بيروت، اللهجة البيضاء

بيروت، اللهجة البيضاء
منطقة وسط بيروت في الستينات

حدث أن صديق لأبي أهداه كتاب "تراث بيروت بالحفظ والصون" (الدار العربية للعلوم ناشرون). سرقته... فعلياً لا، أخذته وسمحت لنفسي أن أبقيه لي. هكذا، "أشكرا" كما نقول في لهجتنا العتيقة، يعني "ع المفضوح"... فقط لعب دور السارقة، ولو على مسرح بلا ستائر، يغذي عندي لذّة الفرح بالحصول على شيء ثمين، هنا، بقيمته المعنوية.

على ظهر الغلاف تعريف بمضمونه يقول أنه يضم أعمال ندوة حملت عنوان الكتاب، أقامها "مرصد بيروت الحضري"، وتخللها مدخلات وشهادات لمشاركين بيارته وغير بيارته شكلوا الوجه الثقافي والشعبي للمدينة بفنونها المختلفة ودرسوا تاريخها واجتماعها ووضعوا لمساتهم في هندستها.

ولأن الكلام خطاب الأرواح، تتصالح وتتخاصم، تولد وتنمو وتموت، وهي انعكاس للعقل وكيفية تطوره عبر السنين، اخترت الشق المتعلق بالغة في محاولة لإرضاء حشريتي عن بعض المفردات الغريبة العجيبة، التي أسمعها من صغري دون أن أفطن بحق ماذا تعني.

أقوال جاهزة

شارك غرد"اللغة ليست مقدسة وهي قابلة للذوبان أو الاندثار" وبهذا تضيع مصطلحات وعبارات وتندثر مع مرور الزمن

شارك غرد"الشرشوحة"، "الزمك"، "الست" وغيرها من المصطلحات التي نسمعها دون أن ندرك معناها الأصلي وسبب اندثارها من لغتنا

إليكم 6 من هذه الكلمات، أشرحها بإيجاز من خلال بحث د. وجيه فانوس، وهي تعطي فكرة عن تراتبية بالمكانة، لحسن الحظ أنها اضمحلت وضعفت في جغرافية ساعية للحداثة.

1- القبضاي: المسيطر، القادر على توجيه الآخرين. اعتمدت الدولة زمان على أصحاب هذه الشخصية للإمساك بزمام أمور الناس في الحارات والمجموعات العامة.

2- الجدع: قوي الجسد، يتمتع بالهمة والمروءة. صفات تحلّى بها شباب كثر في العاصمة، وأيضاً كهول، وكان في كل زاروب أو حي جدعه الخاص.

كل قبضاي جدع، لكن العكس غير صحيح لأن الأول يقبض على سلطة تتجاوز مجاله الفردي.

3- الزمك: عكس الأولين تماماً، ومع هذا هو يسعى دائماً من أجل إثبات وجوده في الحياة العامة عبر خدمات صغيرة، وأحياناً "حقيرة"، يقدمها للناس.

4- الشرشوحة: هي في أسفل الهرم الاجتماعي. تمتهن ذم الناس "الكرام" أمام بيوتهم وأماكن عملهم بأقذر الشتائم لقاء حصولها على مبلغ من المال.

5- الخانم: صاحبة المقام الرفيع. ابنة كبير العائلة أو زوجته أو أخته. أو كبيرة قومها بين نساء عائلتها بسبب سنها أو عقلها الراجح.

6- الست: منبثقة من "سيدة"، ونقول اليوم "مدام". شخصية قريبة جداً من الخانم، إلا أن اللقب ارتبط في حينها بأسماء مديرات المدارس بشكل خاص.

يعدد عبيدو باشا في المنشور نفسه ألفاظ تذكرني بالمتوفين من عائلتي، فترتسم على شفتي بسمة.

كنت وأقراني نسمع المسنون يقولون: باجوق (فم)، مكنة (سيارة)، قلشين (كلسات)، يصطاقية (مخدة)، وغيرها... فنندهش! نفرك عيوننا ونفتح أفواهنا أمام "صندوق الفرجة الكبير". 

أسأل صديقي ابن بيروت وجيلي، الممثل عبد الرحمن العوجي: "أين اختفت هذه الكلمات؟ يا قطيعة!".

فيرد: "اللغة ليست مقدسة وهي قابلة للذوبان أو الاندثار لتأثرها بمحيطها المتحرك. كلمتي: زكرت (عصبي) وهمشري (صاحبي) تركية الأًصل، تماماً مثل بعض الكلمات التي ذكرتيها لي، أي أنها كانت آتية من ثقافة أخرى، وصارت في طور النسيان مما يؤكد عدم جمود اللغة. اللذين حافظوا على لهجتهم المحلية لم يختلطوا بالقدر الكافي مع الآخرين المختلفين، وبيروت مدينة منفتحة ومتعددة الثقافات، هي العاصمة ومركز الدولة وبالتالي على القاطنين فيها الاتفاق فيما بينهم على لغة مفهومة من الكل، هي ما نسميه "اللهجة البيضاء".

ويضيف: "أيضاً برأيي أن أهل بيروت تعلموا، لأن الجامعات تأسست فيها قبل المناطق الأخرى، بسبب المركزية، ولم يعد ملائماً لطبقتهم الاجتماعية استعمال اللهجة القديمة، الثقيلة بكل الأحوال. هم لم يستعملوها خلال الحديث مع أولادهم، فلم يورثوهم ياها ومن الطبيعي أن تزول. هذا أمر جيد، لأن اللغة وجدت للتواصل".

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
رنا قاروط

كاتبة ومترجمة ورسامة، لها عشرات المقالات حول التربية والمجتمع والعمارة.

التعليقات