عن الأمومة والرضاعة المؤدلجة والنسوية

عن الأمومة والرضاعة المؤدلجة والنسوية

مرة مرتين وثلاث مرات... وبات للصور رائحة

طلب مني أن أضغط وأشدّ لأخرجها. مرة ومرتين وثلاثاً. خرجت. لم أشعر بشيء بتاتاً. لم أبكِ. نظرت إليها سريعاً. كاملة. وحرت في أمري. ماذا أفعل بتفاصيل القصة التي كنت أنوي أن أخبرها للأصدقاء والمعارف، عن الساعات التي قضيتها أعاني. من أين آتي بالتفاصيل؟ أردات ابنتي أن تخرج،  فخرجت. ببساطة شديدة وبخفة غير آبهة بكل التفاصيل التي قضيت أشهراً أنسجها عن لحظة ولادتها. حسناً. ربما ساعد كوني لم أكتسب أي وزن يذكر وثابرت على السباحة حتى اللحظة الأخيرة، حتى ظننت أنني قد أولدها في المسبح. المهم أنها بخير وهي كاملة الملامح.

سنة مرت على ولادتها أو ولادتي. لا فرق. كل ما أذكره أنني كنت أمازح الطبيب والطبيب المساعد الذي كان يسألني عن السباحة واليوغا وأفهمني أنه من المستحسن أن أضغط فقط عندما أشعر بموجة المغص. أعطى تعليمات واضحة وأنا فهمت "التكنيك". مرة مرتين ثلاثاً، خرجت من بعدها ابنتي نايرا. لم أشعر بشيء. لا أوجاع تذكر. لم أبكِ. شعرت بزوجي يبكي. شعرت فقط برغبة شديدة في أن أحضنها. كانت تبكي. أودعتها الممرضة في حضني. همست لها أنني أمها. ومع هذا الاعتراف، تغيّر شيء. جسمي ورائحتي ومزاجي وانفعالاتي وكل شيء. أصبحت أكثر تعباً وأكثر فرحاً وأكثر ضعفاً وقوة. بتّ أجمع كل تناقضات الدنيا. هل ذكرت جسمي؟ جسمي تغير كثيراً. بالكاد اكتسبت وزناً، ولكنه تغيّر. أصبح الجزء الفوقي منه جزءاً من مساحة عامة لا أعيرها أي اهتمام.

12 شهر. مرّوا سريعاً. الصور تتكاثر في ذاكرتي وهي المتهالكة أصلاً. متهالكة لدرجة أنني كنت أحياناً أبحث في محرّك البحث عن أعراض الزهايمر خاصة أنني غالباً ما كنت أفشل في ترتيب الصور التي تتكدّس في ذاكرتي وفق تسلسلها الزمني. والأسوأ أنني أكاد لا أذكر شيئاً من مراهقتي رغم عدم بلوغي منتصف الثمانينات بالمقارنة بزوجي الذي يتذكر كلّ شيء عن أي شيء.

أقوال جاهزة

شارك غردأردت أن أجرب الرضاعة لأن المشاهد التي تحتفظ بها ذاكرتني تشعرني بدفء التجربة. الحميمية ما بين الأم والطفل. والفوقية أيضاً. أن أفعل ما لا يفعله أي رجل

شارك غردناولتها صدري. وتجاوبت معي. وضعت يديها الصغيرتين قرب قلبي وضغطت.. كانت ابنتي وعمرها أيام معدودة هي التي تغمرني. وتخبىء وجهها في صدري. وأنا أخبىء كل مخاوف الدنيا في يدها الصغيرة، أمسك بها وأنظر في وجهها

والحال الآن أن ذاكرتي لم تعد ملكاً لي. وكأنها ملف رقمي تعرّض لrenaming بكبسة زر. أصبحت ملكاً لها، لابنتي. تعج بصورها. أكاد لا أنجح في ترتيبها قبل أن تغدق عليّ ابنتي بصور جديدة، ضحكتها التي تغيّر ملامح وجهها وعينيها المشاكستين ونظرتها الثاقبة وأكثر. أكثر من أن يحتمل قلبي كل هذا الحب والاشتياق المستمرّ. أكثر بكثير.  لم أعرف مسبقاً أن للرائحة صوراً. باتت صور رائحتها تحتل ركناً خاصاً في ذاكرتي. رائحتها بعد الحمام وعند الاستيقاظ. أستيقظ في منتصف الليل. أو في فجر النهار. لا يهمّ. أستيقظ لا على بكائها. بل همسها. وأحياناً أستيقظ بسبب الحليب الذي يبلّل ثياب نومي.

الرضاعة: ما بين مجموعات الدعم والمواقف المأدلجة

الرضاعة أخذت قسطاً كبيراً من تفكيري قبل أن أضع مولودتي الأولى. كنت قد أصبحت قارئة نهمة للمجموعات الفايسبوكية التي تشجع على الرضاعة وتدعم المرأة المرضعة. لم يعجبني بعض التوجهات التي أخذته النقاشات الدائرة. أحسست بثقل نصائح البعض وشعرت بجوّ من منافسة مشحونة بإرهاق يتكابر على نفسه. كنت أعاني من أرق شديد في الأسابيع الأخيرة، الأمر الذي سمح لي أن لا أدع أي تعليق يغيب عني. تعرفت من خلال هذه المجموعات على أهم الacronyms ومنها الEBF أو الexclusive breastfeeding والتي يحلو لي ترجمتها بال "الرضاعة المحتكرة للسوق". كانت النقاشات الدائرة تغضبني وتضحكني ووجدت نفسي أنقل فحواها إلى زوجي والأصدقاء. وكانت النقاشات يغلب عليها مواقف حاسمة وحادة أختصرها بال "الرضاعة أهم هدية تقديمينها إلى طفلك وحليبك هو كل ما يحتاجه الطفل إلى غاية عمر السنة". في هذه المجموعات، الكلّ خبير والكل super mama والكلّ متوجس من الطبيب-العدو (أحياناً) الذي يحاول تسويق حليب اصطناعي سيىء. وبعض النصائح كانت تصيبني بحالة من الضحك الهستيري. "ادهني القليل من حليبك" كان يُقال للأمهات بشكل دوري، للترطيب ومعالجة المغص الخ. حتى أحياناً شعرت برغبة في أن أدهن القليل من حليبي على شعري الناشف علّه يعيد إليه لمعانه.

النقاشات الواردة في هذه المجموعات أغضبتني جداً. تعتيم شديد على ما تشعر به المرأة من إرهاق ولامبالاة تجاه سلطتها على جسمها وبغض النظر عن تبعات قراراتها على الطفل. الأولوية في هذه المجموعات التي من واجبها دعم الأم كانت للطفل. كانت النصائح غالباً ما تختم ب "الأمر يعود إليك"، ولكن بعد فيضان آراء كفيلة بأن تشعر الأم بذنب شديد إذا ما لجأت إلى أن توقف الرضاعة.

بالنسبة لي، لم أكن قد حسمت قراري بعد. وقلت إنني سأقول بما أشعر به. بعيداً عن أية قراءات داعمة أو رافضة للرضاعة. ورغم ذلك، شعرت أن متابعتي لتجارب النساء قد ولّدت لدي شعور بالنفور من الرضاعة، رغم أنه والحق يقال، أن هذه المجموعة قدمت لي الدعم وكانت الملجأ الأول عندما ترتفع حرارة ابنتي أو تشعر بألم ما. أما بالنسبة للرضاعة، فأنا كنت أرغب بصدق في أن أقوم بالتجربة ومن دون أية ضغوط. دافعي كان شخصياً بحتاً. بصراحة، لم أبحث في الفوائد الطبية للرضاعة. أعرف بشكل عابر أنها قد تقوي مناعة ابنتي وأنها تساعد في خفض خطر الإصابة بسرطان الثدي. وهذا جيد. ولكن قراري بأن أرضع ابنتي ليس له علاقة بهذه الفوائد. قد يكون عاملاً غير مباشر – ربما، لا أعرف.

أردت أن أجرب الرضاعة لأن المشاهد التي تحتفظ بها ذاكرتني تشعرني بدفء التجربة. الحميمية ما بين الأم والطفل. والفوقية أيضاً. أن أفعل ما لا يفعله أي رجل. وأيضاً قرب التجربة من الطبيعة الحيوانية. المهم، ناولتها صدري. وتجاوبت معي. وضعت يديها الصغيرتين قرب قلبي وضغطت. ومع الوقت أصبحت تشد بقميصي وتريح يدها هناك وهي تغمرني. كانت ابنتي وعمرها أيام معدودة هي التي تغمرني. وتخبىء وجهها في صدري. وأنا أخبىء كل مخاوف الدنيا في يدها الصغيرة، أمسك بها وأنظر في وجهها. أنا وهي فقط، وبكل أنانية. وفي هذه اللحظة تحديداً تصبح هي مصدر ضعفي وقوتي في آن واحد.

وبعيداً عن أي عملية حسابية أو قراءات علمية أو مواقف مؤدلجة، الرضاعة يجب أن تكون قراراً شخصياً يعني أولاً وأخيراً المرأة. والمؤسف أنه كعادتنا، غالباً ما تخترع أدوات تحدّ من هذه الحرية ومثالاً على ذلك، هذا العازل أو البرقع (الغربي الاختراع) الذي تختبىء وراءه المرأة المرضعة، والذي كرهته وكرهته ابنتي معي في أول وآخر تجربة. لي حرية الرضاعة في أي مكان عام ومن يزعجه هذا المشهد فليضرب رأسه بالحائط. وأيضاً، تلك الآلات التي تشفط الحليب والتي استعملتها بشكل دوري، شعرت من خلالها أنني ماكينة كابوتشينو، وكنت قد قررت استعمال هذه الآلة عند عودتي إلى العمل بعد ثلاثة أشهر على ولادة ابنتي، وذلك لأضمن تدفّق الحليب ضمن معادلة العرض والطلب. وذلك كلّه من أجل صورة وحيدة، هي صورتنا الأولى معاً: حضن ابنتي وهي ترضع. تحضنني وتريح يديها على صدري، ثمّ تنظر إلى الأعلى، حيث تستقبلها عيناي، لتعطيني نظرة أجزم أنها ملكي وحدي حتى الآن. ولكن مع الرضاعة تأتي المعادلة المربكة، فالمسؤولية الأكبر في الاهتمام بصغيرتي أتحمّلها أنا. فبطبيعة الحال، أصبح أنا مصدر الأمان، لأنني ببساطة أقدّم ما لا يقدّمه أحد.

صورتنا وهي تمسك بي وتأكل ما تيسّر من حليب لا تشبه صور الإعلانات. قميصي مبقع أحياناً. لا بل دائماً. شعري غير مسرّح. وهالاتي سوداء ككحل العين ... لكنني دائمة الابتسامة أو هكذا أظن. ليالٍ مرت متعبة. أستيقظ على همسها. أحضنها. تأكل. أخاف أن أغفو. ولكنني أغفو. أستيقظ لاجدها بين يدي. أذكر أن التعب كان قد بدأ يأكل من حماسي وملامحي عندما نظرت إلي وابتسمت. الساعة كانت قرابة الثالثة فجراً، وهذه كانت ابتسامتها الأولي لي وبعينين ثاقبتين. ابتسمت لها. وعرفت في هذه اللحظة أنها تحبني. كنت حتى هذه اللحظة قد أطلقت على نفسي لقب المرضعة. "جاءت المرضعة وذهبت المرضعة" كنت أردد على مسامع زوجي

سنة أولى نسوية

ابنتي تتمّ عامها الأول الأسبوع القادم، وما زالت ترضع. لم أكن أنوي أن أستمرّ في الرضاعة كل هذه المدة، ولكنني لم أعد أعرف كيف أوقفها. الرضاعة تريحها. تتعبني؟ ربما. ولكنني، وقد يبدو هذا الكليشيه الأبدي، أرتاح لراحتها. ورغم معرفتي أنني أتحمّل القسط الأكبر من التعب، ولكنني أرحّب به. بخاطري؟ لا أعرف، ولكن رؤيتها تنام بسلام بين حضني يفرغ المعادلة من معناها. لن أبذل الجهد لأغير المعادلة وأثبت للمجتمع أنني وزوجي متساويان في التعب. الآن تحديداً، هذه ليست معركة أحب خوضها. الأهمّ يشغلني.

"لم أعرفك بهذه الشراسة" يردّد زوجي. جملة سمعتها كثيراً في هذه السنة. لا أعرف إن كنت قد تغيّرت كثيراً، ولكنني أعرف أنني أصبحت أكثر حدّة في الدفاع عن كل شيء وأي شيء أرى أنه يظلم المرأة. المساواة في الأجر لا تكفي. "بلّوه واشربو ميته" أرغب في أن أقول للمجتمع. لم تستحوذ قبل الزواج قضايا المرأة والظلم المنهجي والهيكلي الذي تتعرّض له في ظل قوانين وممارسات لا تنصفها تفكيري على المستوى الشخصي. شكلت هذه القضايا همّاً عامّاً ولكنها لم تشكّل همّاً شخصياً. لم أشعر بوطأة كوني امرأة في لبنان. ليس الزواج ما غيّر موقفي هذا بل وصولي إلى مراكز متقدمة في العمل. احتكاكي مع الرجال هو ما أشعرني بوطأة نوعي الاجتماعي. أن يقال لي أنني "مندفعة" و"عاطفية" و"سهلة الغضب" الخ وبصيغة جماعية هي ما أعادت ترتيب أوراقي. وأيضاً، واجباتي داخل المنزل وخارجه أشعرني بثقل المهمات المرماة على عاتقي بعفوية لا تقلل من غضبي، لا بل تزيده. قد أكتب مطوّلا عن الموضوع، ولكن ما أريد قوله الآن هو أن أمومتي زادت من نسويتي وجعلتني أكثر حساسية تجاه الممارسات والمواقف وخاصة غير المعلنة التي تؤخذ بحقّ المرأة. كما وساعدت زوجي – ولست هنا مخوّلة إلى أن أتحدّث باسمه – على تعميق فهمه لما تعانيه المرأة.

وبعيداً عن النظريات والقراءات والمواقف المأدلجة، مرت سنة تعرّفت فيها على تناقضات المشاعر واكتسبت فيها صلابة وهشاشة لا أعرف تأثيرها عليّ مستقبلاً، ولكنني أظن أنها قد تجعلني أفضل على المستوى الشخصي والمهني والعام.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
كلمات مفتاحية
المرأة

التعليقات