شارع بيتي البَرْليني

شارع بيتي البَرْليني

يتفرع شارع بيتي من شارع زاخر بالمطاعم العربيّة ويسميه العرب عادةً "شارع العرب" برغم انتشار مطاعم ومحال تجاريّة تركيّة وإيطاليّة وألمانيّة فيه. لكن يبقى هذا الاسم هو المفضل على اسمه الحقيقي، جادة الشمس Sonnenallee. شارع بيتي هذا من أفقر الشوارع في حي نويكولن البرليني، وهو خليط عجيب غريب من البشر والجنسيات والعادات والمطاعم والبارات.

يُقال إنّ هذا الحيّ، أي نويكولن، هو حي المهاجرين، وهو مكان تحركات عصابات الشباب العنيفة وعرين سارقي السيارات وبيت بائعي الحشيش والمخدرات. سمعة الحيّ سيئة جدًا، لكن هذا ليس حقيقيًا تمامًا. ميزات الحي أكبر من سيئاته. منطقة متنوعة وطعامها لذيذ ومطاعمها رخيصة، لا تشعر بأنّك غريب عن شوارعها حتى لو انتقلت للعيش هنا قبل يومين. في الحيّ شوارع تشبه شوارع القاهرة وبيروت، وشوارع تشبه شوارع أمستردام  وأيّ مدينة ألمانيّة أخرى.

أقوال جاهزة

شارك غردسُعدت باكتشافي الصغير وقلت لنفسي: الآن أستطيع شراء الخبز بالعربيّة

شارك غردبرلين أشبه بقريّة كبيرة، وهذا يعطيها رونقها الخاص من بين كلّ العواصم الأوروبيّة الكبيرة

في شارع بيتي، بار يرتاده محليون لا يحبون الغرباء وفي الجهة المقابلة بار زواره من الهيبسترز الذين لا يتحدثون الألمانيّة. فيه مطعمان شهيران للخضريين، أولئك الذين لا يأكلون أي منتج حيواني، وفيه تجمعات مافيويّة، أو على الأقل هذا ما تحسه. في المساء يقف بعض الشبان المراهقين في زوايا الشارع، هيئاتهم تتنافى مع صورة الشوارع الأوروبيّة التي كنّا نتخيلها قبل أن نأتي إلى هنا.

شارعي هو برلين صغيرة تُسمع فيه لغات مختلفة بلهجات كثيرة لأناس جاؤوا من جهات الأرض الأربع، العربيّة والإيطاليّة والتركيّة والكرديّة والألمانيّة والإنكليزيّة والإسبانيّة والصربيّة والروسيّة والعبريّة وعشرات اللغات التي لا تعرف وقعها على أذنيك لأنّك لم تسمعها قبلًا.

في زاوية الشارع، دكان صغير يبيع سندويشات دونر وشنيتزل سيئة الطعم مصنوعة على عجل. معظم رواد هذا المطعم سكارى آخر الليل أو المتقاعدون والعاطلون عن العمل الذين يبدأون شرب الفودكا في العاشرة صباحًا. أحد العاملين في هذا الدكان، أغلب الظن أنّه تركي، يتحدث بلغة ألمانيّة ثقيلة مكسورة القواعد، حين يكون مزاجه رائقًا يغني لزبائنه ويمزح معهم بصوت عالٍ غريب، يثير الضحك والهلع والحزن.

أبنية شارعي البرليني ملونة مثل كلّ البيوت الأوربيّة، بناء أحمر وآخر أبيض وثالث أصفر، تشعرك بالألفة في الصيف حين تكون الشمس طالعة، لكن في أيام الشتاء الطويلة، حين لا نرى الشمس إلا نادرًا، يكون الشارع بأبنيته موحشًا، عكس ما يدور من حياة داخل بيوته، وخاصة أنّ برلين مدينة غير مُضاءة مثل المدن الكبيرة. برلين أشبه بقريّة كبيرة، وهذا يعطيها رونقها الخاص من بين كلّ العواصم الأوروبيّة الكبيرة.

أجلس الآن إلى طاولة مطبخي وأنظر من الشباك إلى الظلام الذي يتمدد في الخارج رغم أنّ الساعة لم تتجاوز الرابعة عصرًا بالتوقيت المحلي، إن استطعنا تسمية ساعة الغروب عصرًا. هذا حال شهور الشتاء في هذه البلاد. أتذكر اللحظة التي شعرت فيها بأنّني أعيش في أوروبا لأول مرة. كنت جالسًا إلى طاولة مطبخ بيتي القديم أتناول طعام الغداء وحيدًا أنظر من الشباك الكبير إلى تساقط الثلج القوي في الخارج، حينذاك قلت لنفسي: أنت الآن تعيش في أوروبا. كان قد مضى ثلاث سنوات على اللحظة التي وطئت فيها قدماي أرض مطار مدينة ميونخ، نقطتي الأووربيّة الأولى. وما لها هذه السنون تمضي مسرعة!

أعود إلى حكاية شارعي وأترك أحاديث الذاكرة المثقلة بالتعب. ما الذي يميّز شارع بيتي؟ لا شيء. ربما عدم تميزه هو ما يميزه في مدينة برلين التي يسعى كلّ شخص للظهور والتميّز فيها، والكلّ يُطحن في هذه المدينة ويرفد نهرها الغني لتكون ما هي عليه. في الشارع صدام غير واضح بين سكان الحيّ القدماء والقادمين الجدد، لكلّ زاويته وأمكنته التي يرتادها، لذلك تتسع الفجوة بين القديم والجديد كلّ يوم، وهذا يحدث في كثير من مناطق برلين في السنوات الأخيرة.

صوت سيارات الشرطة والإسعاف لا يتوقف على مدار الساعة. لكن هذا ليس الصوت الوحيد هنا، ففي الأيام الرائقة، أي حين تكون الشمس مشرقة، وتلك أيام قليلة في هذه البلاد، ترى موسيقيين يمشون في الشوارع السكنيّة، ومنها شارعي، ويعزفون من أجل المتعة ولا يتقاضون أجورًا على ذلك. بعض أولئك يعزف الكمان وآخرون يلعبون الموسيقى على آلة الأكورديون والبعض يستمتع بآلته النفخيّة، هؤلاء يدخلون السعادة إلى البيوت التي يمرون بها، أو على الأقل يدخلون السعادة إلى قلبي حين يكون حزينًا، وما أكثر حزن هذا القلب!

اكتشفت اليوم أنّ أصحاب المخبز الصغير ذي الخبز الطيب في الشارع عربٌ. عادة نتبادل حديثنا القصير باللغة الألمانيّة. اليوم صباحًا حين دخلت إلى المحل المخبز سمعتُ السيدة العاملة هناك تتحدث باللغة العربيّة مع شخص آخر، فبادرت الحديث معها بالعربيّة. قالت لي إنّ شكلي لا يشبه متحدثي العربيّة، قالت: كنت أظنك إسبانيًا. قلت لها: كلنا أبناء متوسطٍ واحد فلا بأس ببعض الشبه. سُعدت باكتشافي الصغير وقلت لنفسي: الآن أستطيع شراء الخبز بالعربيّة.

أكوّن عائلة في البيت الذي أعيش فيه الآن. في هذا الشارع سوف تولد ابنتي الأولى بعد أسابيع قليلة. ستقول دائمًا، مهما ارتحلنا: في هذا البيت وُلِدتُ وهذا الشارع هو أول ما رأيت من هذا العالم الكبير. إذًا سيكون ارتباطي بهذا الشارع أبديًا.

ملاحظة: كُتب هذا النص في شهر كانون الثاني الذي مضى…

 

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
دلير يوسف

كاتب ومخرج من سوريا، أخرج عدداً من الأفلام السينمائيّة منها: "أمراء النحل" و"منفى" و"بانياس: البدايات" و"حبل غسيل". وله كتاب مطبوع بعنوان "حكايات من هذا الزمن" صدر في العام 2014 من بيروت. مقيم حالياً في برلين- ألمانيا.

كلمات مفتاحية
المانيا

التعليقات