تتمة القصة... هل ستستطيع عهد الحلبية ويوتا البرلينية التواصل مجدداً؟

تتمة القصة... هل ستستطيع عهد الحلبية ويوتا البرلينية التواصل مجدداً؟

يمكن قراءة الجزء الأول من القصة على هذا الرابط: بعد أكثر من 20 سنة على انقطاع الرسائل، هل ستستطيع عهد الحلبية ويوتا البرلينية التواصل مجدداً؟

"شكراً هبة على الرسالة اللطيفة. يا لهذه المفاجأة الجميلة بعد كل تلك السنوات، نعم أنا هي عهد التي تبحثون عنها، أبلغي يوتا تحياتي".

هكذا بدأ يوم الاثنين برسالة من عهد التي كنت قد فقدتُ الأمل بتلقٰي رسالة منها.

لم أتمالك نفسي وسارعت إلى الاتصال بيوتّا، فما من مجيب، ربما هي الآن غارقة في قراءة الرسائل القديمة التي كانت عهد بعثت بها إليها. ماذا ستكون ردة فعلها عندما ستعرف أن صديقتها التي تبحث عنها حيّة؟

إنها موجودة حقاً! فلتكن نهاية سعيدة إذن.

بدأت بكتابة رسالة إلى يوتّا البرلينية العجوز التي تعشق الرسائل.

"يوتّا، لا أعرف كيف أبدأ رسالتي، أريد أن أقول لك فقط إن لدي ردّاً من عهد. نعم عهد صديقتك الحلبية، لقد وجدناها! هل تصدقين ذلك؟ أستطيع أن أتخيل سعادتك الآن. أنا أيضاً أكاد أطير فرحاً. لقد وجدناها أخيراً".

بعد نصف ساعة، جاء الرد من يوتا. كنت أقرأ ما تقوله الرسالة وأكاد أشعر بأن الحروف تطير فرحاً:

"أووو ما أجملها من رسالة، أريد أن أقرأ النسخة العربية من الرسالة، أريد طباعتها وتعليقها على الحائط. شكراً لك هبة. لقد قمتِ بعمل رائع حقاً".

بعثت إلى عهد برسالة أعلمتها فيها عن نية القناة إقامة بث مباشر لأول اتصال بينهما. أبدت هي أيضاً فرحها بالخبر وخجلها في الوقت نفسه، لافتةً إلى أنها قد نسيت اللغة الانكليزية بعض الشيء، وأنها الآن تعيش في عالم آخر.

بداعي الفضول، بدأت بالبحث في ألبوم صورها، حتى استطعت معرفة مقدار التغيير الذي طرأ على حياتها. الكثير من الصور لأحفادها وأولادها في مناسبات مميزة: تخرّج، زواج، وأمور أخرى. ولكن أكثر ما يدعو للغصة هو تلك الصور الآتية من حلب.

كل من مرّ بحلب أو عاش فيها، يحتفظ بصور لقلعة حلب، وقلب المدينة القديمة، والأزقّة والأحجار الكبيرة التي خبّأت بين طياتها الكثير من آثار الزمان والعابرين.

لم يكن أيّ منّا يتصور، للحظة، أن حلب الآن مجرد صورة نعود إليها، نبكيها حيناً ونشتاق إليها أحياناً كثيرة.

أما عهد، تلك الحلبيّة التي استطاعت برغم آلاف الأميال أن تحفر في ذاكرة امرأة برلينية، عهد التي قضت شبابها في تلك المدينة القديمة، فقد تغّيرت أيضاً.

من قال إننا لا نتغيّر كالمدن؟

استطعتُ من خلال الصور اكتشاف عهد أخرى لم تعرفها يوتّا. عهد الآن جدّة جميلة لأحفاد كثر، تمارس التطريز كهواية، وترتدي الحجاب.

بانتظار الموعد المحدد، كانت العجوزتان تبعثان لي بالرسائل يومياً، وكنتُ ساعي البريد بينهما.

عهد لا تعرف كتابة الإيميلات. كثيراً ما تحدثني من موقع فيسبوك أو من خلال تطبيق واتساب. أما يوتّا، فلا تزال تعيش في زمن رسائل الورق.

الإيميلات الإلكترونية وسيلة كان عليها تقبّلها بشكل أو بآخر. أما وسائل التواصل الحديثة، فلديها خوف كبير من الخوض في تفاصيلها.

وعلى الرغم من حديثها عن التفاصيل الصغيرة التي تجمعها بعهد، فقد كانت في المواضيع الأخرى تبدو لي ككتاب مغلق، ما من أحد يجرؤ على قراءته. وهي ترى في وسائل التواصل الحديثة خرقاً كبيراً للخصوصية، بالإضافة إلى أن لديها هواجس حيال تسريب معلوماتها الشخصية لأسباب مجهولة.

كنت أنقل أحياناً الصور، وأحياناً أخرى رسائل شوق وعتاب بين صديقتين جائعتين للتواصل.

أقوال جاهزة

شارك غردبعد هذا العمر كيف سأقول لها مرحبا؟ بكل بساطة، كيف سأحدثها عن زوجي الذي رحل وعن أولادي، وعن بيتي البارد في لايبتزغ؟

شارك غرد"كلما وردتني رسالة الكترونية جديدة من عهد انتظرت بضعة أيام قبل الإجابة حتى أستطيع أن أشعر بشوقها لجوابي، كما كنا في السابق"

"هل تذكرين هذه الرسالة"، قالت يوتّا. "لقد تفقدّتها كثيراً قبل فتحها. لم أزل أرتدي تلك الأقراط الفضية كلما أردت استمالة الحظ الجيد. كنت أرى معالم الغيرة ممن حولي عندما أقول إنها من صديقة لي من حلب".

قريباً ستأتي يوتّا إلى برلين وستتصل بعهد في بيروت من الأستديو.

كانت كل منهما أكثر حماسةً من الأخرى لهذه المكالمة. لم تسمع يوتّا صوت عهد، ولم يخطر في بالها يوماً الاتصال بها. كانت الرسائل تكفي حتى تترك للخيال متّسعاً كافياً.

في الثالث والعشرين من شهر شباط، كانت يوتّا في برلين مع باقة زهور قطفتها لي من حديقة في لايبتزغ.

الساعة التاسعة والنصف، التقيتها في مركز القناة، جلست في المقهى مع قالب من الحلوى وشمعة. اليوم يصادف يوم ميلادي.

كانت سعيدة جداً كطفلة تمشي إلى حديقتها المفضلة. كنت أنظر إليها بسعادة، فهي لا تعلم أني سأتذكر هذه اللحظة ما حييت.

قالت: "شكراً لأنك أعدتِ الأمل إلى حياتي مجدداً".

أسئلة كثيرة تلوح في الأفق، ولكن كيف ستكون المحادثة الأولى؟

وصلنا إلى الأستديو وكانت يدا يوتّا ترتجفان توتّراً.

"بعد هذا العمر كيف سأقول لها مرحبا؟ بكل بساطة، كيف سأحدثها عن زوجي الذي رحل وعن أولادي، وعن بيتي البارد في لايبتزغ؟ ماذا حصل في حلب؟ وهل تستطيع العودة؟ لماذا تعيش في بيروت الآن؟ لماذا انقطعت عن الرد؟ لماذا وكيف وأين؟"،  هنالك الكثير من الأسئلة، التي أتخيل أنها كانت تدور في رأس تلك العجوز البرلينية.

فجأة سألتني "هل قلتِ لها إني أعيش وحدي في لايبتزش؟" أجبتها بأني لم أحدّث عهد عن أي من خصوصياتها، وبأني كنت أحاول التواصل معها حتى هذا اليوم. ولا شيء غير هذا.

أعتقد أنها أرادت أن تحافظ على الصورة القديمة التي تعرفها عهد عنها، ولهذا شعرت بالارتياح بعد إجابتي. جلست هناك في الأستديو على الكرسي المخصص عادة لمذيعي الأخبار، وضعت ورقة أمامها، كانت قد كتبت عليها كل الأسئلة التي تريد أن تطرحها على صديقتها البعيدة. كتبت كل شيء حتى لا تنسى.

بعد عدة محاولات للاتصال بسبب شبكات الاتصال السيئة، بدأت المكالمة. كنت والصحافي المشارك في التقرير أكثر توتراً من عهد ويوتا ومتحمسيْن جداً. الجميع كان "على أعصابه".

رنات الهاتف الأخيرة... يوتّا في أعلى درجات التوتر.

- ألو أنا يوتّا... هل تذكرينني؟

- مرحبا يوتّا، نعم بالطبع. لقد اشتقت لك كثيراً

- ماذا تقولين؟ لم أفهم جيداً. هل يمكنك إعادة ما قلته؟

- لقد اشتقت لك كثيراً... ألو

- وأنا أيضاً (وبدت يوتّا في قمة الارتياح).

سألتها عن أمر لم أتوقعه: هل تشتاقين لحي سيف الدولة؟ هل تشتاقين لحلب؟

سادت لحظة صمت كانت عهد قد تداركت خلالها أنها على الهاتف، تنهدت ثم ردّت:

- نعم، ولكن لا أستطيع العودة الآن.

هنا، سألتني يوتّا عن معنى الكلمات التي تقولها عهد، وقالت إنها لا تتحدث بوضوح على الهاتف، وإنها تتحدث الإنجليزية بلهجة عربية، ويوتّا لا تطيق الصبر.

لم يفكر أحد منّا في أن الحديث على الهاتف هو مرحلة أخرى من صداقتهما الطويلة. ولم تكن أي منهما على وعي تام بأنهما تدخلان مرحلة جديدة.

على الهاتف، لم تكن تعرف كل منهما الأخرى، كانتا تتحدثان للمرة الأولى. كان كل شيء غريباً لكلتيهما.

قالت يوتّا "هل يمكنك سؤالها عن عنوانها في بيروت حتى نعاود المراسلة؟". كان جواب عهد واضحاً، هو أننا في عصر الانترنت، وأن الحديث من خلال تطبيق واتساب أسهل بكثير من البريد العادي.

"ماذا؟ بريد عادي! ليش؟" قالت إنها لا تتخيل نفسها تكتب رسائل مرة أخرى باستخدام ورق عادي وقلم. لماذا هذا الجهد كله؟ الذهاب إلى مركز البريد ووضع الطوابع وانتظار الرد بعد شهر أو شهرين، بينما يمكن الحصول على الجواب بكبسة زر. كان الموضوع بالنسبة لعهد محسوماً.

ربّما لا تعلم عهد أننا في ألمانيا، نتبادل إلى الآن الرسائل البريدية مع المؤسسات الحكومية، وأننا كل يوم أو يومين نذهب إلى مركز البريد لإرسال الأجوبة، وأنني في بيتي أخزن الكثير من الأوراق المهمة التي لا يمكنني إهمالها.

أفكر أحياناً في أن المسؤول عن الحفاظ على هذا النظام البريدي برغم كل تلك الثورة الإلكترونية، هو عجوز، عمره يعادل عمر يوتا، أبى الانصياع وراء متطلبات العصر الحديث وأراد الحفاظ على القيمة الورقية للرسائل.

أما يوتّا، فقد جلست مصدومة بسبب إصرار عهد على استعمال وسائل الاتصال الحديثة، وليس الرسائل كما كانتا سابقاً تتواصلان.

انتهت المكالمة بتحيات من برلين إلى بيروت ووعود برسائل أخرى.

لا تزال عهد تحدثني عن أولادها وأحفادها وترسل لي الصور. أما يوتّا، فتتصل بي بين الحين والآخر وتحثّني على أن أقنع عهد بإرسال رسالة ورقية كآخر رسالة بينهما.

قبل فترة، علمت بأنهما تتواصلان إلكترونياً. تخطط يوتّا للسفر إلى بيروت لرؤية صديقتها في وقت ما... ولكن لا يزال الموضوع قيد التفكير.

قالت لي يوتّا في آخر اتصال: "كلما وردتني رسالة الكترونية جديدة من عهد انتظرت بضعة أيام قبل الإجابة حتى أستطيع أن أشعر بشوقها لجوابي، كما كنا في السابق".

النهاية.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
هبة عبيد

صحفية فلسطينية سورية مستقرة في برلين، متخصصة في الصحافة الثقافية ذي الطابع السياسي. درست الأدب العربي في جامعة حلب وتتابع حالياً دراستها في المجال الصجفي والاعلامي في ألمانيا. تكتب في العديد من الصحف والمجلات الألمانية بالإضافة لبعض التقارير الإذاعية والتلفزيونية.

كلمات مفتاحية
سوريا مدونة

التعليقات