الجنس بين العرض والطلب و«ثقافة الاغتصاب»

الجنس بين العرض والطلب و«ثقافة الاغتصاب»

بلوغ، أهلية، قبول. تلك هي شروط أي ممارسة جنسية بين طرفين، أو عدة أطراف. وإن كانت هذه الشروط واضحة، فما زال شرط القبول أو التراضي مُلتبساً لدى البعض، ما يجعل هؤلاء يتبنون موقفاً تبريرياً للاعتداء الجنسي، لا سيما على النساء.

الجنس ممارسة بين الأشخاص، ولكن كيف نضمن أن هذه المُمارسة تتم في أجواء مُلائمة، تضع التمييز ضد النساء نصب أعينها، والسياقات التاريخية لاستغلال النساء جنسياً محل اعتبار؟ تلك السياقات التي تتقاطع بشكل لا يمكن فصله مع سياقات سياسية واقتصادية واجتماعية أخرى، تجعل من النساء فئة أكثر عرضة للاستغلال الجنسي من الرجال.

لذلك فإن شرط القبول نفسه مشروط بعدة عوامل، أهمها علاقات القوة بين النساء وشركائهم المحتملين من الرجال. فمثلاً، ممارسة النساء للجنس تحت تأثير الكحول أو وهن مُغيبات الوعي، تخل بشرط القبول. فإن لم يُبدين رغبتهن مُسبقاً وبشكل مباشر قبل الكحول في ممارسة الجنس، يعتبر ذلك تعدياً جنسياً صريحاً.

لماذا؟ لأن السياقات التي ذكرتها تواً تُفيد أن النساء على مر التاريخ قد تم استغلالهن جنسياً، إما باعتبارهن متاعاً لذويهن من الرجال، أو لأنهن مارسن الجنس في مجتمعات لا تسمح بممارسته إلا في أطر معينة كالزواج.

اللافت في كلتا الحالتين، تقديم الرجال بأنهم ذوو أحقية في أجسام النساء. وبالتالي، فوقوعهن تحت تأثير الكحول، ليس له أهمية، بل بالعكس يعرضهن لنقد سلوكي، ويعتبر اغتصابهن في تلك الحالة أمراً متوقعاً ولا يمكن إيقافه، وعقاباً مُناسباً لهن.

هذا المثال لا يستسيغه الكثيرون ممن يُبررون الاعتداء الجنسي، والذين يقدمون أجسام النساء كأشياء مُستحقة للرجال. أما ما يستخدمونه في التبرير فهو عبارة: «الجنس عرض وطلب».

أقوال جاهزة

شارك غردإشكاليات عبارة "الجنس عرض وطلب"... ازدواجية معايير واستغلال للنساء

شارك غردللأسف العلاقات الجنسية ليست حرة تماماً، فنحن نِتاج مجتمعاتنا التي دعمت وما زالت تدعم استحقاق الرجال لأجسام النساء...

إشكاليات عبارة: «الجنس عرض وطلب»

أولاً، هذه العبارة يتم استخدامها في سوق العمل الرأسمالي للتدليل على اقتصاديات السوق الحر، الذي يعتمد على التنافسية في تقديم العروض بأسعار تُناسب الطلب، ما يضمن بقاء رأس المال.

تمت استعارة الجملة بواسطة النسويات الليبراليات الداعمات للعمل بالجنس التجاري، كسوق عمل تدخله النساء، ويحصلن فيه على أجور يرتضينها للخدمات الجنسية التي يقُمن بتقديمها للرجال. وكانت محاولاتهن تهدف لتحويل الجنس التجاري من "فعل غير أخلاقي" إلى "عمل حر" للتخلص من وصم العاملات به والعنف المجتمعي وملاحقاتهن أمنيًا. كذلك، لرفد سوق العمل بالجنس التجاري كسوق غير رسمية ذي مساهمة اقتصادية.

ثانياً، مَن يعرض ومَن يطلب؟ هذه العبارة تقدم النساء كعارضات للخدمات الجنسية، وتقدم الرجال كزبائن. ما يقول ضمنياً إن النساء لا يطلبن الجنس، بل يعرضنه. أو بكلمات أخرى، الرجال أكثر طلباً للجنس من النساء.

وبغض النظر عن أن هذه النقطة غير علمية أو واقعية، فهي معتمدة على دخول النساء سوق العمل بناء على نوعهن الاجتماعي، فقط. بينما يدخل الرجال إلى نفس السوق كأصحاب رأس مال، يشترون أجسام النساء مؤقتاً، للحصول على المتعة الجنسية. فتتكرر العلاقة غير المتساوية بين صاحب العمل والعامل الذي لا يملك سوى قدرته على القيام بالعمل الذي يطلبه صاحب رأس المال، بينما تظل علاقة القوة بينهما غير متوازنة.

هذا التشييء الجنسي يُقر أن للرجال الحق في الحصول على المتعة الجنسية من عاملات الجنس التجاري ما داموا يدفعون ثمنه، مما ينقلنا لحوادث اغتصاب العاملات بالجنس التجاري إن هنّ رفضنّ ممارسة الجنس، حتى لو أرجعن المبلغ المدفوع. وهو ما تُنادي النسويات بإيقافه إما بسن قوانين تضمن حقوق العاملات، على الأقل، بما أنه سوق عمل موجود بالفعل، أو تجريم العمل بالجنس التجاري، لأنه قائم على استغلال النساء جنسياً، حتى لو دخلن السوق بإرادتهن.

ثالثاً، استخدام الجملة في الحياة اليومية للإشارة إلى ممارسة الجنس، يدعم ثقافة الاغتصاب. فاعتبار النساء عارضات للجنس خارج سوق العمل التجاري، هو نفسه ما يُبرر الاعتداء الجنسي عليهن. فمثلاً، يدّعي البعض أن النساء يُردن الجنس لأنهن يرتدين تنانير قصيرة، (عرض). ويُلبي المُعتدون رغبتهن بممارسة الجنس قسراً لأنهن إن لم يُردن الجنس فلماذا يرتدين التنانير القصيرة؟ أو لماذا يخرجن ليلاً؟ أو لماذا يتنزهن في مكان ما؟ أو لماذا حضرن إلى مكان المُعتدي ولم يتوقعن ممارسة الجنس؟ فتتحول كل النساء إلى عارضات للجنس، ويتحول جميع الرجال إلى طالبي الجنس، بدلاً من «مُعتدين» و «مُعتدى عليهنّ».

رابعاً، الجملة تعتبر استغلالاً جنسياً، إن وصفت علاقة غير متكافئة القوى. وعلاقات القوى غير المتكافئة هي تلك التي ترجح فيها كفة طرف على حساب الآخر، بسبب الامتيازات أو السلطة في العمل وداخل العائلة، أو الفئة العمرية والتوجه الجنسي. فمثلاً، طلب رئيس العمل ممارسة الجنس مع إحدى الموظفات، هو استغلال لمنصبه. وقد تقبل الموظفة بسبب مخاوف الفصل من العمل أو الملاحقة والتضييق، لكنه مع ذلك لا يعتبر جنساً رضائياً.

خامساً، استخدام بعض التيارات اليسارية للعبارة لوصف العلاقات الجنسية، هو ازدواجية للمعايير. وفيما يرفض بعض اليساريين اقتصاديات السوق الحر، والعمل بالجنس التجاري، فهم يقبلون بمبدأ العرض والطلب لوصف العلاقات الجنسية. وهو ما يدفعنا للتساؤل هل يرى هؤلاء أن الجنس ممارسة يجب أن لا يتم تسليعها، بينما يدعمون الاستحقاق الجنسي للرجال على أجسام النساء داخل الحركة بدعوى التحرر؟

هذا التجريد التاريخي للعلاقات الجنسية واعتبارها علاقات حرة، لا يمكننا إغفاله. للأسف العلاقات الجنسية ليست حرة تماماً، فنحن نِتاج مجتمعاتنا التي دعمت وما زالت تدعم استحقاق الرجال لأجسام النساء، ولذلك فإن ربط ممارسة الجنس بالتحرر أو تقديمه كشرط للاندماج في جماعة ما، هو استغلال للنساء.

نحنُ، وإن قبلنا بإشكاليات عبارة «الجنس عرض وطلب»، فما زلنا أمام إعادة انتاجها لتتبدل الأدوار. فقد تطلب النساء الجنس، ويعرضه الرجال. وقد نستخدم العبارة لوصف علاقة قوة متوازنة تضمن للنساء حق الرفض من دون تهديد وابتزاز.

وإن كان الجنس عرضاً، فمهمتنا أن نضمن بقاء هذا العرض في سياقه، أو أن نخلق السياق ولا نفرضه على الآخرين والأخريات، ولا نتوقع منهم ومنهن قبوله، لمجرد أننا قمنا بالعرض بطريقة نراها لائقة، وفي سياق نراه مناسباً.

فالشروط الثلاثة لضمان ممارسة جنسية رضائية واجبة التدقيق وأخذها في الاعتبار، ولا سيما شرط القبول.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
غدير أحمد

- ناشطة نسوية مصرية، وباحثة متخصصة في دراسات المرأة والنوع الاجتماعي.

التعليقات