثة من أعمامي درسوا في دول الاتحاد السوفيتي، وأخي الكبير وُلد هناك. كبرنا مع الثقافة السوفيتيّة (والروسيّة لاحقًا)، لدرجة أنّني لا أعرف أسماء بعض الأشياء إلّا باللغة الروسيّة، رغم قدرتي على التكلم بأربع لغات أخرى، لكن أمي كانت تستعمل هذه الكلمات في حياتنا اليوميّة فاعتدناها.

كنت مراهقًا حين قرأت دوستويفسكي ومكسيم غوركي وبوشكين وغيرهم العشرات من كتّاب اللغة الروسيّة. هذا كلّه جعل معرفتي بالروسيين مقتصرة على ذاكرة عائلتي وأحاديثهم عن حياتهم هناك وعلى روايات وقصائد قديمة. تعرفت على روسيا أخرى عن طريق نشرات الأخبار أيضًا ولاحقًا عن طريق دعمهم لنظام الأسد واحتلالهم لبعض من الأراضي السوريّة ومساهمتهم في قتل الآلاف من السوريين.

في بداية هذا العام قُدم إليّ عمل لبضعة أيام في برلين. كان عليّ عداد فيديو لصالح منظمة غير حكوميّة ألمانيّة رعت لقاءً وورشات عمل بين شبان وشابات من روسيا وأوكرانيا. وكان هذا احتكاكي المباشر الأول مع عدد كبير من الأشخاص القادمين من روسيا ممن عاشوا فيها طوال حياتهم.

كانوا حوالي عشرين شخصًا، أعمارهم تتراوح بين العشرين والخامسة والعشرين سنة. كانوا لطيفين ودودين، باستثناء شخص واحد. عرفت منهم إنّ سكان مدينة سمارة هم الألطف على الإطلاق. حين عرفوا إنّني سوريّ انصدموا لكنهم تحولوا إلى أشخاص لطيفين جدًا خلال تعاملهم معي، ربما كانت هذه طريقتهم في الاعتذار عمّا يفعله جيشهم ببلادنا.

مصر

عشت في القاهرة لثلاثة شهور منذ سنوات، وزرتها مرة أخرى قبل خمس سنين وبقيتُ هناك شهرًا. أحبّ مصر بناسها الطيبين وبشوارعها المزدحمة وبميدان تحرير"ها" الذي نمت فيه أول يومين من أيامي في القاهرة، أثناء الثورة ضد المجلس العسكري بقيادة الطنطاوي. لي ذكريات جميلة في مصر، وفي جعبتي الكثير من الحكايا عنها وعن أهلها. لكنني سأكتفي هنا بقصة واحدة.

في بداية إقامتي هناك لم يكن لدي عمل ولم يكن معي من المال ما يعينني في حياتي اليوميّة. أرسلت لي أمي من العراق مبلغًا صغيرًا من المال، لكن المبلغ مهما كان صغيرًا فهو كثير في مصر الرخيصة، كان هذا في عام 2011، عام الثورة. أعطت أمي المال لشخص في بغداد الذي اتصل مع شخص في القاهرة ليسلمني المبلغ. لم أكن أعرف القاهرة جيدًا فاضطررت إلى إيقاف سيارة أجرة تأخذني إلى المكان المطلوب. تعجب السائق من هيئتي ومن طلبي الذهاب إلى ذلك المكان، تأكد من العنوان أربع مرات أثناء توجهنا إلى هناك.

كان المكان يقع تحت جسر في حيّ فقير بعيد عن مركز المدينة، وكان يبدو مثل موطن تجار الحشيش والبلطجية مثلما نراهم في الأفلام المصريّة القديمة. انتظرت الرجل الذي سوف يسلمني المال لربع ساعة في الشارع والسائق ينتظرني على الطرف المقابل. خلال هذه المدة القصيرة تحرّش بس بعض فتيان الحيّ وبعض الفتيات التي أنقذني منهم السائق. قال لي: انتبه منهم، هؤلاء بلطجية صغار.

بعد أن استلمت المال طلبت من السائق إعادتي إلى مركز المدينة. خلال رحلة العودة سألني عمّا فعلته هناك. دبّ الخوف في قلبي وخفت أن يوقف سيارته على الطريق الدائري ويشهر سلاحًا ليأخذ مني نقودي ويتركني هناك إذا ما أخبرته بأنّني أحملُ مقدارًا من المال، لذلك قمت باختراع قصة عن إصابة أمي بالسرطان وعن وجودي في القاهرة من أجل العمل ومساعدة أمي في العلاج، وإنّني جئت إلى هنا من أجل إرسال بعض المال إليها.

تأثر السائق بقصتي كثيرًا وبعد إنتهاء جولتنا رفض أخذ نقود مني وقال إنّ هذه مساهمته في علاج أمي. كان المبلغ الذي يريده مني يساوي مئتي جنيه مصري، وكان ذلك مبلغًا كبيرًا. قبل مني النقود بعد أن حوالي ربع ساعة من النقاش بيني وبينه. ذلك الرجل بطيبته وشهامته جعلني أحبّ مصر أكثر. وها أنذا أرتدي قميص محمد صلاح أثناء مباريات كأس العالم وأطبخ طعامًا مصريًا لأصدقائي الألمان في أيام مباريات مصر.

كوريا الجنوبية

خلال بداية تعلمي اللغة الألمانيّة، كان يشاركني في الصف فتاتان من كوريا الجنوبيّة، واحدة انطوائية جدًا ولا تتكلم مع أحد، أما الأخرى فكانت اجتماعيّة وأكثر انفتاحًا وتقبلًا للآخرين لكن المشكلة أنّها لم تكن تتحدث إلا اللغة الكوريّة. بالطبع لغتنا الألمانيّة لم تكن كافية سوى لقول السلام والتعريف بالاسم وهذا لم يكن يفيدنا بشيء.

بعد أسابيع من التعلم وحين استطعنا التواصل قليلًا بالألمانيّة استطعت تعليمها لفظ اسمي الصحيح وجعلتها تكتب بالكوريّة اسمي على دفتري كما كتبت اسمها بالعربيّة على دفترها. لم ألتق بها بعد أن أنهينا دورة اللغة التعليميّة حتى إنّني لا أذكر اسمها جيدًا. اعتقد أنّه "جي يو" إن لم تخني الذاكرة.

في الشهر الأخير من الدورة التعليميّة انضم إلينا شاب آخر من كوريا الجنوبيّة وكان كثير الابتسام والمزاح. التقيت به عدّة مرات بعد انتهاء دورتنا التعليميّة. لم ألتق خلال حياتي القصيرة شخصًا يبتسم ابتسامة محببة أكثر من "جيو". ومن أجل هذه الابتسامة أرغب في زيارة كوريا الجنوبيّة، وربما الشماليّة، في يوم من الأيام.

ألمانيا

أعيش في ألمانيا منذ سنوات طويلة، جزء كبير من حياتي مرتبط بأصدقائي وعائلتي التي شكلتها هنا. قبل المجيء إلى هذه البلاد كانت فكرتي عن ألمانيا غير دقيقة وغير صحيحة، فالشعب الألماني شعب طيب كريم مضياف، ليس كما يُصور في بلادنا على أنّه شعبٌ عنصري لا يحب الغرباء.

أعرف أشخاصًا سوريين يعيشون في برلين منذ ثلاث سنوات ولم يأكلوا بعد طعامًا ألمانيًا، فلا اختلاط لهم مع الألمان ودوائر معارفهم هي عربيّة فقط، لذلك أعتقد أنّ كأس العالم هو فرصة مناسبة -على الأقل لمشجعي المنتخب الألماني، ولستُ منهم- للتعرف على الثقافة الألمانيّة والطعام الألماني والشعب الألماني.

قصصي عن ألمانيا والألمان كثيرة لكنني سأحكي واحدة مرتبطة بكأس العالم. في عام ٢٠١٤ أي حين ربحت ألمانيا كأس العالم للمرة الرابعة في تاريخها كنت في العاصمة برلين حيث أعيش. أي أنّني -وللمرة الأولى في حياتي- كنت أعيش في بلد يفوز فريقه الأول ببطولة كأس العالم.

تابعت المباراة في مكان عام أمام شاشة كبيرة مع المئات من المشجعين الألمان، كنت مع بعض الأصدقاء نحتل زاوية بعيدة، وكنت الوحيد إلى جانب صديقة كانت معنا نشجع المنتخب الأرجنتيني، ليس حبًا الأرجنتينيين بل من باب مخالفة المجموع وعدم محبة الفريق الألماني. كانت تتعالى صيحاتنا أثناء الهجمات الخطرة للمنتخب الأرجنتيني في وسط سكون تام من قبل مشجعي المنتخب الألماني. على كلّ حال انتهت المباراة بفوز الألمان وانطلاق الاحتفالات.

بقي الناس في الشوارع حتى ساعات الصباح الأولى، يرقصون ويشربون البيرة ويغنون بأصوات عالية ويتبولون في كلّ زوايا المدينة. حين عدت إلى البيت في الثالثة ونصف صباحًا كانت رائحة المدينة هي رائحة بول.

في اليوم التالي حين خرجت مساءًا كانت شوارع المدينة نظيفة والناس يمارسون حياتهم بشكل طبيعي وكأنهم لم يفوزوا بكأس العالم يوم أمس.

فرنسا

أزور فرنسا بشكل دوري لأنّ أفراد عائلتي يعيشون هناك في ثلاثة مدن مختلفة. في زيارتي الأولى لباريس كنت أرى الناس كما لو كنت أرى فيلم Amélie لشدّة تأثري بذلك الفيلم وحبي له، كانت وجوه الناس دائمًا قريبة في المركز والخلفية بعيدة مشوشّة. هكذا زرت أماكن تصوير الفيلم ورأيت باريس مثلما أراد الفيلم أن يرينا إياها.

لكنني أردت أن أرى باريس مثلما أريد، لذلك قررت في ليلتي الأخيرة هناك قررت أن أتجول في شوارعها بعد أن ينام الناس، أريد أن أراها دون قذارة شوارعها وزحامها الخانق الذي يمنعك من رؤية جمال المدينة. انضمت إليّ فتاة فرنسيّة، صديقة أصدقائي. قال إنّها تودّ أن تمشي معي في شوارع باريس ليلًا. كنت قد تعرفت على هذه الصبية، التي ستصبح صديقة عزيزة لاحقًا، في وقت سابق من ذلك المساء.

هكذا تجولنا في الشوارع الضيقة شبه الخاليّة لساعات إلى أن تعبنا وجلسنا على ضفة نهر السين على الطرف المقابل من إحدى الأبنيّة التاريخية. باريس مدينة مليئة بالتاريخ والفن. هناك تبادلنا القبل لدقائق طويلة، تعانقنا طويلًا، ومشينا بأيدٍ متشابكة في شوارع العاصمة الرومانسيّة التي لم أرها رومانسية إلا في تلك الليلة.

أحبّ فرنسا بسبب تلك الليلة الرائعة، "وهو الحب إيه غير ليلة زي الليلة؟" تغني أم كلثوم.

نيجيريا

تقدمت بطلب لجوء في مدينة دورتموند الألمانيّة في خريف العام ٢٠١١. تم ارسالي آنذاك إلى بناء ملحق بمركز تقديم اللجوء. وهناك تمّ، بشكل مؤقت ولمدة أسبوع، وضعي في غرفة صغيرة مع خمسة أشخاص قادمين من نيجيريا، وذلك حتى يتم نقلي إلى أحد مخيمات اللجوء.

دخلت إلى الغرفة أحمل بعض الخوف في قلبي. كانت الغرفة فارغة تمامًا. انتظرت قليلًا. لم يأت أحد. خرجت إلى الحديقة الملحقة بالبناء. مساءً عدت إلى الغرفة فوجدت الشبان مجتمعين يتحدثون بصوت عال ويضحكون. عمّ الصمت بعد دخولي الغرفة. قلت لهم بالإنكليزيّة إنّهم أرسلوني إلى هنا.

سألني أحدهم: هل أنت مسلم؟ كانت تلك الجملة الأولى التي وّجهت إلي من قبلهم. أجبت بالنفي وبأنّني لا أؤمن بشيء. ثمّ دار بيننا حوار تعارف قصير.

في اليوم التالي تحدث إليّ أحدهم، وهو من أكثر الأشخاص الذين أثروا في حياتي لاحقًا، قال لي إنّهم مسيحيون هاربين من الميلشيات المسلمة التي دمرت قراهم وقتلت الكثير من عائلاتهم وأقربائهم، لذلك يخافون المسلمين وكان هذا سبب سؤالهم لي عن ديني. وقال لي إنّ ديني لا يهمهم لكنه سؤال لا إرادي فحتى لو كنت مسلمًا فهذا لن يغير من تعاملهم معي لأنّ الدين أخلاق ومعاملة. أذكر أنّنا تحدثنا طويلًا. كان من أشد الناس لطفًا.

لاحقًا تمّ إرساله إلى مدينة ميونخ. كان الحديث المتداول بين اللاجئين حديثًا حينها إنّ ميونخ مدينة عنصريّة لا تحب اللاجئيين وخاصة ذوي البشرة السوداء. قلت له ذلك. فقال: يا صديقي لقد نجوت من مجازر رهيبة، ومن ثم قطعت الصحراء وبعدها البحر ومررت بنصف الدول الأوروبيّة من أجل الوصول إلى هنا والبدء بحياة جديدة، لا تخف لن يمنعني بعض العنصريين عن تحقيق حلمي.

لاحقًا افترقنا بعد وداع يشبه وداع أصدقاء عاشوا سوية عشرات السنين. الآن كلما أشاهد مباراة للمنتخب النيجيري أفكر بصديقي وأقول لنفسي إنّ الحياة محطات وأشخاص مؤثرون، ويا لحظي من الدنيا التي أكرمتني بلقاء أشخاص مثل "إكامبا".

صربيا

دخلت صربيا ذاكرتي من باب الحرب اليوغسلافيّة. هذا كلّ شيء. لم أعرف شيئًا عن صربيا أو عن الصربيين سوى فيلم أو اثنين شاهدتهما في سوريا. ضلّت صربيا غائبة عن حياتي حتى عام ٢٠١٤، العام الذي قابلت فيه مخرج أفلام صربي لديه فكرة فيلم وينوي مناقشتها مع مخرجين آخرين من أجل تطوير الفكرة والعمل عليها.

هكذا التقينا دون توقعات مسبقة، لاحقًا أصبحنا أصدقاء وعملنا معًا. ساهمت بكتابة الفيلم قدم بأداء أحد الأدوار في مشاهد عديدة فيه كتجربة تمثيليّة أولى. لكن المهم أنّ علاقتنا تحولت إلى علاقة صداقة طيبة تعرفت من خلالها على المشروبات الكحوليّة الصربيّة والطعام الصربي والأفلام الصربيّة والثقافة الصربيّة، وعلى صربيين آخرين.

كانت فرصة لأتعرف على ثقافة مكان لم أعرف عنه إلّا الحرب جعلتني أتمنى أن يكونا لجوؤنا كسوريين إلى بلاد العالم فرصة ليتعرف العالم علينا من عين أخرى غير عين الحرب.

بولندا

زرت بولندا مرات قليلة، لكن واحدة من تلك الزيارات غيرت حياتي إلى الأبد.

اتصل بي أحد أصدقائي ليخبرني بوجود بطاقة زائدة لمهرجان موسيقى إلكترونية في بولندا وأنّ أصدقاء لنا سيتوجهون بسيارتهم إلى هناك في اليوم التالي، وسنبقى هناك لأربعة أيام. هكذا أقلتني سيارة من أمام بيتي إلى هناك وقضيت أربعة أيام من المرح والسعادة والجمال ما لا أستطيع وصفه ببضع كلمات.

كانت هذه السيارة تعود إلى امرأة اسمها لينا، التي سارت بنا إلى مكان المهرجان. كان يرافقنا رجل وامرأة من أصدقائنا. تبادلنا، نحن الأربعة، الحديث طوال طريق الذهاب والإياب وخلال أيام المهرجان الأربعة كنّا نبقى سويّة معظم الوقت. كنّا مجموعة صغيرة ضمن المجموعة الكبيرة.

تقاربنا أنا ولينا أكثر وأكثر والتقينا بعد المهرجان حين عدنا إلى برلين. تطورت علاقتنا حتى تحولت إلى علاقة حب انتشلتني من فوضاي.

اليوم نعيش أنا ولينا مع طفلتنا الصغيرة التي ولدت منذ شهور قليلة حياة سعيدة ونتذكر أيام بولندا كأنها أيام قديمة حدثت من ألف عام. وماله الزمان يجري سريعًا!

السويد

صديقي جون من مالمو السويديّة. التقيت به للمرة الأولى في دورة تعليم اللغة الألمانيّة. مبتسمٌ دائمًا ولطيف إلى أن يتعب اللطف. تطورت علاقتنا إلى أن أصبحنا أصدقاء مقربين. مدعو أنا للرقص في حفل زفافه الصيف القادم.

قرر جون أن يعرفنا على الثقافة السويديّة في يوم برليني شديد البرودة. دعانا، أنا وصديقتنا الفرنسيّة آنوك لقضاء ليلة سويديّة. صنع لنا طعامًا تقليديًا وقدّم لنا مشروبًا كحوليًا سويديًا تقليديًا. غنينا باللغة السويديّة أغاني العجائز ورقصنا رقصات الرجال السكارى في حانات رخيصة ثم شاهدنا فيلمًا سويديًا رائعًا اسمه "الرجل ذو المئة عام الذي قفز من النافذة واختفى".

جعلني جون أتعرف على سويد مختلفة. حدثني عن أناس طيبين وعن بلاد طيبة. فتح لي الباب للتعرف على أشخاص آخرين قادمين من الشمال البارد الذي يسكن فيه أحد كتّابي المفضلين، العظيم سليم بركات. جعلني أشجع فريق مالمو حين قابل فريق مانشستر يونايتيد حين التقوا في دوري أبطال أوروبا. جون أصبح أستاذي الذي علّمني كيفيّة التزلج على اللوح في شوارع برلين.

أحب جون الذي جعلني أحب السويد، ومن أجله سأصنع طعام سويديًا يوم مباراة السويد القادمة وأدعو أصدقائي السويدين وغير السويدين من أجل تشجيع منتخبهم.

اسبانيا

غرناطة هي أجمل مدينة زرتها حتى الآن. طقسها جميل، وأناسها طيبون، طعامها لذيذ وشرابها يروي من لم يرتوِ يومًا. شوارعها حميميّة تدخل الدفء إلى القلب وباراتها مريحة كالبيت. جبلها شامخ وقصرها يحتوي جنات تجري من تحتها الأنهار.

مدينة قائمة على الحب والجمال والموسيقى والطعام اللذيذ. على الأقل كان هذا انطباعي عنها. يا لها من مدينة! ويا لحظه من ولد وعاش هنا!

في معظم بارات غرناطة يتم تقديم بعض الطعام مع المشروبات الكحوليّة، يقدّم هذا الطعام في صحون صغيرة يسمونها "تاباس"وقد يكون الطعام المقدّم أي شيء تريده إدارة البار. في بارات قليلة يمكنك اختيار الـ"تاباس" الذي تريد، وبالطبع مجانًا دون زيادة على سعر شرابك.

في واحدة من هذه البارات التي تتوسط المدينة القديمة تعرفت على بيرة محليّة لذيذة، وكان بإمكاني اختيار ما أريد من طعام ليقدّم إليّ. اخترت تناول أخطبوط صغير. كانت تلك مرتي الأولى في تناول مخلوقات بحريّة غريبة لم نعتد تناولها في بلادنا. رغم إنّني أحس بدناءة الإنسان من خلال تناوله لمثل هذه الأشياء إلا أنّني لا أنكر تعجبي من لذّة ذلك الاخطبوط. يا له من شهي!

خلال فترة زيارتي لغرناطة مررت بذلك البار كلّ يوم تقريبًا من أجل تناول ذلك الطعام اللذيذ.

خلال مشاهدتي لمباراة منتخب إسبانيا الأولى في كأس العالم عاهدت نفسي على العودة مرة أخرى وزيارة مدينة غرناطة من أجل تناول أخطبوط آخر قبل أن أتحول إلى إنسان يعيش على الطعام النباتي.

آيسلندا

جزيرة صغيرة بعيدة، قد نعيش حياتنا كلّها دون أن نلتقي بأحد من هناك، إلّا أن الحظ أتاح لي إلى لقاء عدد من الآيسلنديين. صديقة صديقتي درست معها قبل سنوات عديدة في مدينة بون، زارتها في برلين وأتيح لي لقاءها.

ألعب كرة القدم بشكل أسبوعي وأحد رفاق اللعب آيسلندي مقيم في برلين. ألتقي به بشكل أسبوعي، نتبادل أحاديث قصيرة في كلّ مرة. صديقي هذا مدافع صلب وشخص لطيف.

إحدى صديقاتي عاشت في أيسلندا لأكثر من سنة، تحدثنا أحيانًا بقصص وحكايا سكان تلك الجزيرة وعاداتهم، فمثلًا همم جد فخورون ببلادهم فتراهم حتى في أعياد الميلاد يغرسون أعلامًا أيسلنديّة صغيرة في قالب الحلوى. ولأنّها جزيرة في البحر لا حدود بريّة لها مع أيّ دولة أخرى فإنّهم يخافون انتقال الأمراض إليهم بشكل رهيب لذلك حين يشارك فارسٌ ما مع حصانه في مسابقة دوليّة فإن الرياضيّ يعود دون حصانه، فالحيوان الذي يخرج من الجزيرة لا يعود إليّها إلى من خلال طرق شبه مستحيلة.

اتفقنا أنا وصديقتي أن نصنع طعامًا آيسلنديًا خلال يوم مباراتهم القادمة وأن نسمع موسيقى آيسلنديّة طوال اليوم.

سويسرا

خلال فترة لجوئي الأولى في ألمانيا كنت أُنقل من مخيم لاجئين إلى آخر. واحدة من هذه المخيمات كانت تقع على الحدود الفاصلة بين ألمانيا وسويسرا. كان الفاصل الوحيد هو نهر الراين، وبمجرد اجتيازه يدخل المرء إلى الأراضي السويسريّة.

حينها كنت أجيب إذا ما سألت عن كيفيّة قضائي لوقتي، بأنّني أتمشى في شوارع القرى السويسريّة. كانت هذه نكتي المفضلة في ذلك الوقت. الحقيقة أنّها لم تكن نكتة بل كانت حياتي كذلك في تلك الشهور. كنت في كلّ يوم تقريبًا أمشي بمحاذاة نهر الراين ومن ثمّ أقطع الجسر الذي يفصل بين البلدين وأمشي في الشوارع السويسريّة.

في المرة الأولى شاهدت أشياء كانت غريبة بالنسبة إليّ؛ قوارب تقف أمام بيوت سكان المدينة كما تقف سياراتهم، طرقات مخصصة للخيول، وغير ذلك من أشياء اعتقدت أنّها غير موجودة، فبلادنا الفقيرة لم تسمح لنا بمثل هذه الأفكار والصور.

بازل كانت المدينة الكبيرة الأولى التي زرتها في سويسرا. كان انطباعي الأول هو: يا لغلاء هذه البلاد!

إيران

لإيران قصص كثيرة في جعبتي. مشاعري متناقضة نحو هذه البلاد. فمن ناحية هي بلاد ذات إرث ثقافي وحضاري هائل، فمنذ الأزمنة القديمة وصولًا إلى زمان السينما الإيرانيّة اليوم مرورًا بزمان العظيم عمر الخيام. ومن ناحية أخرى فالإيرانيون يحتلون بلادي ويساهمون في قتل الناس وتعذيبهم وتشريدهم.

السينما الإيرانيّة صنعت أفلامًا عظيمة تُظهر لنا ما لا يُظهره نظامهم الديكتاتوري. تروي هذه الأفلام قصص الناس وتفاصيل حياتهم، تقول هذه الأفلام إنّ الإيرانيين ليسوا مثل النظام الإيراني، هم شعب يحب الحياة ويتوق للتخلص من الظلم، مثلنا تمامًا. أحد أكثر الأفلام التي أحبها هو فيلم "هذا ليس فيلمًا" للمخرج العظيم "جعفر بناهي".

تقول أمي، التي عاشت في إيران خلال سبعينيات القرن الماضي، إنّ إيران جنة الله على الأرض. لذلك تبقى أصفهان، إلى جانب بغداد، المدن التي أحلم بزيارتها قبل أن أموت.

يقول الإيرانيون: "اصفهان نصف جهان" أي أنّ أصفهان هي نصف العالم.

المغرب

اسطنبول مدينة ساحرة، وهي مدينة مثاليّة لبدء قصة حب، أو لقضاء يومٍ واحد فيها مع شخص تحبه.

لفترة غير قصيرة عملت مع إحدى الشبكات والتي كانت تعقد اجتماعاتها في دول مختلفة لمراعاة الوصول إلى كلّ العاملين معهم. واحدة من لقاءاتنا كانت في مدينة اسطنبول. كانت إحدى زميلاتي في هذه الشبكة مغربيّة.

في لقاءات سابقة تعرفنا على بعضنا وتطورت علاقتنا خارج العمل لتصبح علاقة صداقة شخصيّة. في لقائنا الأخير في اسطنبول، كنّا محظوظين بسفر زملائنا قبلنا بساعات كثيرة. لذا قررنا قضاء الوقت في التعرف إلى شوارع اسطنبول.

مررنا بالأسواق والجوامع وقطعنا البحر مرتين مرة للوصول إلى القسم الآسيوي من المدينة ومرة من أجل العودة. التقطنا صورنا في كلّ مكان. كنّا مثل عاشقين عرفا الحبّ للمرة الأولى. تبادلنا القبل على قمة برج غالاتا الشهير. كانت واحدة من أكثر اللحظات رومانسيّة.

افترقنا في ذلك المساء وعاد كلّ منّا إلى بيته ومدينته. كان ذلك لقاءنا الأخير وكان ذلك منذ سنوات طويلة. ما زلنا على اتصال أنا وصديقتي لكن لقاءنا الذي تعاهدنا عليه لم يتم.

من أجل هذه الصديقة المغربيّة ومن أجل تلك الذكرى الحلوة، سوف أشجع منتخب المغرب في كأس العالم وفي مبارياته الأخرى في المستقبل.

كوستاريكا

لي عادات غريبة في الطعام والشراب. أنتقي موادي الغذائية بعناية صائغ، وأشرب القهوة والشاي بحساسيّة موسيقي. ومن جملة عاداتي أنّني أشتري القهوة القادمة من كوستاريكا أو غواتيمالا. فمن هذان البلدان، اللذان لا أكاد أعرف عنهما شيئًا، يأتي أفضل وأجود أنواع القهوة التي أتلذذ بها كلّ صباح.

لم ألتق في حياتي سوى بشخص واحد من كوستاريكا وذلك في لقاء عرضي، ولم أقرأ في حياتي لكاتب من كوستاريكا، لم أشاهد أي فيلم كوستاريكي…. يا للعار!

في هذه السنة وبسبب كتابتي لهذه القصص الصغيرة، أعاهد نفسي على قراءة كتاب واحد على الأقل لكاتب كوستاريكي ومشاهدة فيلم سينمائي قادم من هناك. هذا وعد.

الأورغواي

مونتفيديو، عاصمة الأورغواي، هي مدينة أحلامي التي أريد أن أعيش فيها لفترة زمنية طويلة، رغم أنّني لم أزرها ولم أرها أبدًا.

واحدة من عاداتي الغريبة هي السفر عن طريق خرائط غوغل حول العالم، خاصة تلك الدول التي لا أستطيع الحصول على تأشيرة سفر إليها. أشير إلى مدينة ما على شاشة كمبيوتري وأمشي في شوارعها وأتعرف على أبنيتها وعلى نمطها المعماري، أثبت نظري على الصور التي ألتقطها سائح ما وأحاول التقاط كلّ التفاصيل. هكذا تعرفت على الناصرة في فلسطين وعلى ألاسكا وعلى مدن صينيّة ومدن في أمريكا الجنوبيّة.

أريد أن أعيش في مونتيفيديو بعيدًا عن مركز المدينة، فأنا لا أحسب الزحام لفترات طويلة، أريد أن أشتري لنفسي بيتًا خشبيًا على شاطئ البحر. سأحوّل ذلك البيت إلى هوستيل يستقبل محبي السفر والمغامرات ويقيم حفلات راقصة تدوم أيامًا طويلة، وفي أوقات أخرى سيكون مكانًا هادئًا للقراءة والكتابة. سيكون مرتعًا للكسل الجميل. أريد أن ألتقي بناس جاؤوا من أماكن بعيدة، مثلي، يبحثون لأنفسهم عن مكان يبعدهم عن صخب الرأسماليّة ومشاكلها.

أريد أن أعيش يومًا ما في مونتفيديو، مدينة أحلامي.

بلجيكا

في المرة الأولى التي زرت فيها بلجيكا، قال لي صديقي الذي يرافقني والمنفي منذ زمن طويل: بروكسل تشبه دمشق. مشينا في شوارع تلك البلاد ولم أر شيئًا يشبه دمشق إلا بعض الشوارع الوسخة. قلت لصديقي ذلك. أجاب: ستعرف ما أقصد بعد سنوات.

مرت السنوات وعرفت ما عناه صديقي بذلك الكلام. مرت سنوات على المنفى الذي نعيش فيه، محرومون من بلادنا، ولا قدرة لنا، ولا خيار، على المشي في شوارع مدننا، واستنشاق هوائها.

كلّ يوم تقريبًا تطالعني صورة جديدة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي يقول صاحبها إنّ هذه المدينة تشبه دمشق. هكذا أصبحت فيينا ونابولي وبرشلونة وفرايبورغ مدن تشبه دمشق. لأنّ الشوق يخرّب الذاكرة أصبح المنفيون يشاهدون حجارة مدنهم كيفما التفتوا في هذا العالم.

نعم يا صديقي، بروكسل تشبه دمشق، وكذلك برلين تشبه دمشق. كلّ العالم يشبه دمشق ودمشق لا تشبه شيئًا.

اليابان

أحبّ السينما اليابانيّة رغم إنّني لم أشاهد الكثير من الأفلام اليابانيّة مقارنة بما شاهدته من أفلام عربيّة وأوروبيّة وأمريكيّة، لكن ما شاهدته من أفلام يابانيّة ترك في نفسي بالغ الأثر. دهشني ذلك العالم البعيد المختلف عن عالمنا.

كنت صغيرًا حين رافقت أحد أعمامي إلى قاعة سينما، كانت تلك مرتي الأولى أو الثانية التي أدخل فيها إلى هذا الظلام المدهش. كان يعرض في سينما الكندي في دمشق فيلم ياباني من إخراج أكيرا كوروساوا. هكذا بقي الاسم في ذاكرتي. كوروساوا.

بعد سنوات طويلة أتيحت لي الفرصة لمشاهدة أفلام أخرى من إخراج هذا الرجل. سُحرتْ. ما أعظم السينما! السينما هي عيني على العالم. لو لم تكن هناك سينما، ولو لم تكن هنالك روايات، لما كنت عرفت عن الحياة شيئًا.

مؤخرًا قرأت كتاب اسمه "عرق الضفدع" وهي سيرة ذاتية كتبها أكيرا كوروساوا قبل موته. سحرني الكتاب وسحرني الرجل.

من أجلك يا كوروساوا سوف أشجع المنتخب الياباني في كأس العالم.

بيرو

"صديقي العزيز: إنّني أحاول أن أقول لك أن تنسى كلّ ما قرأته في رسائلي، حول الشكل الروائي، وأن تبدأ، دفعة واحدة، بكتابة الروايات" هكذا اختتم يوسا رسالته الأخيرة إلى روائي شاب.

بيرو بالنسبة لي تعني ماريو فارغاس يوسا، الروائي العظيم. قرأت له عددًا من الروايات، لكن كتابه الأقرب إلى هو "رسائل إلى روائي شاب". أرسل لي أحد الأصدقاء هذا الكتاب من بيروت. الكتاب عزيز عليّ جدًا. أتصفحه بين فينة وأخرى. أحاول الاستفادة من تجربة يوسا ومن تجارب آخرين كيف أكتب روايتي الأولى.

أخاف كتابة الروايات. فالرواية تحتاج إلى الصبر الذي لا أملكه. عليّ أن أتعلم الصبر قبل أن أكتب روايتي الأولى. ربما أبدأ بممارسة صيد الأسماك على سبيل تعلم الصبر.

ربما لا تمتلك بيرو منتخبًا قويًا، لكنت لطالما شعرت أنّ سكان تلك البلاد البعيدة يشبهوننا. من أجل هذا الشعور ومن أجل يوسا سوف أشجع منتخب البيرو في كأس العالم.

الدنمارك

حين شرعت بكتابة قصة عن الدانمارك قفز إلى ذهني اسم لارس فون ترير، المخرج الرائع والمؤسس المشارك لحركة "دوغما 95". حذفت ما كتبت سباقًا وكتبتُ هذه السطور.

شاهدت أول فيلم لترير سنة 2004. أذكر أنّني كنت أدرس لامتحانات السنة الدراسيّة النهائية. نصحني آنذاك صديق لي يعمل في دكان تأجير أفلام بمشاهدة هذا الفيلم. قال ل: إنّه فيلم عظيم ويستحق أن لا تدرس من أجل مشاهدته. وهكذا كان.

شاهدت الفيلم مرتين متتاليتين، صارت نيكول كيدمان فتاة أحلامي وأصبح لارس فون ترير مخرجي المفضل وبقي فيلم "دوغ فيل" من أجمل الأفلام التي شاهدتها في حياتي القصيرة.

قمت مؤخرًا بكتابة فيلم جديد، ما زلت أعمل إنهائه. في أحد المشاهد استعرتُ خيال فون ترير وكتبت المشهد. سوف أنتظر حتى أرى المشهد مصورًا أمامي ومن ثم أحكم على مدى تأثري بهذا المخرج.

شكرًا لارس فون ترير على جنونك، وشكرًا للدنمارك الباردة لأنّها أنجبت لنا هذا المجنون.

السعوديّة

مرة أخرى السينما.

لا توجد أفلامٌ سينمائيّة كثيرة مصورة في المملكة السعوديّة لكن وقبل سنة تقريبًا شاهدت "بركة يقابل بركة". فيلم جميل صُور ومُثل هناك، وترشح لعدد من الجوائز العالميّة. في الفيلم شاهدت سعوديّة أخرى غير تلك التي تظهر على قنوات الأخبار أو في البرامج التلفزيونيّة أو في أحاديث السوريين من عملوا هناك.

وبحكم متابعتي للدوري السعودي لكرة القدم ولجماهير الأندية المختلفة تكونت لدي صورة مختلفة عن هؤلاء الناس.

في السعوديّة بشر يحبون الحياة والرقص والغناء والسينما وكرة القدم. بشر مثل باقي البشر في كلّ بقاع الأرض، يريدون حياة عاديّة لكن الديكتاتور الديني يمنع عنهم حتى التنفس.

أحبّ المنتخب السعودي وأريده أن يتطور ويفوز، أو على الأقل أن لا يخسر بنتائج كبيرة، رغم علمي بأنّ نظام الحكم السعودي سوف يستغل هذا الفوز لصالحه لكن في الوقت نفسه فوز الفريق السعودي سيُفرح السعوديين الذين يستحقون الفرح رغمًا عن أنف الظلم.

السنغال

أقمت في مخيم للّاجئين يقع في جنوب ألمانيا على الحدود السويسريّة قرابة الشهور الستة في غرفة ضيقة مع شابين فلسطينيين، وكان يقيم في الغرفة المجاورة شبان من السنغال.

خلال فترة إقامتي هناك لم نتبادل إلا أحاديث قصيرة تتمحور حول دور استعمال المطبخ المشترك، ففي مخيمات اللاجئين يتقوقع العرب مع العرب، ولا يتعامل الأكراد إلا مع الأكراد، والأفارقة لا يتحدثون إلا مع الأفارقة، وذلك بسبب فوارق اللغة ولأنّ الضعفاء يخافون الغرباء واللاجئون ضعفاء دائمًا.

كنتُ أسمع أصوات جيراني المرتفعة دائمًا، كانوا على فرح دائم، أو هذا ما كان يبدو. كانوا يقيمون حفلات دائمة، يرقصون ويضحكون وإن احتاج أحدهم المساعدة تداعى له باقي أفراد المجموعة.

مع الأسف انتهت إقامتي هناك ولم أتعرف عليهم وعلى ثقافتهم بالشكل الكاف، لكن الحياة أعطتني فرصة أخرى حين نظم صديقي الإثيوبي حفلًا في برلين بهدف أن يُعرّف أصدقاءه الجدد على الثقافة الإفريقيّة. في هذا اللقاء كان الأكل سنغاليًا فالشبان الثلاث الذين صنعوا الطعام لنا كانوا من السنغال. كان ذلك أول طعام سنغالي أتذوقه في حياتي.

في هذا الصيف وخلال منافسات كأس العالم، سأصنع حلويات سنغاليّة خلال أيام مباريات السنغال، كتحية مني لذكرى رفاقي اللاجئين في المخيم الواقع في جنوب ألمانيا.

المكسيك

كنّا أربعة أصدقاء نجلس سويّة في حديقة برلينيّة ذات صيف؛ واحد ألماني وآخر من تشيلي وأنا من سوريا والرابع قادم من المكسيك. كان الألماني يعزف على غيتاره حين حدثت صديقي المكسيكي بهذه القصة.

خلال منافسات كأس العالم سنة 1998كنت أجلس على كرسي الحلاق نشاهد مباراة هولندا والمكسيك. كان أبي يقف خلفنا. وكان قريبنا الحلّاق يتحدث بصوت عالٍ عن قوة المنتخب الهولندي. كان الناس على يقين بأنّ المنتخب الهولندي سيفوز بالمباراة، لكن المكسيكيين فاجؤوا سكان القامشلي وتعادلوا مع الهولنديين.

منذ ذلك الوقت وأنا اعتقد بأنّ المنتخب المكسيكي هو واحد من المنتخبات القويّة التي يُخشى جانبها. وفوزها على المنتخب ألمانيا، حامل اللقب، في مباراتهم الأولى دليل على قناعتي هذه.

الأرجنتين

في بلادنا حين يقول المرء كلمة أرجنتين، نذكر أول الأمر مارادونا أو ميسي أو حتى غيفارا، بينما أنا أذكر الستيك الأرجنتيني المصنوع من لحم البقر. من لم يأكل شريحة اللحم هذه فقد خسر الكثير من المذاق الشهي. أحاول أن أتناول هذه الشريحة من اللحم كل فترة، أبحث عن مطاعم أرجنتينيّة في المدن التي أزورها من أجل تذوق هذا الطعام الشهي.

منذ حوالي أربع سنوات انتقلت للعيش في بيت جديد في مركز مدينة برلين. سكنت هناك لسنتين وكان انطباعي الأول عن البيت هو: يا لحظي وسعادتي، بجانب بيتي هناك مطعم أرجنتيني.

تأخر دخولي إلى المطعم لثلاث شهور لأسباب مختلفة. وحين دخلت أخيرًا سمعت العاملين هناك يتحدثون باللغة العربيّة. تناولت طعامي وكان طعمه لا يشبه ما أعرفه عن الستيك الأرجنتيني، لكنّه كان طعامًا جيدًا بالمجمل. بعد الانتهاء من وجبتي سألت أحد العاملين هناك إن كان جميع العاملين عربًا، فقال إنّ صاحب المطعم فلسطيني مقيم في برلين منذ سنين طويلة، وإنّ تسميته للمطعم بالأرجنتيني ما هو إلا خدعة من أجل كسب الزبائن، لكنهم وبكلّ الأحوال يقدمون الستيك الأرجنتيني لكن بطريقتهم الخاصة.

كرواتيا

منذ أربع سنوات عُرض لي فيلم ضمن مهرجان للأفلام في مدينة فايمر الألمانيّة. بعد عرض الفيلم رافقت بعض الأصدقاء إلى حفل للموسيقى الأفريقيّة. هناك التقيت بفتاة كرواتيّة لطيفة. لم تكن تعرف شيئًا عن سوريا باستثناء ما تسمعه في نشرات الأخبار عن الموت الدائر هناك. قلت لها إنّني بالمقابل لا أعرف شيئًا عن كرواتيا إلا معلومات متعلقة بالحرب اليوغسلافيّة وبكرة القدم.

اقترحت أن أرافقها إلى بيتها لنتحدث عن بلادنا ونشرب بعض النبيذ الكرواتي المميز الذي تجلب معها كميات منه كلما زارت عائلتها هناك.

بعد ساعات طويلة من الشرب والحديث والحميميّة غادرتها مودعًا. مشيت في شوارع فايمر الفارغة قبيل طلوع الفجر. رأيت فايمر جميلة كما لم تكن قبلًا. مدينة غوته وشيلر كانت تحتفل بي وكنت أحتفل بها.

من أجلك يا آنا ماريا، ومن أجل تلك الليلة، سأشجع المنتخب الكرواتي في كأس العالم.

استراليا

كانت صديقتنا الأستراليّة تزورنا قبل ولادة شريكتي بأسبوع واحد. حلمتْ بأنّ لينا ستلد ابنتنا يوم الثلاثاء. لم يحدث هذا. قررت أن تهدينا صورًا أخيرة لحمل لينا، شريكتي. هذه هديتها لنا كمصورة محترفة. جاءت في يوم الثلاثاء والتقطت الصور.

في اليوم التالي، أي يوم الأربعاء، وُلدت لينا وجلبت لنا طفلة شغلتنا بنفسها عمّا حولنا. كانت كاترينا الأستراليّة من أوائل المهنئين لنا رغم أنّ توقعها لم يصب.

أثناء زيارتها لنا وفي زياراتها السابقة أعدت لنا في مرات عديدة طعامًا استراليًا، طعامًا لا يختلف كثيرًا عمّا نأكله في المدن الأوروبيّة. مرة من المرات قلت لها ذلك، فأجابت: لا بأس بذلك، فالعالم كلّه متشابه اليوم.

تونس

تونس منارة منطقتنا فمنها بدأت ثورات الحريّة والكرامة ومن شوارعها انطلقت صيحات الغضب والعصيان وفيها نشأت حركة مطلبيّة مدنيّة لا مثيل لها في بلادنا. تونس تدافع عن حقوق المثليين وعن حقوق النساء وعن المساواة والعدالة والحريّات الفرديّة والجماعيّة. ومن مثل تونس؟

عند انطلاق ثورة تونس، أراد الكثير من أصدقائي السوريين إظهار تضامننا مع تونس، لكن الخوف كان يملأ القلوب. اتفق بعض الأصدقاء على تنظيم وقفة تضامنيّة مع المتظاهرين التوانسة، أمام السفارة التونسيّة. أردت الذهاب إلى هناك لكن الخوف منعني. تمشيت في الشوارع القريبة من السفارة، كانت حركة قوات حفظ النظام تثير ذعري، فلم أتوجه إلى شارع السفارة. لاحقًا عرفت أنّ عدد المشاركين لم يتجاوز عشرة أشخاص وتفرقوا قبل أن يبدؤوا.

بعد أقل من شهر انطلقت الثورة المصريّة ونُظمت وقفة تضامنيّة أمام السفارة المصريّة. كان عددنا يقارب السبعين شخصًا. كانت تلك هي مرتي الأولى التي أغني فيها أغاني الشيخ إمام بصوت عال في الشارع.

وبعدها انطلقت ثورتنا وحدث ما حدث. وبقيت تونس منارتنا التي تدلنا على الطريق الصواب.

بنما

في إحدى شوارع برلين يكثر بائعو الحشيش، كلما مررت من هناك يجرب أحد البائعين بيعي بعض الحشيش أو الماريوانا، فأقول له شكرًا لا أريد وأتابع طريقي. في مرات عديدة لا يسألونك بيع الحشيش بل يتحدثون معك في موضوع آخر، وكي أتجنب ذلك أقول لهم إنّني لا أتحدث الألمانيّة فيحاولون معي بالإنكليزيّة فأقول إنّني لا أجيد الإنكليزيّة كذلك، فيسألون من أين أنت؟ أقول من بنما.

يسألونني عن اللغة التي نتحدث بها في بنما فأقول لهم "البنميّة". أخاف أن أقول الحقيقة وأقول الإسبانيّة فيكون الشخص من متحدثي تلك اللغة فأقع في ورطة الكذب، لأنّ معظم بائعي الحشيش في ذلك الشارع قادمون من دول شمال وغرب إفريقيا، واحتمال تحدثهم بالإسبانيّة كبير.

يطلب مني بعضهم أحيانًا أن أقول بعض الجمل بالبنميّة، فأحدثهم بالكرديّة، وأقول لنفسي: على الأغلب لم يسمعوا لغة كرديّة من قبل، ولن يعرفوا الفرق بينها وبين لغتي البنميّة المُخترعة.

إنجلترا

إنجلترا، مهد كرة القدم وأجمل ما في كرة القدم هو الدوري الإنجليزي، وأجمل ما في الدوري الإنجليزي هو نادي الأرسنال، وأجمل ما في الأرسنال هو قيم الفرق وكرة القدم التي يقدمها.

بدأت حبّ الأرسنال في بدايات الألفية، حين كانت مباراة مانشستر يونايتد وأرسنال هي قلب الدوري الإنجليزي وواحدة من أمتع المباريات في العالم. حينها كان ديفيد سيمان يحرس المرمى وكان آشلي كول وبيريز ودينيس بيركامب وتيري هنري يقدمون كرة قدم أجمل من الجمال.

ازداد حبّ الأرسنال في قلبي عامًا بعد عام، لم يكن يهمني إن فاز الفريق أو خسر، يكفيني ما يقدمه الفريق من جمال. آرسين فينجر الذي دربّ الفريق لمدة طويلة هو أحد أبطالي الشخصيين. رجل لطيف، يعتني باللاعبين الشباب كأنّهم أولاده، يقدم كرة قدم جميلة، يطوّر اللاعبين والنادي على حد سواء.

حب كرة القدم بالنسبة إليّ يعني حب أشياء كثيرة غير كرة القدم، اللعبة ليست فقط في الملعب، المتعة في كلّ ما يحيط باللعبة وفريق لندن الأعظم، أرسنال، كان سببًا كبيرًا في هذا الحب.

البرازيل

ماذا يمكن أن أكتب عن البرازيل إن لم أكتب عن كرة القدم؟

ولدت وكان حبّ منتخب البرازيل يحفر عميقًا في قلوب أفراد عائلتي ونشأت على هذا الحب. كنت صغيرًا حين اشترى والدي لنا، أنا وأخي، للمرة الأولى ثياب المنتخب البرازيلي. كنّآ فخورين جدًا بهذه الثياب لدرجة أنّنا فضلنا ارتداءها على ارتداء الثياب الكرديّة التقليديّة خلال احتفال عيد النوروز.

أشعر أنّني، مؤخرًا، كتبت كثيرًا عن المنتخب البرازيلي وعن لعبهم الممتع وعن لاعبيهم العظماء. لكن أشعر بأنّني مهما تحدثت ومهما قلت يبقى في جعبتي المزيد من القصص والحكايا عنهم.

لم أقابل برازيليين قبل أن أنتقل للعيش في برلين. أصبح لدي بعض الأصدقاء البرازيليين هنا، أخبروني بأنّ في البرازيل أشياء كثيرة غير كرة القدم، رغم أنّ كرة القدم هي من أهم الأشياء في البلاد، فشعبهم يتنفس كرة القدم. يومًا ما قال لي مخرج برازيلي قابلته في إحدى مهرجانات الأفلام، لو أنّ البرازيليين اهتموا بالسينما قدر اهتمامهم بكرة القدم لكانوا أعظم بلاد في صناعة السينما عبر التاريخ. صديق برازيلي، وهو مصور محترف، قال لي بأنّه شبه منبوذ في عائلته لأنّه الوحيد الذي لا يتابع مباريات كرة القدم.

وأنا بدوري لا أفهم شخصًا يحب كرة القدم ولم يستمتع يومًا بمهارات لاعبي البرازيل وبكرة القدم التي يقدمونها. حقًا، أنا لا أفهم مشجعًا لكرة القدم يقول إنّ يكره كرة القدم البرازيليّة. كيف ذلك؟

على كلّ حال في كأس العالم هذه سوف أشجع فريقهم وأعلم طفلتي حبّ المنتخب البرازيلي، أسياد متعة كرة القدم في العالم.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
دلير يوسف

كاتب ومخرج من سوريا، أخرج عدداً من الأفلام السينمائيّة منها: "أمراء النحل" و"منفى" و"بانياس: البدايات" و"حبل غسيل". وله كتاب مطبوع بعنوان "حكايات من هذا الزمن" صدر في العام 2014 من بيروت. مقيم حالياً في برلين- ألمانيا.

كلمات مفتاحية
العالم كأس العالم

التعليقات