مدينة الحيوات الخفيفة

مدينة الحيوات الخفيفة

لم تكن اللاذقية يوماً مدينة للأعمال أو لتفريخ النقود ولا حتى لتبذيرها، كانت مدينة شاحبة وخفيفة دائماً، مرسومة بالألوان المائية الشفيفة وليس بالزيتي الثقيل، مدينة تذكر في الأغاني وتنسى في العدالة، هكذا شاءها اهلها وهكذا شاءتها الحكومة وربما هكذا شاءها الرب أيضا، مدينة الحيوات الخفيفة، صامتة بلا حراك، مجانينها معدودون ومتسوليها أيضا، مدينة كسولة ككل المدن البحرية، بلا تنافس صناعي أو تجاري ولا حتى ثقافي، طالما تاق شبانها للخروج منها نحو المدن الكبرى لكنهم سعوا دوما لأن يموتوا فيها، مدينة تناسب خيانة صغيرة لا عرسا صاخبا، يحتفل سكانها بصمت، يعيشون بصمت ويموتون بصمت، بلا أثر غير أوراق نعي تطبع بكمية صغيرة تناسب أحياءها القليلة الضيقة، لا تلبث أن تغطيها أوراق جديدة أو يتكفل المطر السخي بإزالتها.

قرية كبيرة هي لا أكثر، قرية هاربة من جحيم ماركيزي، أغنياؤها يتعاملون مع فقرائها بدافع ضيق المكان فقط، تعايش بدافع الحاجة وتحت ضغط الخوف، جمر تحت الرماد، أبقته السياسة متقدا بهدوء، يحتاج لنفخة صغيرة ليظهر كما هو، حيا وساخنا وقابلا للاشتعال مجددا ليحرق كل شيء كما استطعنا أن نشاهد خلال السنوات السبع الماضيات, مدينة لا تجرؤ أن تصبح مدينة حقا ولا تستطيع العودة إلى ماضيها القروي, هي تعيش في الخط الفاصل, في خط تماس بين زمنين, تحول لاحقا إلى خط تماس بسواتر رملية ومحاربين.

رغم فقرها وانكماشها وخوف سكانها من غرباء لا محددين، لا تزال تحتفظ بنكهة المدن البحرية، مدينة العشاق والقبل الفرنسية في حديقة الجامعة، مدينة (البروتيل) الذي يصنع لباس نسائها في الصيف، مدينة الأيادي المتعانقة والأجساد المتلاصقة في حي الزراعة، مدينة البسطات التي تبيع كل شيء وأي شيء، حتى الحشيش، في شارع هنانو وساحة الشيخضاهر, مدينة متفلتة من ضوابط القرى وتحمل بعض سمات العواصم، في السبعينيات كانت حيين فقط، في الثمانينيات وضعت المتاريس بين قسميها الشمالي والجنوبي، في التسعينيات صارت جنّة العصابات ومهربي التبغ وبعد الألفية صارت مدينة ملوك الأغنية الشعبية حيث يمكن لمطرب شعبي شبه أمي أن يبدي آراءا في علم الاجتماع والاقتصاد والسياسة الدولية أما في الحرب فقد اصبحت والدة لسورية.

اللاذقية في السبعينات

قسمت المدينة بفعل الزمن بادئ الأمر ثم ترسخ التقسيم بعد حركة الإخوان المسلمين في الثمانينيات ليستقر حاليا بفعل الحاجة إلى مستهلكي بضائع وآكلي خضروات ومرتادي مقاهي، لأحيائها القديمة طعم السجون الرطبة ولونها وخشيتها وتبرّمها من الأخوة /الغرباء، لا خصوصية معمارية لأحياء (الصليبة والقلعة والعوينة والشيخضاهر) إلا ما تركته فرنسا من بيوت تتناقص تحت ضغط المقاولين، مدينة مسكونة بأشباح بحارة غرقوا منذ ألف عام، قبل أن تأتي موجة الدراما الشامية، وتخرّصات الدراميين السوريين السخيفة، التي صُنعت أساسا لتسويق اللحم السوري رخيصا لدى ذئاب الخليج وفتاوى الجهاد، فتصنع من نوافذها صلبانا ومن بيوتها الضيقة زنازين، أما أحياؤها الجديدة فكتل بيتونية مشوهة، ناقصة، تشي بسرعة الانجاز وبالتالي بسرعة الزوال.

ما صنع سمعة اللاذقية كمكان مريح للعيش الهادئ وفضاء يتمتع بجرعة زائدة من الحرية الاجتماعية قياساً للمدن السورية المخنوقة والخانقة، هو غلبة تريّفها على مدنيتها إضافة لبحر ساحر، في حين تتعالى دمشق وحلب عن تلك العلاقات البسيطة والمتداخلة والحرة بوقت واحد، تتمتع اللاذقية ببساطة ملفتة كانت موجودة لوقت قريب، تستطيع أن تقيم حواراً بسيطاً مع سائق التكسي وربما تذرف أمامه دمعة أو اثنتين وسيسامحك بأجرة المشوار, تستطيع أن تنظر بعين حزينة إلى بائع القهوة وسيقدم لك فنجانا ورقيا من القهوة رديئة الصنع مجانا, من زيّنها بهذا هم صيّادوها لا مثقفيها المحقونين، فلاحوها ومزارعوها وسائقو حناطيرها الخشبية وبنّاؤها، عمال مرفئها وعتّالوه لا شعرائها ورساميها المتخمين بأنساب وهمية وإرث برجوازي، في الوقت الذي جهد مثقفوها فيه للبس أقنعة المدنية والتعالي ببعض رطانة ليبرالية تخفي احتقارا ضمنيا وطائفيا للآخرين، كان فقراؤها يهيؤون حدائقا حول البيوت ويطعمون الدجاج بقايا أرز البارحة ويزرعون أشجار (الاكي دنيا) في الشوارع.

لكن هذا كان قبل الحرب أما في الحرب فقامت باستقبال المهجرين من كل المدن السورية التي طالها الخراب، احتضنتهم بضجر وعلى مضض لكنها فعلت، حصّلت منهم أرقاما مرتفعة مقابل البيوت المستأجرة، وربما ثمن الموت الذي ينتظر ابناءها في قرى الداخل التي أخليت، لكنها لم تحز أعناقهم أو ترفضهم أبدا، نزح الى طرطوس واللاذقية مئات الآلاف من المدن الكبيرة والصغيرة على حد سواء، ممن تورطوا في الحرب أو من عائلات (مقاتلي الحرية) أو من الأبرياء، بينما ضاقت تلك المدن على اتساعها ببضع مئات منهم، استقبلت الأحياء الجديدة في قرى (سقوبين والقنجرة وكرسانا ومشقيتا والدعتور) آلافا منهم ولم تطلق عليهم لقب المستوطنين، قاسموا النازحين الرغيف القليل المتبقي وفرص العمل النادرة أصلا وحافلات النقل المكتظة والشوارع المحفرة، شاركوا أشباههم الفقراء احتمال العيش بأمان، بينما تضيق المدن وتضيق سوريا وتختصر إلى ربعها، شاركوهم بطيب خاطر، الأنفاس القليلة المتبقية.

الساحل ملاذ القادمين من ريف آخر، ريف خائف ومرتعب من يوم دموي قد يأتي، ريف تتناهبه الضباع الطائفية المهاجرة والمتاجرة بلقمة العيش مخلوطة بالإيمان، ينظر الباعة الذين احتلوا سوق (العنّابة) إلى أجساد الفتيات في سراويل الجينز، يتحسّرون ويلقون كلاما يمتزج فيه الاستغفار مع الرغبة، ذلك أنهم لم يعتادوا مشهداً مماثلاً، لم يصطدموا من قبل بالحرارة المنبعثة من الأجساد الشابة على هذا النحو المتفجر والوقح والمتعالي، ما بين مشهد الأم التي تفجر رأس العسكري الأسير بمطرقتها ومنظر الفتيات الراقصات في مشيتهن، يراقبون بشهوة ويستغفرون.

سيتعلمون: يقول بائع الطوابع أمام المحكمة، سيتعلمون، نساء سوريا سيحررنها.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

شاعر من سوريا، صدر له: خط صوت منفلش 2008، ثلم في تفاحة طافية 2010، التتمات وتفسير الربع الأول من السيرة الناقصة للأخير 2012، لا شيء مسلّ في الحرب 2015.

التعليقات