أسبوع بلا فيسبوك وإنستجرام وتويتر: تجربة ممتعة وشبه مستحيلة انتهت بفك لعنة السكرول

أسبوع بلا فيسبوك وإنستجرام وتويتر: تجربة ممتعة وشبه مستحيلة انتهت بفك لعنة السكرول

هكذا اختبرت الحياة خارج العالم الافتراضي، عودة إلى التلفاز وقراءة الكتب الورقية ومحادثة الأصدقاء تليفونياً.

كعادتي، أبدأ يومي بعينين نصف مفتوحتين، لست مستيقظة ولا نائمة، أبحث عن هاتفي كمدمن يتوق لجرعة من مخدره المعتاد، وبشكل هستيري وأنا لا أزال على فراشي، أتفحص كل ما أملك من روابط لوسائل تواصل اجتماعي، ولا يهم إن استمر هذا الحال لثوانٍ أو دقائق، فالأمر يُشبه النشوة والانتشاء العاطفي السهل البلوغ. أكرر هذه العملية دون وعي كامل أو إرادة كافية عشرات المرات يومياً، بلا أي هدف واضح.

لعنة الـ"scroll ": ما كل هذا الوقت المهدور؟

كان يوم عُطلتي، وقررت أن أُهدي نفسي كوباً من النسكافية، مع الاستماع إلى Frank Sinatra، تحديداً إلى أغنيته Come Fly With Me"، تمددت على الأريكة الأقرب لقلبي، وإذا بي أتسلل لأمسك بهاتفي من أجل إلقاء نظرة سريعة على ما يكتبه زملائي وزميلاتي في العالم الآخر، أو ما نشره أحدهم (أوإحداهن)، من صور مُسلية، أو ربما تدوينة تؤنس يومي، أو مقطع فيديو لذيذ أعاد بثه شخص ما، وإن وقعت عيناي على معلومة معينة أو خبر فلا بأس.

وها قد بدأت جولتي الإلكترونية برفقة scroll لا تتوقف إصبعي عنه، ليجلب لي صوراً لأشخاص لا أعرفهم يشاركونني في لحظات لا تهمني، ومعلومة خطيرة أخذتها من أحد المُستخدمين عبر "بوست" غير موثوق به، وعشرات التدوينات المتلاحقة في جنون وأنا معها في سباق لألحق بها، وفجأة انطفأ هاتفي بعدما فرغت بطاريته، لأشعر بصدمة وخيبة أمل، كنت لا أزال اقرأ أحد البوستات ولم أنتهِ من قراءته بعد.

هنا انتبهت إلى كوب النسكافيه الذي كان ساخناً قبل رحلتي الإلكترونية، وصوت frank sinatra الصامت بعدما انتهى من الغناء دون أن أسمع منه حرفاً واحداً، وتساءلت أين ذهب كل هذا الوقت، وما الذي فعلته وما هي القيمة الحقيقة له. إذ ذاك  أدركت أن ما أفعله يومياً يبدو كلعنة تسلبني إرادتي، لذا وجب التوقف ولو قليلاً لاختبار الحياة بلا حسابات عبر "السوشيال ميديا".

أقوال جاهزة

شارك غردقررت الذهاب إلى المعلومة للمعرفة بملء إرادتي وليست تلك المعلومة المجانية التي أراها عبر الوول أو تغريدة

شارك غردأهم ما لامسته هو إظهار مشاعري الحقيقية بتعابير وجهي وليس emojis

معروف أن عدد أفراد العالم الافتراضي يزداد بشكل جنوني، ففي تقرير أخير، قامت به شركتا "هووت سويت" و "وي آر سوشل" الرائدتان في مجال التواصل الاجتماعي، تبيّن أن رقماً قياسياً جديداً لعدد مستخدمي المنصات الاجتماعية حول العالم تخطى الثلاثة مليارات، وهو ما يمثل 40% من سكان الكرة الأرضية، منهم 3.028 مليار نشطين على شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي المنطقة العربية، بحسب آخر إحصاء أطلقته كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، ضمن سلسلة "تقرير الإعلام الاجتماعي العربي" الذي يتضمن تحليلًا لأهم اتجاهات استخدام شبكات التواصل الاجتماعي والتوزيع الديمغرافي للمستخدمين عبر جميع بلدان المنطقة، أشار إلى أن نحو 156 مليوناً يستخدمون فيسبوك في المنطقة العربية، ويستخدم "تويتر" أكثر من 11 مليوناً. أما "أنستجرام" فيستخدمه 7.1 مليون. ولفت التقرير إلى وجود أكثر من 16.6 مليون مستخدم لشبكة "لينكيد إن" في الوطن العربي.

وفي حال قرر واحد فقط من هذا الكمّ الهائل من المُستخدمين خوض تجربة الابتعاد عن هذه التطبيقات - لفترة - فسيكتشف جوانب مختلفة من الحياة.

التجربة المستحيلة

قررت الابتعاد عن روابط "السوشيال ميديا"، لأرى كيف تبدو الحياة بدونها، ومع صعوبة التجربة أمهلت نفسي أسبوعاً. بدا الأمر صعباً وربما شبه مستحيل وكدت أتراجع، ولمَ لا، فنحن نعيش في عصر الهوس بهذا العالم الافتراضي المجنون.

via GIPHY

بعد الساعة الأولى من بدء التجربة، ضبطت نفسي مُتلبسةً وأنا ألتفت حولي وأتسلل لأفتح أحد التطبيقات التي بدت وكأنها تأمرني بالدخول إليها، وظهرت أنا كخادم مُطيع أو كالمنوَّم مغناطيسياً، ثمّ عاقبت نفسي بمسح جميع الروابط على هاتفي، وتناسيت ما يُسمى بوسائل التواصل الاجتماعي.

في بداية التجربة، وجدت صعوبة كبيرة في معرفة الأحداث واكتشفت أني أعتمد - بشكل أساسي - على طريقة "العنعنة" في الحصول على معلومة ما بدلاً من البحث عنها بشكل مباشر في مواقع إخبارية موثوق بها، وقررت الذهاب إلى المعلومة للمعرفة بملء إرادتي وليست تلك المعلومة المجانية التي أراها بالصدفة عبر الوول أو تغريدة، ليتسنى لي أن أكون أكثر نشاطاً وبحثاً.

وعرفت طريق التلفاز الذي هجرته لسنوات، فبدأت بمشاهدة بعض الأفلام والبرامج، ولم تعد الفواصل الإعلانية تزعجني بل وجدت طريقة لتجاوزها وهي القيام بأي أمر آخر خلال إذاعتها ثم العودة للمتابعة مرة جديدة، ومع حالة تنظيم الوقت تلك، أصبح عندي متسع لقراءة كتاب ورقي يُضفي لذة مُبهرة كدت أنساها، لذة حسية وهي ملامسة الصفحات، والأهم أني تعلمت الاتصال تليفونياً وسماع صوت الأصدقاء وترتيب مقابلات واقعية بدلاً من رؤيتهم عبر صور مليئة بـ"Photo Effects and Filters " التي جعلتني أنسى وجوههم الحقيقية، ومحادثات طويلة بلا أي عواطف.

تعجبت جداً كيف تحوّلت هذه الوسائل إلى مؤشر تُقاس به حالتنا النفسية

أهم ما لامسته في هذه التجربة هي لذة المُنتصر على هذا السجان الصغير الذي لا يتجاوز كف اليد، واستشعار الحياة الواقعية، وليست الافتراضية الخيالية، وإظهار مشاعري الحقيقية بتعابير وجهي وليس emojis.

لم أخبر أحداً

ابتعدت - بشكل مفاجئ - ودون أن أخبر أصدقائي، كما يفعل البعض، فيكتب منشوراً يقول فيه "وداعاً"، كنت اختبر أيضاً ردود الأفعال وكيف يراني المقربون مني بدون هذه التطبيقات. إلا أني بعد يومين اتصلت بي صديقة تسألني وصوتها منزعج وقلق:

"أنت فين، قلقتيني عليكي؟".

فأجبتها "لماذا؟ أنا بخير أمارس عملي وأذهب إلى صالة الجيم وكل شيء على ما يرام".

فردت بانزعاج "إذاً لماذا أغلقتي حسابك عبر فيسبوك؟

وبعد ذلك اتصل بي صديق آخر، ووجدته يواسيني بأن الحياة تسير ولا داعي لاكتئابي وابتعادي ووحدتي، فضحكت وأخبرته أني في أفضل حال، وكل ما في الأمر أني أجرّب الحياة بلا "سوشيال ميديا". تعجبت جداً كيف تحوّلت هذه الوسائل إلى مؤشر تُقاس به حالتنا النفسية.

طرح موقع Quora تساؤلاً على مُستخدميه حول كيف تبدو الحياة بلا وسائل تواصل اجتماعي. وتنوعت الإجابات ما بين "أكثر سلمية"، و"تواصل عائلي أكبر"، و"قراءة الصحف الورقية"، و"أكثر سعادة"، و"مُذهلة"، و"أعيش في الواقع"، وجاءت إجابة مهمة هي "بدون وسائل تواصل اجتماعي سيكون هناك تواصل اجتماعي"، فيما نادى البعض بضرورة خوض تجربة الابتعاد عن هوس السوشيال ميديا.

كيف نتمتع بالحياة من دون "سوشيال ميديا"؟

موقع thoughtcatalog أجاب عن هذا السؤال من خلال 10 نقاط، ممثلة في أسئلة تدور في ذهننا جميعاً، وهي:

كيف أتواصل مع أصدقائي؟

اتصل بهم، ابعث لهم برسالة.

كيف أعرف ما يحدث في العالم؟

شاهد النشرات الإخبارية أو حمّل تطبيقاً ينقل لك الأخبار.

كيف أتجسس على حبيبتي / حبيبي القديم/ة؟

بدلاً من النظر إلى الماضي تجاهل ما اعتبرته أمراً مُنتهياً.

ماذا أفعل إن لم أحدق في هاتفي؟

هذا هو الوقت المناسب لاكتشاف ما يجلب لك الفرح. إذا لم يكن لديك فكرة عما تريد، فجرب بعض الهوايات الجديدة والاستكشاف. هناك احتمالات لا نهاية لها في العالم الحقيقي.

هذه ليست دعوة لاعتزال التقدم التكنولوجي، ولكنها دعوة للنظر في شكل استخدامنا لما تحويه هواتفنا النقالة، وحساب درجة الإفادة والضرر. أما بالنسبة لي فقد تعلمت من تجربتي في تقنين اعتمادي على هذا العالم الافتراضي دون الاستغناء عنه تماماً، في مقابل إثراء عالمي بأشخاص من لحم ودم وأحداث وأشياء حقيقية.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات