رفعت اسماعيل الذي عاش

رفعت اسماعيل الذي عاش

كان جدي – خال والدتي الصغير سناً نسبياً- مُحاضراً للتاريخ المصري في جامعة ما في ألمانيا. وكانت زياراته لمصر كنزاً بالنسبة لي، أنا الفتاة التي تعشق سماع الحكايات، حكايات السفر خاصةً. كنت أسأله عن كل شيء ويُجيبني، إلى أن سألني هو ذات يوم عن الكُتّاب الجدد. وهو يستبعد أن يأتي الزمان بمثل الكُتاب العظام القدامى، محفوظ وأنيس منصور وأنور عكاشة، وكان يقنعني بأن أقرأ كل هؤلاء، لكني وجدت نفسي في كتب أحمد خالد توفيق.
كنت في المرحلة الاعدادية حين كانت حياتي نسخة مُطابقة لبنت خالتي التي تكبرني سناً. فكما تفعل كنت أفعل، أينما تذهب أكون كظلها، بدأت تقرأ، كذلك فعلت أنا، اشتريت وإياها كتاباً من سلسلة اسمها رجل المستحيل، عشت مع هذه السلسلة حتى فاجأت والدي يوماً بأنني أريد العمل في المخابرات، لا أعرف من أين أتى والدي بالهدوء الذي تكلم معي به، لكني كنت مصممة على هدفي كطفلة لا تعرف إلا إطاراً ضيقاً للحياة.

كنا نلتقي، إخوتي ووالدتي، وبنات خالتي وخالتي، بخالتي الثانية وأولادها على رصيف المترو، ونرتحل كلنا إلى حدائق القبة حيث بيت جدتنا. كنا نتعامل مع الزيارة كما لو أنها سفر، نتحضر قبل أيام، ونتحمس لأن الممنوع سيصبح مسموحاً ولو مؤقتاً. لكن بالنسبة لي كانت الحماسة مختلفة، إذ كانت هذه فرصتي حتى أُبدّل الروايات. والتبديل هذا نظام اخترعه صاحب محل بيع الكتب. لم يكن محلاً بالمعنى المعروف، بل فرشة على قطعة خشب كبيرة، تحتها صناديق وفوقها كتب. وصاحبها ابتكر طريقة لافتة، اذا كنتَ تمتلك رواية أنهيت قراءتها، وتُريد أن تشتري أخرى، يُمكنك أن تُبدّل ما لديك مقابل خمسين قرشاً. كنا نركب مع باقي العائلة الميكروباص من بيتنا في المدينة البعيدة، حتى أقرب محطة مترو، وفي هذه الحالة كانت حلوان، حيث يجلس رجل الروايات.

في إحدى زيارات الجدة، وكنت مُعتادة تبديل روايات رجل المستحيل، اقترح علي بائع الكتب أن أقرأ ما وراء الطبيعة. في البداية لم أُرحب خوفاً من المجهول. فأنا قارئة تُفضل الحياة مع المألوف فقط، لكن عندما لم أجد مرادي، آثرت أن أجرب حظي، فطلبت روايتين من السلسلة وأنا أضع يدي على قلبي، خفت أن يكون الكتابان مملين وانا انتظر المترو في وقت يحكمه الملل أيضاً.
ما حدث هو انني وجدت عالماً آخر غير الذي كنت فيه، عالماً أرحب وأوسع وأجمل، عالماً يُرحب بالاختلاف، بل بالنقص، ويرى كل نقصان كمالاً، كتمثال فينوس إله الجمال.
ضحكت مع رفعت إسماعيل الأشيب، الدكتور العجوز الأصلع الذي يجول ويصول في بلاد الله كي يسخر من نفسه وشيبته وصحته التي لا تساعده، ووجدته بطلي المُفضل، وراح يحكي لي القصص عن البلاد التي لا أستطيع زيارتها، وفي كل مرة كنت أقرأ قصة من قصص رفعت إسماعيل تتضاءل في نفسي هيبة رجل المستحيل، الذي كان يجمع بين بات مان وكابتن أمريكا والخط الأسود في شخص واحد، شخص بعيد عن عالمي ومتعذر أن أراه يوماً. لكن رفعت كنت أراه في جدي القادم من ألمانيا، وفي أصدقائي المنعزلين الساخرين، وكنت أراه في بائع الروايات الذي كان يقرأ كل واحدة منها، وقد استقبلني بابتسامة خبيثة عندما جلبت له جميع أعداد رجل المستحيل كي أستبدلها بأخرى لرفعت إسماعيل.


كبرت مع رفعت إسماعيل، وتحول الإطار الضيق للحياة لما هو أرحب، واختفت أمنيتي أن أعمل في المخابرات، وكنت أنتظر صدور أي عدد جديد، حتى أنني حاولت أن أملأ فراغ الانتظار بقراءة "فانتازيا"، سلسلة أخرى للكاتب، لكني لم أصمد طويلاً، كان رفعت اسماعيل وتقبله للواقع كما هو، ومحاربته له بطريقته، ومسامحته لنفسه، ومعرفته لحقيقته، كان هذا كله قد وجد بداخلي بيتاً، حتى صدمني تناقل الأخبار التي تفيد بأن رفعت سيموت في آخر عدد، الذي لم أجرؤ على شرائه أو  قراءته أو البحث عنه.

عملت كمصورة صحفية، ووجدت بعضاً من رفعت إسماعيل فيّ، كنت أتقبل الأحداث الصعبة بروحه الساخرة صباحاً، وأبحث عن حكايته ليلاً، ثم وجدت في الأنترنت مساحة أكبر من رجل الروايات، فوصلت لمدونة باِسمه فيها كل ما نُشر له. لم ينتهِ شهر إلا وقد كنت قرأتها كلها، قرأت المقالات، والقصص المجزأة، والقصاصات، لم يفتني حرف، حتى جاء معرض الكتاب ووجدت رواية عليها توقيعه، اشتريتها، فأنا على الأقل لا أخجل من حملها. أما عائلتي التي كانت ترى في الروايات الصغيرة هذه طفولة، ويا ليتها تعلم أن رواية يوتوبيا كانت بداية تكوين مكتبتي الخاصة، فكنت أشتري كتباً قرأت عنها مع رفعت إسماعيل، أو جذبني اسم كاتب ذكره رفعت في مغامرة من مغامراته، وبالرغم من أن المكتبة زاخرة بالكتب الكبيرة فهنالك صف من الكُتب الصغيرة يظهر من حين لآخر.
طُلب مني ذات يوم تصوير احتفالية يوم الطبيب للجريدة التي أعمل بها، أن أقف في الزاوية لألتقط صور من يصعدون إلى المنصة، وينظرون للكاميرا بابتسامة مزيفة وينتهون من حياتي في تلك اللحظة نفسها، لكني سمعت اسم أحمد خالد توفيق، فلم يُدهشني التصفيق الذي تلا اسمه، ولو لم تكن الكاميرا بيدي، وآثرت ان أُسجل لحظة كهذه، لغنّيت معهم.
صوّرت أحمد خالد توفيق ولم أستطع الحديث معه، وبقيت صورة هذه الذكرى تُعزيني يوم عرفت بموته الذي تنبأ به.

مات جدي وصديقي بعد هذه المحادثة ببضعة أعوام، ولم أقدم إليه كتاباً لأحمد خالد توفيق. مات في مستشفي في كوبري القبة متأثراً بمرضه، وبالأمس القريب مات صديقي في مستشفى الدمرداش متأثراً بقلبه المريض.

أخرجت الكتب الصغيرة، وضعتها أمامي ورحت أطالع أسماءه. ليتني احتفظت بكل عدد قرأته. أشعر الآن بالحقد على رجل الروايات، الذي ما زال مكانه، وأمامه كتب كبيرة تبحث عن قرائها، وما زال يقترح ما وراء الطبيعة لمن يراه باحثاً عن أفق أوسع.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
هبه الخولي

هبه الخولي. تخرجت من كلية الفنون الجميلة قسم تصوير زيتي 2010. تهتم بالعمل علي القصص المصورة طويلة الأجل، نٌشر لها قصص مصورة بوكالة الأسوشيتد برس وكتبت وصورت قصص لموقع مُراسلون. تهتم بالكتابة الشخصية، نٌشر لها مقالات ببوابة الشروق الإلكترونية، وموقع نون، وجريدة الدستور.

التعليقات