كان في الرقة... وكنت في تونس

كان في الرقة... وكنت في تونس

وصلت إلى شارع "الحبيب بورقيبة"، منتصف نهار الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2017، هذا الشارع الذي شهد منذ سبعة أعوام، إعلان نجاح "ثورة الياسمين"، في صرخةٍ هزّت العالم العربي: "الشعب التونسي حر.. الشعب التونسي ما يمُتش.. بن علي هرب.."

بعدما وصلت إلى بلادنا موجة "الربيع العربي" التي انطلقت من تونس، وأغرقتنا في دوامة العنف والدم لسبع سنوات؛ لازال أحد الأسئلة المحيّرة بالنسبة لنا لماذا فشلنا فيما نجح فيه التونسيون؟! وهل كان هذا الربيع ربيعاً حقاً، أم أنّ رياحه لم تأتٍ بما تشتهيه سفننا؟ ليس نحن فقط بل الليبيون، واليمنيون، وربمّا المصريّون أيضاً.

وللمفارقة فإن زياتي لتونس كانت تتقاطع بشكلٍ ما مع محاولة الإجابة عن هذا السؤال، حيث زرتها بغرض مواكبة تصوير مسلسلٍ سوري تم تنفيذه على الأراضي التونسية مؤخراً، يحمل المسلسل اسم "الواق واق" (من تأليف د. ممدوح حمادة، إخراج الليث حجّو، وإنتاج شركة إيمار الشام لموسم دراما رمضان 2018)، ويطرح كاتبه فرضية حول مدى مقدرتنا كشعوب عالم ثالث على إعادة بناء مجتمعاتنا بصيغة جديدة ، إذا تسنى لنا ذلك؟!

في سيدي بوسعيد

بعد تسعة أياّم قضيناها في أحد مواقع تصوير "الواق واق" بـ "عين دراهم"، أقصى الشمال الغربي التونسي بمحاذاة الحدود الجزائرية؛ كنت حريصاً على زيارة تونس العاصمة ولو لساعاتٍ قليلة، وكان من بين الأماكن التي قصدتها منطقة "سيدي بوسعيد" السياحية الجميلة، وهناك وبينما كنت أبحث عن زيٍ تونسي تقليدي أقتنيه تذكاراً لطفلي الصغير، التقيت ببائعٍ ميّز لهجتي السوريّة، سرعان ما أغرقني بالأسئلة عن الشام وأحوالها، مع الدعاء الحار بالنصر، والتعبير عن شوقه للعودة إلى دمشق التي أمضى فيها سنواتٍ خلال تسعينيات القرن الماضي.

ملامح التدين الظاهرة على التاجر التونسي بلحيته الخفيفة وشاربيه المحفوفين، دفعتا صديقي لممازحته قائلاً: "إذا حابب تجي عالشام يا ريت تدخل من مطار دمشق، مو من فوق!!"، ضحك التونسي الطيب من هذه الدعابة التي تشير إلى تدفق آلاف المتشددين التونسيين إلى الشمال السوري بطريقةٍ غير شرعية للقتال في صفوف "داعش"، الأمر الذي طالما أثار استغرابنا كسوريين، واستغراب التونسيين أنفسهم.. دعابة صديقي لم تلق استحسان تاجر تونسي آخر كان شاهداً على الموقف، إذ بدا عليه الغضب وهو يُزْبِدُ بكلماتٍ لم نفهمها ويمشّط لحيته المرسلة بطريقةٍ أثارت ريبتنا، ما دفعنا لتدارك الموقف سريعاً بابتسامةٍ مصطنعة ونحن نستعجل مغادرة المكان.

صور من تونس

بعد جولة مكثفة جداً، عدنا إلى شارع "الحبيب بورقيبة" ليلاً، التقطنا خلالها عديد الصور، منها ما كان أمام وزارة الداخلية التي كانت تشكّل رعباً للتونسيين أيام "بن علي"، شراهتنا للتصوير جعلت الوقت ينفذ من بين أصابعنا، فكانت المفاجأة أنّ هذا الشارع شديد الحيوية نهاراً تغلق مقاهيه الكثيرة بحلول الساعة الثامنة، لتنتقل حركة المّارة الخفيفة إلى الأنهج المجاورة كنهج "مرسيليا" حيث النوادي الليلية وصخبها، تلقينا دعواتٍ عديدة من سماسرة تلك النوادي، عن عروض خدمات ترفيهية تتلخص بعبارة "كل ما يخطر ببالكم.. جميع الحقوق محفوظة".

شارع الحبيب بورقيبة

لكننا كنّا نبحث عن شيء آخر، فكل ما أردناه مشاركة التوانسة هوسهم بالمقاهي، التي تنتشر بكثافة وحتى ساعةٍ متأخرة من الليل في حي "النصر"، شاي أخضر بالبندق ( أي الصنوبر باللهجة التونسية)، ونرجيلة اكتملت معها نشوة يومنا الأخير في تونس، وأجمل ما شعرنا به أننا لم نحس بالغربة مطلقاً بين حنايا هذه المدنية، لم يستغرب أحد لهجتنا، أو ينظر إلينا بفضول لدى سماعها.. شعرنا أننا في بلادنا حقاً لنحمل معنا هذا الانطباع إلى سوريا التي عدنا إليها فّجْر اليوم التالي.. دون إجاباتٍ عن أسئلتنا حول تجربة الربيع التونسي.. وكيف لهذا الشعب المتحضر أن يصّدر لنا الآلاف من أكثر مقاتلي "داعش" دمويةً؟!

تونس... وذاكرة حلب

لم يخطر ببالي وقتها أنّ العودة إلى تونس ستكون قريبة جداً، مع إدراكي لصعوبة أن يحصل سوري على الفيزا التونسية، لكن لحسن الحظ كان الأمر ميسراً في المرة التالية، حينما تلقيت دعوتين لحضور "أيام قرطاج المسرحية"، و"مهرجان صفاقس السينمائي".

هكذا وجدت نفسي في "شارع الحبيب بورقيبىة" مرّة أخرى بعد شهرين بالتمام والكمال، وحينما تجولّت في هذا الشارع ظهيرة 16 كانون الأول/ ديسمبر 2017، تأكدت من انطباعي الأول حول مدى شبهه بـ "شارع القوتلي" في حلب، تلك المدينة السورية الجميلة التي قضيت فيها أجمل ذكريات دراستي الجامعية منتصف تسعينيات القرن الماضي.

شهدت جانباً من فعاليات أيام قرطاج المسرحية"، وتكريم الممثلة السورية سلاف فواخرجي عن مجمل مسيرتها الفنية في المسرح البلدي بتونس، وفوز العرض المسرحي السوري "ستاتيكو" الذي يتناول تداعيات الحرب السورية، بثلاث جوائز، قبل توجهّي صبيحة اليوم التالي إلى صفاقس.

أقوال جاهزة

شارك غردكنت في تونس.. البلاد التي نحبّها وتحبّنا

شارك غردعن ظاهرة انضمام آلاف الشباب التونسي لـ "داعش" تلك الظاهرة التي حيّرت التونسيين، وحيرت السوريين أيضاً

تونس... صفاقس... المهدية

كنت قد كونت فعلياً صداقاتٍ في تونس أتاحت لي تبادل الأحاديث حول الهوية الثقافة والهوية والخصوصية التونسية، الربيع العربي، وظاهرة انضمام متشددين تونسيين للقتال في صفوف داعش، وذلك على هامش فعاليات "مهرجان صفاقس السينمائي"، المهرجان الذي قررت مسبقاً أن استثمر فرصة حضوري له باستكشاف مدينة جديدة، اختيرت في العام 2016 عاصمة للثقافة العربية.

علمت من الأصدقاء أنّ صفاقس عاصمة تونس الاقتصادية التي تنافس العاصمة الإدارية للبلاد حدّ الغيرة على إثبات حضورها في المشهد الثقافي والسياسي، وقلت في نفسي " ها هي قصّة التنافس غير المعلن بين دمشق وحلب تتكرر في بلدٍ عربيٍ آخر..."، استكشفت معالم المدينة المتقشفّة في عمارتها مقارنةً بتونس العاصمة، رغم اتساعها وثقلها الاقتصادي، مع بروز مُلْفتْ لعامل الأصالة البادية بوضوح وراء أسوارها القديمة، وشبكة أسواقها المتداخلة.

بناءً على نصيحة الأًصدقاء أيضاً توجهت شمالاً لزيارة مدينة المهدية (تفصلها عن صفاقس مسافة ساعة ونصف تقريباً بالسيّارة)، بجمالها الفريد الذي يتجلى بوضوح في البرج الفاطمي الأثري المطل على البحر، جمال أخّاذ، غنى وتنوع كبير، وأسواق متخمة بالبضائع، لكنّها فارغة من الزبائن خلافاً لفصل الصيف، بحسب ما أخبرنا أهل المدينة، إلى جانب ضيق الحال الذي يعانيه التوانسىة، خلال السنوات الأخيرة.

إطلالة عامّة للمهدية

ظل الرئيس

على مائدة العشاء بصفاقس يعود الحديث عن الضائقة الاقتصادية المتزايدة التي تشهدها تونس بعد "ثورة الياسمين"، ففي دردشةٍ تبادلتها مع أًصدقاء من السينمائيين التوانسة، فاجئني القول؛ بأن "أيّام بن علي كانت أفضل، وأنّ الأحوال تدهورت كثيراً بعد الثورة على المستوى الاقتصادي"، لا ينكر الأًصدقاء أن الأوضاع أصبحت أفضل بما لا يقاس من حيث الحريّات، لكنّهم اتفقوا تقريباً على كون التقدم بطيئاً "اقتصادياً، وتنموياً"، بالتوازي مع حالة التذمّر من تركيبة الحكم الهشّة القائمة بصورةٍ أساسية على التحالف بين "نداء تونس"، وحزب "النهضة" ذي التوجهات الإسلامية، الذي يشار إليه ولسياساته بشيءٍ من التوجس، وسط الحساسية الشديدة تجاه كل ما يمكن أن يشوّش صورة تونس العلمانية التي أرساها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

بدا مدهشاً بالنسبة لي أيضاً أن تناول "بن علي" لم يحمل أيّ وصفٍ غير لائق، بل غالباً ما يوصف بـ "الرئيس" دون إضافاتٍ أخرى من قبيل "المخلوع" أو "الهارب"، أو، أو، ليس ذلك فقط بل يكثر الحديث مؤخراً ذكر "الفضائل الاقتصادية" لعهده رغم كل ما تكشّف عن فساد نظامه وعائلته. 

جربا... القدس

مع اقتراب انتهاء فعاليات "مهرجان صفاقس السينمائي"، قررت خوض مغامرة جديدة وهي زيارة جزيرة جربا التي تشتهر بـ "كنيس الغريبة" محجّ يهود العالم في شهر آب من كل عام، وبعد ثلاثة ساعاتٍ من السفر جنوباً، وتجربة ركوب العبّارة المثيرة إلى الجزيرة، صدمتُ بأن توقعاتي حول هذه الزيارة كانت أقّل بكثير مقارنةً بالصورة التي رسمتها لها في خيالي كوجهة سياحية فخمة، رغم ما قيل لي بأنني اخترت التوقيت الخطأ للزيارة.

كنيس الغريبة

تبدو جربا بحسب سكّانها أجمل بكثير في فصل الصيف، بينما يعيشون حياة متقشّفة وعادية بقيّة أيام السنة مع حدٍ أدنى من الخدمات، ومقاهٍ ونزلٍ وأسواقٍ فارغة، وربما كانت التجربة الأكثر إثارة بالنسبة لي هي زيارة "كنيس الغريبة" وسط إجراءاتٍ أمنية مشددة، حيث لا يسمح للمواطنين التونسيين من غير اليهود بزيارته، بينما كانت ترفع في معظم شوارع الجزيرة" لافتات ترفع شعار "القدس عاصمة فلسطين الأبدية" إلى جانب أعلام فلسطين، كردّة فعل على قرار الرئيس الأمريكي دونالد تراب نقل سفارة بلاده إلى القدس.

في الطريق إلى جربا

أًصداء ثورة الياسمين

بعد انتهاء فعاليات المهرجان السينمائي، كان طريق العودة الطويل من صفاقس إلى تونس العاصمة فرصة لتبادل الحديث مع السائق "عبد المنعم" ابن مدينة القصرين، المدينة التي اندلعت منها شرارة "ثورة الياسمين" إثر حادثة إحراق "البوعزيزي" نفسه، سألته عن أحوال مدينته، وما الانجازات التي حققتها بعد الثورة؟، فأجاب الشاب العشريني بابتسامةٍ ساخرة: "لا شيء"، لم تحقق أيٌ من الإنجازات التنموية المنتظرة، كما لم يتراجع مستوى البطالة، و"الزطلة (الحشيشة التونسية) والمخدرات تأكل في عقول الشباب، بعدما أصبحت أكثر توفراً من ذي قبل، بينما تتفاقم الضائقة الاقتصادية".

في تونس العاصمة لبيّتُ مع عددٍ من الأصدقاء دعوة المخرجة والمنتجة التونسية هاجر بن نصر للعشاء في منزلها، بعد سجالٍ طريفٍ خضناه في صفاقس حول مفردات المطبخ التونسي، وغرابته كليّاً عن ثقافة الطعام ببلاد الشام، تذوقنا "الكسكسي و لحم الحوت، والمدفونة"، وأصنافاً أخرى من الطعام التونسي، طيّبتها لنا بنفسها، ثم احتسينا كؤوس الشاي الأخضر ونحن نتبادل الأحاديث حول بلادنا وأحوالها، أكدّ خلاله ابنها ضياء على: "أهمية حرية التعبير التي يتمتع بها التوانسة اليوم، باعتبارها أكبر مكاسب ثورة الياسمين، وأهمها"، وأنّ هذا المكسب: "يستحق كل ما بُذل ويبذل لأجلها من تضحيات"، مبدياً تفاؤله بأن الاقتصاد التونسي سيستعيد عافيته تدريجياً.

مئذنة جامع الزيتونة الشهير

تونس... الرقّة... دمشق

خلال هذه الزيارة توقفتُ عند كتاب يأخذ حيزاً مميزاً في مكتبة العائلة: "كنت في الرقّة" لـ "هادي يحمد"، يقدّم الكتاب الذي سارعت إلى شرائه من معرض للكتاب بشارع "الحبيب بورقيبة"؛ "رواية حقيقية لتجربة القتال والحياة في الرقة وغيرها من المدن السورية"، إلى جانب "استرجاع النشأة والطفولة والمراهقة"، قبل أن يصبح صاحب الشهادة وراوي الحكاية محمد الفاهم (ابن مدينة نابل التونسية) مقاتلاً في تنظيم الدولة قرابة العامين"، ثم يقرر الهروب لاحقاً من التنظيم.

عدت إلى دمشق صباح اليوم التالي، وقد شرعت في قراءة هذه الرواية المدهشة، التي تتضمن جانباً كبيراً من الإجابة حول ظاهرة انضمام آلاف الشباب التونسي لـ "داعش" تلك الظاهرة التي حيّرت التونسيين، وحيرتنا أيضاً، بينما تستعيد حواّسي ملامح وصوت سائق التاكسي الذي رافقني في آخر مشوارٍ لي بين أحياء تونس العاصمة، حينما سألته عن "ثورة الياسمين" بذكراها السابعة، إذ قال بغضبٍ شديد مشيراً إلى وجوه السياسية التونسية اليوم: "أخرجناهم من السجون فحبسونا في سجنٍ كبير، قدمنا لهم البلاد على طبق، فسرقوا طعامنا"، هذه الصرخة يتردد صداها اليوم في عديد المدن التونسية، وسط الاحتجاجات على قانون المالية الذي أقره البرلمان لعام 2018.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
محمد الأزن

صحافي سوري عمل في مجال الثقافة والفن وله تقارير إذاعية ومصورة عديدة

التعليقات