"بريد الليل"... رسالة إلى هدى بركات

"بريد الليل"... رسالة إلى هدى بركات

عزيزتي "هدى بركات"،

بما أنه هكذا يجب أن تبدأ الرسائل، إذن "عزيزتي هدى بركات"...

قرأت روايتك الأخيرة "بريد الليل" أول صدورها، منذ شهور، لكني ظللت متهيباً الكتابة عنها. إذ كيف يمكن أن أكتب عنها؟

هل أخبر القراء عن خمس رسائل متفرقة جمعتها المصادفة شكلاً، والكثير مضموناً؟

حسناً، فلأبدأ من الرسالة الأولى، شخصٌ رمته أمه في قطار كي يذهب ويتعلّم، ثم لم تسأل عنه، وحين ماتت وصله الخبر من إخوته، فلم يجد في قلبه ما يقوله لهم سوى كلمات العزاء المعتادة التي يقولها الغرباء.

لكن قلبه كان مشغولاً بامرأة أخرى أرادت (أو ربما أراد هو) ألا تكتفي بدور حبيبته، بل أن تكون أمه، فعاقبها وصار يعذبها. يهملها وتتشبث به، يعاندها وتزداد تولعاً، يقصيها فتسامحه. أكان يعاقب أمه فيها أم يحاول فهم "التعلق"؟

لماذا يحكي لها في رسالته كل هذا؟ وكيف وصلت تلك الرسالة إلى غرفة الفندق، فوجدتها امرأة أخرى تنتظر حبيباً قديماً التقته في شبابها، وفرقتهما السنون، ثم عادت طالبةً رؤيته.

ما المغري في مقابلة حبيبٍ قديم تاه عن دنياها وتاهت عن دنياه؟ ولماذا تخاف أن يرى آثار الزمن على جسدها ووجهها إن كانت لم تعد تحبه؟ أم أنها ما زالت تحبه وستبقى للأبد، رغم أنها تعلن جهاراً كرهها لوعود الحب المحتفية بالأبد؟

ليس في رسالتها يقين، ولا في رسائل الباقين، يخفون أكثر مما يعلنون، ويكذبون أكثر مما يصدقون.

خداع من يريدون طالما أنهم لن يرسلوا ما كتبوا إلى من كتبوا لهم؟ إلى من يبثون شكواهم وقلقهم والجروح الواشمة لأرواحهم؟ ألأنفسهم يشرحون وحدتهم الممتدة، وضياع أصواتهم كما ستضيع رسائلهم "كأنها الصوت الذي لم يسمعه أحد منذ البداية"؟

لا عزاء لهم. ولا من يؤنس وحدتهم إلا وقوع رسالة غامضة من شخص غريب في أيديهم، يقرؤونها ويدركون أن غربتهم تشابه غربته، فيغري واحدهم الآخر بأن يكتب حزنه ووحشته والعنف الذي جلل حياته دون إرادة منه.

فما ذنب الثالث إن صار جلّاداً لأنه أراد النجاة من التعذيب؟ وما حيلته إن كان الثمن ليعيش أن يقتل الآخرين؟ حتى لمّا أراد فرصة ثانية في بلاد اللجوء عرفه واحدٌ ممن سبق أن عذبهم ووشى به، فصار لزاماً عليه أن يختفي، ولم يجد مكاناً إلا الدفء الذي قدمته له امرأة عجوز أغرمت به...

ولكن المقابل كان أكبر من طاقته على العطاء، والقتل بالنسبة له سهل، سهلٌ جداً، ففي بلاده كان القتل سهلاً والعنف سهلاً. قلب الأم سيسامحه، لذا لا مشكلة في الاعتراف أمامه وله وحده، في رسالة، إذاً.

أقوال جاهزة

شارك غردبما أنه هكذا يجب أن تبدأ الرسائل، إذن "عزيزتي هدى بركات"...

شارك غردبحثت عن الليل في المعجم ووجدت أن الليل هو "ما يعقب النهار من الظلام". لم يكتبوا أنه ما يسبق النهار من الظلام. حتى معاجمنا متشائمة فمن أين نأتي بالتفاؤل؟

قلب الأم نفسه فجّر فيّ السؤال: كيف يمكن لقلب الأم أن يكون متسامحاً وطيباً ووديعاً دوماً في عالمٍ كعالمنا؟ وكأنك كنت تعرفين ذلك، عزيزتي، فعاجلتني بضربة قاسية قبل أن أتمادى في إحساسي بأني انتصرت على شخصياتك ورسائلهم. وجعلت كاتبة الرسالة الرابعة تعاني من قسوة قلب أمها، التي زوجتها ثم حين عادت مطلقة مع طفلة، صارت تطالبها بالمال، فسافرت وعملت خادمة ثم مومساً، كي تعيش ابنتها في كنف الجدة هانئة رغدة.

كل ذلك لم يجدِ، زوّجت أمها الطفلة، وكان لا بدّ للمرأة أن تختار إذاً. اختارت قلب الأم لا قلب الابنة. استعادت ابنتها وتركت أمها تموت (أم قتلتها؟)، ثم أخذت كل الذهب والنقود وفرّت، لتعيد فعل أن تترك شخصاً يموت مرة أخرى مع مخدومتها الجديدة (أم تراها قتلتها أيضاً)؟ ولماذا تعترف لأخيها بكل هذا؟ أكانت تحسّ أنه قادم للبحث عنها وقتلها أيضاً؟

أخبريني، عزيزتي هدى، كيف يصبح القتل سهلاً هكذا؟ هل فعلاً أن الحياة تقسو ويصير ما يراكمه الإنسان من مرارات يثقل على قلبه، كما كتبت المرأة في رسالتها تبريراً لما فعلته هي وأمها؟ هل صحيح أن "هكذا تقرر الحياة. هكذا ترسل عواصفها ونحن كالريشة في الريح؟".

دعيني، عزيزتي، على سبيل التخلص من عبء الأسئلة الثقيلة التي أرهقتك بها حتى الآن في رسالتي هذه، أخبركِ أمراً عن عنوان روايتك. حاولت التذاكي كما يفعل بعض القراء حين يحاولون تفسير ما لا يحتاج تفسيراً، "بريد واضحة"، قلت لنفسي، وأضفت: "ثم الليل... والليل ظلام ولايقين... عتمة ووحشة ورغبة في البوح... وشخصيات الرواية كلها مستوحشة، ومحتاجة أن يستمع إليها إنسان ما".

ثم بحثت عن الليل في المعجم ووجدت أن الليل هو "ما يعقب النهار من الظلام". لم يكتبوا أنه ما يسبق النهار من الظلام. حتى معاجمنا متشائمة فمن أين نأتي بالتفاؤل؟ وعلى رأي كاتب الرسالة الخامسة: "تساءلت، كأن معها، عن جدوى أي مقاومة إن كانت مرسومة لنا أقدارنا منذ اللحظة الأولى لخروج أجسادنا الصغيرة من بطون الأمهات".

فعلاً، عزيزتي، ما جدوى المقاومة، إن كنا "ما زلنا نموت، وبأبشع الطرائق، ومن دون أن نرتكب إثماً"؟

ذكيٌّ بطلك المثليّ الجنس، واستنتاجاته جارحة، وصراخه موجع، وهزيمته مؤلمة أمام القيصر. ولكن لا يوجد من يستمع إليه. لا أحد يرد على رسالته التي طلب فيها تذكرة عودة لحضن الأب. أيكون قد نسي إرسالها أم نسيه من أرسلها إليهم؟ وإلى متى سيبقى منتظراً في المطار حيث جمعتِ كل صدى أصوات الفصل الأول إلا صوته تركتيه مفرداً دون صدى؟ بخلت عليه حتى بصوت آخر يجيب عن سؤاله الحارق، فجعلت الجواب يأتي مكرراً بصوته في كل مرة، متبوعاً بإشارة استفهام للتأكد: "لا؟".

لكنني سامحتك عوضاً عنه، لأنني فهمت يا عزيزتي، واقتنعت معك. إذ ما فائدة صوتٍ يجيب دون أن يتعاطف، دون أن يفهم، فيحاكم ويحكم على اللاجئ والمنفي بأنه لا يريده ولا يقبله؟

لخّصها ذاك الكندي في المطار، الذي هرب في اللحظة الأخيرة من لقاء المرأة القاطعة أميالاً لتراه وتسترجع الذكرى: "ماذا نعرف عن بشر عاشوا حروباً أهلية؟ عنفاً ودماراً وخسارات وخيبات؟ وخوفاً مريعاً، بلا شك؟ كيف يتحوّلون، وما الذي يتغيّر فيهم ويقسو؟".

وأنت، عزيزتي هدى، هل لديك إجابات لأسئلة مثل: أي ذنب اقترفنا؟ أو: كيف سنشرح للعالم انكسارنا وضياع حيواتنا؟ أو: هل سنبقى نعيش غربة مضاعفة في أي مكان نهرب إليه؟

أعرف أنك لا تحبين الأجوبة، فالأجوبة يقين، وروايتك كلها ضد اليقين. دعيني إذاً، أترك أسئلتي معلقة، كما تركت أنت أسئلة الرواية معلقة. واسمحي لي أيضاً أن أكرر معك، بلوعة، أسئلة البوسطجي في الفصل الأخير: "حين تختفي العناوين تماماً في المناطق المدمرة وتتصحر قرانا خالية من الناس، إلى من يكتب الواحد؟ وإلى أي عنوان؟".

عزيزتي هدى بركات،

تمطر في بيروت الآن. أتراكِ تحبين المطر؟ أذكر أني حين قرأت روايتك في معرض بيروت للمرة الأولى وأرسلت لك إيميلاً عنوّنته بـ"بريد الصباح" كانت تمطر أيضاً.

يومذاك، أخبرتك أن تلك الرسائل التي كتبتها الشخصيات في روايتك أغوتني، وأردت أنا أيضاً أن أكتب رسالتي.

"بريد الصباح" – الذي يصل رغم تقطّع الطرق وحصار "البوسطجي" – ليخبرك أن: شكراً على روايتك الجميلة.

هدى بركات، روائية لبنانية، ترجمت رواياتها إلى لغات عديدة، ووصلت إلى اللائحة القصيرة لجائزة "المان بوكر" العالمية عام 2015.

صدرت لها ست روايات: "حجر الضحك"، "حارث المياه"، "سيدي وحبيبي"، "أهل الهوى"، "ملكوت هذه الأرض"، "بريد الليل". إضافة إلى مجموعة قصصية "زائرات"، وكتاب "رسائل الغريبة"، ومسرحية "فيفا لاديفا".

الناشر: دار الآداب/ بيروت

عدد الصفحات: 128

الطبعة الأولى: 2018

يمكن شراء الرواية من موقع النيل والفرات.

 

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
لبنان مدونة

التعليقات