البيت المفتوح بأحد الأبوين أم ذاك المغلق على أوجاع ساكنيه؟

البيت المفتوح بأحد الأبوين أم ذاك المغلق على أوجاع ساكنيه؟

صدمة؟ ألم؟ قهر؟ ترى ما هي الكلمة المناسبة التي يمكن أن تصف شعور امرأة تفاجأت بعد عشر سنوات من الزواج بأن زوجها قرر الارتباط بأخرى؟!

اضطراب وتشوش، ماذا تفعل؟ هل تنصاع للنسق الذي فرضه الزوج منفرداً، هل تستسلم للأمر الواقع؟ أم تترك كل شيء وراءها وتنفصل عنه؟

أسئلة تتزاحم في عقلها لا إجابة عنها؛ وقرارات يجب عليها وحدها اتخاذها لأنها من سيتحمل النتائج. والأبناء؟ ما القرار الذي سيحقق مصلحتهم؟

وفي أوج الألم، تكظم نهى غضبها وتختار أن تبقي على عرى الأسرة واستقرار الأبناء، في حين أن للزوج رأياً آخر... الطلاق!

قصة نهى تتكرر كل يوم في مصر وغيرها من دول المنطقة العربية وإن اختلفت التفاصيل، فبينما اختارت هي الاستمرار، رفضنه غيرها؛ وفي النهاية اكتسبن جميعاً لقب Single mother.

وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2018، وصلت معدلات الطلاق في مدن مصر إلى 60.7% و إلى 39.3% في  الريف؛ وغالبية الحالات كانت عند الفئة العمرية من 25 إلى 30 سنة.

ربما يكون من الصعب الإلمام بتفاصيل حياة هؤلاء الأمهات وما تنطوي عليه من تحديات وإنجازات إذا لم نكن على صلة وثيقة بإحداهن؛ لأن البديل سيكون إما أحكاماً مسبقة أو استنتاجات غير دقيقة.

تقول نهى: "على الرغم من أن طليقي لا يعطيني النفقة الكافية لأبنائي، إلا أن هذه ليست المشكلة الرئيسية؛ فمسؤولية تربية أبناء في هذا الزمن هي الهاجس الأكبر لي؛ ودائما أتساءل هل أتخذ القرارات السليمة بشأنهم أم لا".

والتحدي الأكبر يكمن في ما إذا كانت المرأة لا تعمل قبل الانفصال، لأن سوق العمل في الغالب لن تستوعب أفراداً ليست لديهم خبرة؛ فتكون البداية من الصفر. فنهى لم تكن تعمل طوال فترة زواجها، وبعد الانفصال أنشأت مشروعاً صغيراً لتعويض الفارق بين ما يعطيها إياه طليقها ونفقات أبنائها الفعلية.

تشكو نهى من ضيق الوقت ومن حاجة ابنتها بالذات إلى عطف والدها الذي لا يهتم كثيراً بوجوده مع أبنائه، وتؤكد أنه ليس هناك ما يمنع زواجها مرة أخرى إذا تقدم لها الشخص المناسب الذي يصلح لأن يكون أباً لأبنائها؛ يهتم بأمرهم أكثر ربما من أبيهم الطبيعي.

ويكشف الزواج في هذه الحالة موروثات اجتماعية وقوالب جاهزة كثيرة؛ فنجد أمهات كثيرات يعارضن زواج بناتهن المنفصلات، باعتبار أنهن يجب أن يتفرغن لتربية أبنائهن؛ أما عن حاجاتهن الحسية والمعنوية فهي رفاهية يجب الاستغناء عنها.

تضحك علا، وتقول: "عرض كثر عليّ الزواج العرفي أو العلاقة غير الشرعية لأن أهلهم يعترضون على فكرة الزواج بمطلقة؛ حتى لو كانوا هم أنفسهم مطلقين!".

المثير للاهتمام أن علا تزوجت بعد ذلك بمن لم يسبق له الزواج؛ وتعيش حياة سعيدة منذ أربع سنوات. لكنها عانت من الخوف والقلق من التجربة الجديدة والتفكير الدائم في النتائج التي ستنعكس على حياتها وحياة بناتها. فقد راودتها أسئلة كثيرة ومخاوف، بخاصة أن لديها ابنتين في سن المراهقة. لكن، في النهاية، اختارت أن تتخذ شريكاً لحياتها لأنها متأكدة من أن بناتها سيتركنها يوماً.

"لا أريد أن أكرر تجربة أمي في الوحدة بعد ما توفي والدي، والغريب أنها عارضت زواجي بشدة، ولكن بعد سنين من العِشرة الطيبة باتت مقتنعة بأني أستحق حياة أفضل، بخاصة بعد ما مررت به؛ فقد ظللت معلقة بضع سنين قبل الطلاق"، تقول علا.

وترى أمهات وحيدات أن الطلاق سمح لهن ببعض الحرية التي افتقدنها أثناء الزواج، وخرجن من المحنة بنضوج أكبر ونظرة مختلفة إلى الأمور؛ وروح قتالية، لا سيما بعد ما مررن به.

هذه الحرية كثيراً ما تكون مشوبة بقلق الأهل على بناتهم من نظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة، والتي لا شك قد تطورت؛ لكنها لا تزال تتهم المرأة في حالات كثيرة بأنها السبب في الطلاق؛ وأنها بطبيعة الحال ستكون فريسة سهلة لضعاف القلوب!

تعلق سناء: "من الظلم، أن أصنف نفسي أماً وحيدة، إذ إن زوجي ينفق على أبنائي، لأن هناك نساء ينفقن على أبنائهن، ما يزيد معاناتهن كثيراً".

جدير بالذكر أن 17.8% من الأسر في مصر تعولها نساء؛ وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2014.

أقوال جاهزة

شارك غردترى أمهات وحيدات أن الطلاق سمح لهن ببعض الحرية التي افتقدنها أثناء الزواج، وخرجن من المحنة بنضوج أكبر ونظرة مختلفة إلى الأمور

شارك غرد 17.8% من الأسر في مصر تعولها نساء؛ وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2014

وتضيف سناء أنها كانت تشعر في زواجها بأنها وحيدة بالفعل، وهذا إحساس قاتل وأكثر ما شجعها على الانفصال.

وتشرح: "لم أستثقل المسؤولية كثيراً بعد الانفصال، لأنني أتحمل ما كنت أحمله بالفعل، بل سقطت مسؤولية الاهتمام الحسي والمعنوي واحتمال "النكد" بلا طائل والالتزام بالتوافق مع نظام شخص آخر وأوقاته".

وفي حين كسبت سناء الحرية التامة، والتي بحسبها لن تتنازل عنها حتى لو كررت تجربة الزواج؛ تظل الحاجة إلى شريك للحياة وللدعم النفسي والعاطفي موجوداً.

أما أمينة فربما تختلف قصتها عن قصص كثيرات، فقد انفصلت عن زوجها بشكل محترم ولا توجد هناك خلافات أو محاكم؛ لكنهما اتخذا قرار انفصال بلا رجعة.

تقول أمينة: "حتى أولادي لا يطالبوننا بالعودة، ربما لأنهم لمسوا أنموذجاً راقياً في التعامل ولاحظوا أني لم أعد مضغوطة كذي قبل؛ كما أني أصبحت أكثر سعادة".

ترى أمينة أن التجربة صقلت عقلها بالخبرة والقدرة على فهم أعمق للمشكلات في العلاقات؛ الأمر الذي سيساعدها إذا تزوجت مرة أخرى؛ إضافة إلى تعلم أولادها من خلال هذه التجربة التعامل مع ظروف مختلفة ووصولهم إلى حصانة نفسية أعلى تجعلهم قادرين على مواجهة تحديات أخرى في المستقبل.

وتضيف أنه على الرغم من التحديات التي تواجهها كأم وحيدة، إلّا أنها تحظى بدعم أهلها المادي والمعنوي، لكن لا يزال هناك تدخّل من الأهل والأقارب من خلال إصدار أحكام على الأولاد دائماً بأنهم يعانون من متاعب نفسية لأنها مطلقة؛ ويطالبونها دائماً بالعودة.

شئنا أم أبينا، يظهر أنموذج مغاير للشكل التقليدي الذي اعتدناه للعائلة المستقرة التي تضم أباً وأماً وأبناء، في بيت مغلق على أسراره أياً كانت، وأياً كان مقدار الظلم الحسي أو المعنوي الذي يحدث من طرف بحق الآخر.

وبينما يعد هذا الأنموذج بديلاً منقوصاً في نظر البعض حيث تنفصم عرى الأسرة بالفعل؛ تثبت أمهات كثيرات يوماً بعد آخر أن البيت المفتوح بأحد الأبوين أفضل بكثير من ذلك المغلق على أوجاع أول من تنعكس عليهم هم الأبناء.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات