هن.. وحديث السمعة وكلام الناس

هن.. وحديث السمعة وكلام الناس

تعيش حياة حالة من الاضطراب النفسي الشديد بعد انتحار أختها الكبرى ذات الـ20 ربيعاً.

كانت تبلغ آنذاك 10 سنوات، إلا أنها تتذكر تفاصيل ما حدث مع شقيقتها التي انتحرت بعد أن خدعها أحد الشباب باسم الحب وأقام معها علاقة غير شرعية، لتحمل بعدها وتكتشف عائلتها الأمر.

بدأت رحلة الضرب والتعذيب اليومي للابنة المغدورة، "كل يوم كان بيضربونها، وقرروا ينزلوا الجنين"، تقول حياة.

لم تكلف الأسرة نفسها مشقة البحث عن الحبيب المخادع، بل انصب كل مجهودها على إذلال الابنة بعد أن علم الناس بالواقعة، ليختبئ الأب بعد ذلك في المنزل، وتقوم الأم يومياً بصب جام غضبها على الابنة، ويتولى الأخ الأكبر مسؤولية الضرب المبرح لها يومياً.

"كان شقيقي يقول لها فضحتينا وحطيتي راسنا في التراب، لتقرر في النهاية الانتحار بحبة سامة مميتة"، تقول حياة.

على الرغم من أن اسمها حياة إلا أن حالة من الحصار فرضتها عليها الأسرة بعد انتحار شقيقتها، جعلتها لا تعرف معنى "الحياة"، فهي وبحسب أسرتها يمكن أن تخطئ الخطأ نفس.

"العرق دساس" وفق ما قالوا، وعندئذ تضيع السمعة والهيبة بين الأشهاد، ويقتلونها حتماً ولن ينتظروا انتحارها كما فعلت شقيقتها.

يمنح القانون الجنائي الأردني والكويتي عذراً تخفيفياً لمن يقتل إحدى محارمه تحت تأثير الغضب في حالة مفاجأته إياها في «وضع مستفز، حدده المشرع الكويتي بأنه مخل للأدب، وفي سوريا ينص القانون على معاقبة كل من أكره الغير، بالعنف أو بالتهديد على الجماع بالأشغال الشاقة 15 سنة وفق المادة 489، والمادة عينها تعفي الجاني من الملاحقة، في حال تزوج المعتدى عليها، وهي الحال نفسها في القانون العراقي. ويسمح القانون الجزائري للمغتصب بالإفلات من العقاب إذا تزوج ضحيته إذا كانت دون سن الـ18.

في السودان، تعتبر المُغتصبة شريكة للمُغتصب إذا لم تستطع إثبات أن المواقعة حدثت من دون رضاها، وإذا لم تنجح في ذلك، تكون عرضة للمحاكمة بتهمة الزنى، وعقوبته 100 جلدة للمرأة غير المتزوجة، والإعدام رجماً بالحجارة للمتزوجة.

وفي موريتانيا، لا يعاقب القانون مرتكبي جرائم الاغتصاب، إذ لا بد من إقرار الشخص نفسه بأنه هو الفاعل، أو شهادة أربعة رجال تتحد رؤيتهم لارتكاب الفعل، بالتالي يصعب إثبات الأمر.

وفي مصر، على الرغم من إلغاء المادة الخاصة بإعفاء المغتصب من العقوبة إذا تزوج المُغتصبة، إلا أن العرف السائد هو "الزواج" حفاظاً على سمعة العائلة التي قد يلحقها العار والقيل والقال.

كل هذه القوانين هي نموذج صارخ للنظر إلى المرأة العربية كجسد فقط يجب أن تحافظ هي عليه بكل أسلحتها، خوفاً من العار الذي قد يلحق بعائلتها لا لشيء سوى أنها أنثى تحمل شرف العائلة، بل ويحمّلها المجتمع مسؤولية حدوث ما يلطخ شرف عائلتها فهي وحدها المسؤولة عن إيقاظ وحش الإثارة داخل أي رجل.

أقوال جاهزة

شارك غردقوانين عربية هي نموذج للنظر إلى المرأة العربية كجسد يجب أن تحافظ هي عليه

شارك غرد"كان شقيقي يقول لها فضحتينا وحطيتي راسنا في التراب، لتقرر في النهاية الانتحار بحبة سامة مميتة"

حتى النسويات يخفن العار والتشهير

حادثة ربما قد يراها البعض عابرة دارت حوادثها على صفحات السوشيال ميديا "فايسبوك وتويتر"، بطلتها ناشطة حقوقية نسوية مصرية، حتى الآن غير معروفة بالنسبة إلى البعض، في بادرة تحذيرية منها قررت أن تبعث برسالة إلكترونية إلى صديقاتها من الناشطات في المجال الحقوقي لتحذرهن من مرشح رئاسي سابق وأحد المحامين في مكتبه العامل في مجال المحاماة، قالت الفتاة في رسالتها التي صاغتها بالإنكليزية أنها تعرضت للاغتصاب والتحرش الجنسي من هذين الشخصين داخل المركز الحقوقي الذي تعمل فيه معهما.

أسهبت في وصف ما حدث معها برسالة وبعثتها إلى عدد من أصدقائها، إلا أن الأمر انتشر بعد ذلك ونُشر على "غروبات" عدة وعُرّبت رسالتها، وعلى الرغم من أن الموضوع بداية، أخذ حيزاً ضيقاً من النقاشات، إلا أنه أظهر حالة غريبة من جانب النسويات المصريات اللاتي دخلن في سجال كبير ونقاش حاد في ما بينهنّ.

كثيرات منهن رأين أن الأمر برمته "قضية شرف وسمعة"، ويجب عدم نشره وعدم التشهير بالطرف الآخر المقصود به المُعتدي، بل ذهب البعض إلى وصم المُغتصبة "بالمخطئة"، على الرغم من أنها قالت في رسالتها أن ذلك تم دون رضاها، حيث كانت في حالة "سُكر"، وأنها حالياً تعالج نفسياً نتيجة ما حدث معها.

مسألة السُكر ليست قضيتنا، لكن يبقى السؤال الأهم، هل تكيل النسويات في مصر بمكيالين؟

المحامي الحقوقي أحمد الجدامي يقول لرصيف22: "أستغرب ما حصل في هذه القضية من آراء ناشطات نسويات ويساريات معروفات، طلبن بالستر والحفاظ على السمعة، أنا ضد شخصنة الأمور، المخطئ يجب أن يُفضَح أياً كانت الحسابات، فكيف لناشطة نسوية تطالب بانتزاع حقوق المرأة أن تطالب بوضع رؤوسنا في الرمال والسكوت عن مثل تلك القضية".

ظل الحديث عن هذه القصة محل تعتيم كبير، إلى أن كتب المحامي الحقوقي المعروف نجاد البرعي تدوينة قال فيها: "أي أنثى تتعرض للاغتصاب أو التحرش عليها أن تقدم فوراً بلاغاً في النيابة، لكن التشهير بالناس أمر مرعب، ويقلل فرص النساء في الحصول على وظائف، لأن الناس المحترمة هتخاف لما تشغل واحدة ويختلفوا مع بعض تعمله فضيحة".

وعلى الرغم من تأييد البعض كلام البرعي، إلا أن البعض الآخر قال أن ما يحدث هو نتاج طبيعي لعدم وجود قانون مجتمعي كافٍ يحمي الأنثى في مثل تلك الحالات حتى أنها قد تتعرض أيضاً للاغتصاب والتحرش داخل أقسام الشرطة، ولن تقدر على إثبات ذلك.

نشرت ناشطات سياسيات حكاياتهن مع التحرش الجنسي وكيف تتعامل الشرطة والمحاكم المصرية مع تلك الوقائع.

وفي وقت لاحق من هذا السجال، نشرت صفحة "ثورة البنات" وهي إحدى الصفحات العاملة في مجال حقوق المرأة في مصر بيانا هددت فيه باتخاذ خطوات تصعيدية إذا لم تُتخذ إجراءات مناسبة ضد رئيس حزب العيش والحرية المُتهم بواقعة اغتصاب "فتاة الميل" والمرشح الرئاسي الشهير والمُنسحب في 2018، وطالب البيان بإيقاف المذكور عن وظيفته رئيساً للحزب وخضوعه للتحقيق، بعد أن قدم المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق خالد علي استقالته من الحزب بعد اتهامه مباشرة باغتصاب الفتاة، وسط استنكار من مؤيديه بالطبع.

منى عراقي والاغتصاب الزوجي

دعاء سيد فتاة لم تنهِ العقد الثاني من عمرها، زوجها أبوها قبل أن تتم السن القانونية ولأنها كانت قاصراً زُوّجت بعقد عرفي، ليتم بعد ذلك الزفاف بعد توقيع "شيكات بنكية" على الزوج لضمان حقوق الزوجة، في خطوة مبدئية يتم بعدها إتمام الزواج بعد بلوغها السن القانونية وهو ما يحدث غالباً في معظم القرى المصرية.

بعد الزواج، فوجئت الطفلة ذات الـ17 سنة في ذلك الوقت، بزوج عنيف جنسياً يجبرها على العلاقة الجنسية إلى درجة تصل إلى حد الاغتصاب، حتى أصيبت بتهتك في الرحم دعا طبيبتها إلى مطالبته بعدم الاقتراب من زوجته لمرضها الشديد، إلا أنه ضرب بكلامها عرض الحائط.

"منعني من الكلام مع أمي تليفونياً، كان يشاهد الأفلام الإباحية ليعود وينفذ ما رآه معي وبكل عنف، على الرغم من ذلك عندما أخبرت أمي طالبتني بعدم التحدث عن الأمر نهائياً، فهو زوجي "يفعل ما يشاء"، قالت لرصيف22.

بحسب دعاء، ترى أمها أن أي زوج يمكن أن يستمتع بزوجته وقت يشاء وبالطريقة التي تريحه، شأنها شأن نساء عربيات كثيرات يتحملن الإذلال والعنف في فراش الزوجية طمعاً في دخول الجنة، فمن تتمنع عن فراش زوجها تلعنها الملائكة حتى تصبح. لكن أي امتناع هذا الذي يدخل في هذا الإطار؟

بعد ضغط من دعاء ومحاولتها الانتحار، قامت أسرتها بتطليقها بجلسة عرفية ودية، وعندما سألها المحقق في الجلسة عن سبب طلبها الطلاق، قالت بكل براءة السبب الحقيقي، ولم تمتثل لكلام أمها بتغيير أقوالها عن اغتصاب زوجها، ليقوم خالها وسط الجلسة بصفعها على وجهها بسبب ما قالته، لأن ذلك سيجعلها مثار حديث القرية ولن تتزوج مجدداً.

"قالولي محدش هيتجوزك تاني لأنك طلعتي أسرار بيتك"، تقول دعاء.

ناقشت المذيعة المصرية منى عراقي في حلقة من حلقات برنامجها "انتباه" المذاع على فضائية المحور، حالات الاغتصاب الجنسي، وتساءلت في نهاية الحلقة لماذا المغتصب دائماً رجل. لأنه دائماً يغتصب المرأة والأطفال وحتى الحيوانات، لماذا لا يميز الرجال ما يفعلون؟".

وقالت: "الجنس لدى الرجل هو أداة التعبير عن الحب، لو عاوز يصالحك مثلا هيقولك العيال نامت، هو فقط يعبر عن حبه من خلال "سرعة قذفه"، ويستمتع بغريزته حتى لو كان من دون رضاك في العلاقة".

بعد نهاية الحلقة، أوقفت إدارة قناة المحور برنامج عراقي وأحالتها على التحقيق، وأصدرت بيان اعتذار للشعب المصري عما أسمته ألفاظاً "خارج سياق عاداتنا وتقاليدنا"، لترد المذيعة بعد ذلك بأنها لم تخطئ، لكنها فندت حالة موجودة داخل المجتمع ويجب التطرق إليها.  

وتحت شماعة العادات والتقاليد أيضاً تموت آلاف النساء فعلياً أو نفسياً، ففي منتصف العام الماضي مثلاً انتحرت السعودية خديجة الظفيري بعد تعرضها للإيذاء البدني من جانب زوجها وهو ما دعا منظمات حقوقية سعودية إلى ضرورة صوغ قوانين لحماية المرأة المعنفة بكل أشكال العنف المختلفة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات