ريم بنّا... من شوارع الناصرة القديمة وصولاً إلى قلبي

ريم بنّا... من شوارع الناصرة القديمة وصولاً إلى قلبي

منذ حوالى عشر سنوات أردت أن أجري حواراً معها لموقع إلكتروني سوري، قلت لها عندما حادثتها أول مرة: لو كنتِ أصغر قليلاً أو لو كنتُ أنا أكبر قليلاً لطلبت أن أتزوجتك. ضحكت وقالت لنبقَ صديقين، ذلك أفضل. هكذا بدأت صداقتنا، ولم ننجز حوارنا الصحافي.

لأخبركم قليلاً عن ريم بنّا.

تعرفتُ إلى ابنة الناصرة حين كنتُ مراهقاً، حينها لم تعد تستهويني الأغاني السائدة، فبدأت بالبحث عن المختلف الذي يشبهني.

تعرفت على أغانٍ للأطفال بصوتها عن طريق المصادفة، لم تكن هذه الأغنيات هي ما أبحث عنه. آنذاك كنت أحسب نفسي رجلاً يجب أن لا يستمع لأغنيات طفوليّة.

لم أكن أعرف أنّ في الوقت ذاته، في مكان ما في فلسطين، في طرقات رام الله كان الكاتب الفلسطيني زكريا محمد لا يقود سيارته إلّا وأغنيات ريم بنّا الطفوليّة تُذاع في السيارة.

كان أولاده يبكون إن لم يسمعوا أغنياتها. مرة عادوا إلى البيت بعد أن قطعوا نصف المسافة في زيارة إلى أحد الأصحاب في إحدى القرى القريبة، لأنّ الوالد نسي كاسيت ريم بنّا في البيت، أخبرني بهذه القصة ابن السيد زكريا، الموسيقي الفلسطيني أحمد عيد.

هكذا كبر جيل فلسطيني وهو يستمع لأغنيات ريم بنّا

سنة 2005 أطلقت ريم ألبوم "مرايا الروح" وأهدت أغنيات هذا الألبوم إلى الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيليّة. تعلّق قلبي بهذه الأغنيات وهذه الموسيقى، كنت أدندن الكلمات بيني وبين نفسي دائماً.

أتذكر إنّني كنت أردد في قلبي أغنية "مالك" خلال أحد الامتحانات المدرسيّة. "أبوك من برّ الشام وأمك جاية من مكة" كانت تقول كلمات هذه الأغنية. بقي "مرايا الروح"، حتى الآن، من ألبوماتي الغنائيّة المفضلة.

هكذا تحولت ريم بنّا إلى واحدة من مغنياتي المفضلات، صرتُ أبحث عن أغانيها القديمة، استمع إليها دائماً، أشتري ألبوماتها الجديدة: لم تكن تلك حكايتي، مواسم البنفسج.

حين أتت إلى سوريا لتقدم حفلتها في سينما الزهراء في دمشق خلال احتفالية "دمشق عاصمة الثقافة العربيّة"، لم أصدق أنّني سوف أشاهدها مباشرة. حين رأيتها هناك قفز قلبي من مكانه، دخلت ريم إلى هذا القلب ولم تخرج منه بعد.

بدأت الثورات العربيّة، لم تتردد بنت الناصرة في الانحياز إلى جانب الشعوب الثائرة على دكتاتوريات بلادنا. أذكر أنّها قالت لي: "حلمي أن يكون صوتي هو صوت الحريّة الفلسطينية، فكيف لا أقف بجانب الشعوب المتطلعة إلى الحرية".

لم تخيب ريم ظنّنا مثل معظم الفنانين الذين انضووا تحت جناح الدكتاتوريين العرب.

أقوال جاهزة

شارك غردهكذا كبر جيل فلسطيني وهو يستمع لأغنيات ريم بنّا...

شارك غرد"يا ريم إن قرأت هذا النص يوماً ما، يجب أن تعرفي أنّك لست عبئاً علينا، أنت يا حبيبتي من بين الأسباب التي جعلت هذا العالم عالماً ساحراً، رغم كل القهر والعذاب اللذين يحيطان بنا"

التقيتها في برلين قبل شهور قليلة، كانت تبدو تعبة قليلاً، فالمرض قد أنهكها، لكن هالة الحب التي تحيط بها، والحب الذي تصدّره إلى المحيطين بها يكفيان لكي يُغرق هذا العالم بالحب.

لماذا أكتب هذا النص؟ قررت أن أكتب هذا النص لريم بعد أن قرأت ما كتبت على صفحتها الشخصية في موقع فيسبوك في الخامس من مارس 2018:

"عبء على الطب... الذي عجز عن كل ما أُصبت به...

عبء على المشافي.. التي لن تسع جسدي الصغير...

عبء على وطن عشقت...

ولا حيلة في اليد... فأنا لستُ شاكيرا أو مادونا لتستنفر البلاد من أجلها...

عبء على الطبيب... حين يفقد القدرة على فعل شيء... رغم أنه وعد بتوفير الحلول دوماً...

عبء على الجسد والوجع والروح...

عبء على "أصدقاء متجاهلين" سقطوا في ملذاتهم... وتسرّبوا من بين الأصابع كالهفوة...

عبء على الأنفاس الضيقة...

عبء على ليل لا يحتمل أرقاً مألوماً...

عبء على الهواء وورد الشبابيك الذي لا أصل...

عبء على درب الأحلام الذي لم تعد تطأه قدماي...

عبء على الحب الذي يجعلنا كريشة طائشة خفيفة...

عبء على الومضة مهما لمعت...

عبء على العبء...

وحدهم أحبتي مَن حولي لا يتذمرون...

وحدهم أحبتي لا يفقدون الأمل ولا يكلّون...

وأنا بين حد سيفين...

في غيبوبة التأمل...

أتدرّب على نهاية ساخرة...

يا ريم إن قرأت هذا النص يوماً ما، يجب أن تعرفي أنّك لست عبئاً علينا، أنت يا حبيبتي من بين الأسباب التي جعلت هذا العالم عالماً ساحراً، رغم كل القهر والعذاب اللذين يحيطان بنا. يا ريم أغنياتك جعلت الحياة أجمل، على الأقل بالنسبة إلى مراهق نشأ في إحدى حارات دمشق العشوائيّة.

لست عبئاً على الوطن، فقد جعلتِ ذلك المراهق يحبّ فلسطين، فلسطين الحقيقيّة غير تلك التي يتاجر بها بائعو كلام الممانعة، فلسطين الحلوة مثلكِ.

لست عبئاً على أصدقائك. لعن الله الحدود والاحتلال وجوازات السفر التي تمنعنا من السفر إلى فلسطين لزيارتكِ. لست عبئاً على شيء، فأنتِ نسمة جميلة من هواء بلادنا، بلاد الحب والعذاب.

تدربي على نهايتك كما تريدين، وتخيلي النهاية التي تشائين، لكن يا حبيبتي تأكدي أن لا نهاية لكِ. أنا، وكثير مثلي، سنحبكِ حتى آخر يوم في الحياة، وسنُعلم أطفالنا أن يحبوكِ من بعدنا.

تذكرين كلمات أغنيتك "مرايا الروح"، فلنغنِها معاً بصوتٍ يملؤه الحب، كما كان صوتكِ دائماً:

تُحاصرني مرايا الروح

وأنا أرحلُ منّي إليه

ومن فضائه إلى أفق الأقحوان

أترقرق توهّجاً

فوق عوسج الجدران

تسربلني النوارس وتعبر بي

منّي إليه

أيا انفلات الحنين في الخبايا

خذني إليه

فأنا الرمق الأخير يشتعل

في صمت الحنايا

ويمتدّ منّي إليه

إليّ.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
دلير يوسف

كاتب ومخرج من سوريا، أخرج عدداً من الأفلام السينمائيّة منها: "أمراء النحل" و"منفى" و"بانياس: البدايات" و"حبل غسيل". وله كتاب مطبوع بعنوان "حكايات من هذا الزمن" صدر في العام 2014 من بيروت. مقيم حالياً في برلين- ألمانيا.

كلمات مفتاحية
فلسطين مدونة

التعليقات