تحقيق في حديث يدفعنا للسؤال هل كتب الحديث للتشريع أم التأريخ

تحقيق في حديث يدفعنا للسؤال هل كتب الحديث للتشريع أم التأريخ

في جولة صغيرة في صحيح مسلم، يوجد حديث ربما مر على مسامع كثيرين بمتنه فقط كما هو شائع في عرض الأحاديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن أقل ساكني الجنة النساء".

لا يبدو معنى هذا الحديث غريباً بالنظر لما يتم تداوله عن النساء من جانب التيارات السلفية خاصة، خصوصاً في ظل حديث شهير مفاده أن النساء أكثر أهل النار.

البعض أراد منطقة الحديث الأخير بما يفيد أن النساء أكثر أهل النار لأنهم الأكثر عدداً في الدنيا، إلا أنهم لم يقولوا بالمثل أن النساء أكثر أهل الجنة. والآن نحن أمام حديث يؤكد أن أقل ساكني الجنة النساء.

إخفاء أسانيد الأحاديث عندما يعرضها الشيوخ

بالرجوع لصحيح مسلم للنظر في سند هذا الحديث نجد أنه في (كتاب الرقاق)، (باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء)، الحديث رقم: 2738 "حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شُعبة عن أبي التيّاح، قال: كان لمُطرّف بن عبد الله امرأتان، فجاء من عند إحداهما، فقالت الأخرى: جئت من عند فلانة؟

فقال: جئت من عند عمران بن حُصين، فحدثنا أن رسول الله قال: (إن أقل ساكني الجنة النساء). وحدثنا محمد بن الوليد بن عبد الحميد، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت مُطرّفا يُحدّث أنه كانت له امرأتان، بمعنى حديث معاذ".

ما يُلاحظ على هذا الحديث: أن مُطرّف بن عبد الله كذب على امرأته ولم يقل لها أنه جاء من عند امرأته الأخرى، هذا بحسب ما عرضه مسلم على لسان ابن معاذ في قوله (فجاء من عند امرأته .. فقال: جئت من عند عمران بن حُصين).

فهل أراد مطرف ألا يقول لزوجته الحقيقة كيلا تغضب؟ وهل اصطنع هذا الحديث عن النبي لأنه أراد أن يوبخها بطريقة ما دون أن يترك لها فرصة لرد هذا التوبيخ فاختلق هذه الرواية؟

مما يطرح السؤال: كم رجلا استغل مجالسته للنبي أو الصحابة أو المحدثين ليضع حديثا عن النبي لحاجة في نفسه أو هوى.

إخفاء مواقف وملابسات الروايات عند كتابة الفقهاء أسانيد الأحاديث

ما يميز هذا الحديث عن أكثرية الأحاديث أن سنده يشتمل على قصة رواية الحديث أي يعرض الموقف الذي قال فيه الرواة الحديث وملابساته، خلاف معظم الأحاديث التي تقتصر على "العنعنة" فقط وذكر أسماء الرواة بالتتابع وحسب دون توضيع المواقف التي تناقلت فيها الرواية من أحدهم إلى الآخر. فذكر تفاصيل رواية هذا الحديث كشف لنا هشاشة صحته.

فماذا لو أن أسانيد باقي الأحاديث عرضت المواقف التي روى فيها المحدثون الأحاديث، هل كانت نظرتنا لها لتختلف؟

فهنا نجد أن مُطرّف استغل مجالسته عمران بن حُصين الذي يُحدّث عن النبي ليروي حديثا ينسبه للنبي من أجل الرد على امرأته، في حين أنه جاء من عند امرأته الأخرى ولم يكن عند عمران بن حُصين.

كما نجد رواية شعبة عن أبي التياح عن مُطرّف مروية من جانب عبيد الله بن معاذ مرة ومحمد بن الوليد البسرى أخرى، مما يوضح كيف تنتقل الرواية بين الرجال، ليصبح انتقالها بين أكثر من محدث دليلاً بالنسبة لنا على صحة الحديث دون النظر في طبيعة الرواية نفسها.

أقوال جاهزة

شارك غرد"إن أقل ساكني الجنة النساء"، كيف نفهم الحديث بعد النظر إلى ملابسات ظروف سرده ونقله؟

شارك غردهل يمكن اعتبار كتب الحديث كتب تاريخ لا كتب تشريع؟

وهل تناقلها هؤلاء الرجال بهدف الإخبار عن النبي باعتبارها حديثاً صحيحاً أم كان تناقلهم لها إخباراً عن مطرّف بن عبد الله وما فعله لا عن النبي؟

والسؤال الأخير هنا كيف عرف عبيد الله بن معاذ ومحمد بن الوليد البسري اللذان رويا هذه الرواية بالحوار الذي دار بين مطرف بن عبد الله وزوجته؟

وإن افترضنا أنه مطرّف نفسه حسب ما جاء في الجزء الثاني من الرواية الخاص بمحمد بن الوليد (حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت مُطرّفا يُحدّث)، فمعنى هذا أن مطرف هو من حكى الرواية معترفا بكذبه.

بالإضافة إلى أن مطرّف كان قصده الكذب على زوجته في الأساس أكثر من التقوّل عن النبي وإلا لروى الحديث مجرداً دون أن يروى أنه جاء من عند زوجته وأخبر زوجته الأخرى بأنه جاء من عند عمران بن حُصين، وأن يروى حديثا واحدا من شأنه أن يؤنب زوجته بشكل غير مباشر.

آليات تحديد الرواة الثقاة

راويا هذه الرواية رواة ثقاة. فإن كان الغرض من روايتهما اللهو والتسامر برواية الطرائف في مجالس الرجال، لا النظر لها كحديث ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلماذا لم يُذاع عن مُطرف بن عبد الله أنه تقوّل عن النبي بهدف مضايقة زوجته؟ خصوص وأن ما فعله مطرّف شيئا عظيماً.

ولماذا يتم تناقل الحديث باعتباره حديثا نبويا؟ ولماذا لا يراعي الشيوخ ملابسات هذا الحديث قبل أن ينشروه كالنار في الهشيم بين الناس؟

العجيب أننا عندما نقرأ عن مُطرّف بن عبد الله. نجد أنه من التابعين وبجانب أنه قد عُرف عنه الورع والتقوى والأدب، فقد عُرف عنه أيضاً أنه مستجاب الدعوة ومن أشد مبغضي الكذب حسب ما جاء في كتاب سير الأعلام والنبلاء لشمس الدين الذهبي في المجلد الرابع في الطبقة الثانية من التابعين صفحة 189:

"أنه كان بين مُطرّف وبين رجل كلام فكذب عليه، فقال مُطرّف اللهم إن كان كاذبا فأمته فخرّ ميتا مكانه".

وفي نفس الكتاب أيضاً، نرى مدى حرص مُطرّف على دقة القول مخافة الكذب حتى وإن لم يكن ذلك بشكل متعمد إذ قال: "لا تقل: فإن الله يقول، ولكن قل: قال الله تعالي. وقال: إن الرجل ليكذب مرتين، يقال له ما هذا، فيقول لا شيء إلا شيء ليس بشيء".

ونفس الخبر بصيغة اخرى في الحلية 2/203 "لا شيء/ لا شيء. أوليس بشيء؟"

إذن فهناك حيرة ونوعاً من التعارض بين ما ذكره الإمام مسلم على لسان مطرّف بن عبد الله وما ذكره الإمام الذهبي عنه. مما يجعلنا نسأل أنفسنا: إذا كنا نرفض الأخذ بهذه الرواية حديثاً صحيحاً عن النبي، أفلا يدفعنا ذلك لعدم الثقة بمن ينقلونها لنا بتلك الصورة بدءاً من الراويين وانتهاء بالشيوخ المعاصرين؟

أيضاً يدفعنا ذلك للنظر في كيفية تصنيف الرواة لرواة ثقاة وغير ثقاة، بالإضافة لمعايير الحكم على شخصية من شخصيات التراث كمطرّف بن عبد الله إذا أعطتنا أهم الكتب الفقهية انطباعاً متضارباً عنه.

ما كانت نية الإمام مسلم من وراء كتابه

أكثر ما يلفت النظر هنا هو أن هذه الملابسات التي تكشف لنا ضعف الحديث يعرضها الإمام مسلم نفسه. فلو أنه كتب هذه الرواية باعتبارها حديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام رغم ملابساتها فهذا يطعن في دقة منهجه، وإن كان قد عرض ملابساتها للإشارة إلى عدم صحة متنها عن النبي فلما ذكرها في كتابه من البداية؟

إن افترضنا أن الإمام مسلم يقوم بتجميع وكتابة ما يجده من الروايات التي نسبت للنبي بهدف توثيقها كرواية عن النبي بمنأى عن توثيق صحتها، أي كنوع من سرد الأخبار والأحداث، أليس من الدقة اعتباره كتاب تاريخ لا كتاب تشريع؟

وماذا لو أن تلك كانت نيته ونحن الذين مارسنا الغلو في تقييم بعض الروايات وأخطأنا استخدامها، خصوصاً وأننا قد نجد في كتب الصحاح ما يعارض بعضه بعضاً، بل في الكتاب الواحد منها.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات