هنا تونس: هل أكلت "عجّة" بالغاز المسيل للدموع؟

هنا تونس: هل أكلت "عجّة" بالغاز المسيل للدموع؟

كنت قد عدت لتوّي من السوق البلدية القريبة من منزلي في وسط العاصمة تونس، محملاً ببعض الأغراض الخفيفة—جداً—من بصل وفلفل وطماطم وبيض و"باقات" (خبز) لأدخل بها إلى المطبخ وأقوم بتحضير أكلة، لا أعرف تصنيفها الطبقي إلى حد الآن هل هي للفقراء أم لجميع الطبقات، ولكنها مشهورة في تونس وهي "العجة".

وأنا أعدّ الموسيقى التي على وقعها سوف أطبخ العجة، تذكرت أن شيئاً ما ينقص طبختي لهذه الليلة، الزيت... لم أشتر الزيت أيّ أحمق! وأنا لا أخجل من نفسي عندما أنعت نفسي بالأحمق لأنني عند شراء الأغراض دائماً ما أرتكب الكثير من الحماقات. هذا في صورة ذهابي النادر للتسوق. وفي كل الحالات وبعد أن تمالكت نفسي عدت إلى البقال لأشتري زيتاً وأنفقت ما بقي عندي من دنانير تافهة في علبة زيت سوف لن أستعمل منها سوى قطرات قليلة لقلي الخضار والبصل.

تعالت أغنية جاءت على يوتوب أوتوماتيكياً ولم أقصد وضعها للشيخ إمام تقول "عن موضوع الفول واللحمة صرح مصدر قال مسؤول إن الطب اتقدم جداً والدكتور محسن بيقول إن الشعب المصري خصوصاً من مصلحته يقرّش فول حيث الفول المصري عموماً يجعل من بني آدم غول"، وعنوان الأغنية كما هو مشار إليه "الفول وللحمة".

وقد تمالكتني ابتسامة تشبه الضحك بفم شاسع الانفتاح لأن الأغنية لا تعبّر فقط عن الحالة التي يعيشها التونسيون اليوم، بل تذكرني بأيام اليسار البريء الذي كنت أنشط فيه قبل أن أصير صحفياً. ولا أعرف إن كان اليسار بريئاً وقتها، أم إني أنا من كنت بريئاً.

على كل، انتهت أغنية الشيخ إمام في غمرة تلك الذكريات وتلتها أغنية داليدا التي أحبذها عند دخول المطبخ، وهي أغنية "زمن الورد" Le Temps des Fleurs. انتشيت بها عندما كنت أقطع البصل إلى قطع صغيرة ودقيقة لأني أحبه هكذا في الطعام، كما دققت قطعتي ثوم وأضفت البهارات والفلفل والطماطم تباعاً، طبعا دون لحمة.. فهي على رأي الشيخ إمام "بتزوّد أوجاع المعدة وتعوّد على طولة الإيد".

ثم استلقيت على كرسي وأشعلت لفافة تبغ وهممت بمطالعة جزء من كتاب كنت قد اشتريته في مناسبة حمقاء عندما قررت الخروج مع فتاة حمقاء هي الأخرى من إحدى المقاهي الثقافية وقد كلفني ذلك كثيراً... طبعاً مع ثمن الشاي الذي دفعته فإن الأمر يعتبر مكلفاً. وأذكر أنني تحسرت كثيراً عند تذكري للبيرة التي لم أعد أملك ثمنها في ذلك الوقت.

كنت أتصفح الكتاب حيناً وألقي نظرة خفيفة بفهلوة طباخ فقير حيناً آخر، وقد بدأت رائعة الخضار والبصل والثوم في الانبثاق من الإناء وهذا في ذاته يبعث على الانتشاء. انتهت أغنية داليدا لتعود أغنية أخرى للشيخ إمام يغني فيها "الرفيق" عن "فاليري جيسكار ديستان" وكيف أن زيارته إلى مصر سوف تدر خيراً وأرباحاً على المصريين، إلى درجة أنه قال "وحتحصل نهضة عظيمة وحتبقى علينا القيمه في المسرح أو في السينما أو في جنينة الحيوان وحتبقى الإشيا زلابيه ولاحوجه لسوريا وليبيا وحنعمل وحدة أرابيا مع لندن والفاتيكان"...

طبعاً نحن التونسيون من عشاق الشيخ إمام ويبدو لنا أحياناً أنّ نقده لواقعه في مصر ينسحب أيضاً على واقعنا في تونس. وإلى اليوم يردد الطلبة أغانيه حتى في المظاهرات.

استفقت على رائحة غير مناسبة للجو الذي كنت عليه البتة، رائحة قوية وحارقة ومكثفة لا أعرف مصدرها. قفزت نحو الإناء لأتأكد من أن شيئاً لم يحترق داخلها، وبالفعل الأمور في الطنجرة كانت على ما يرام. ما مصدر هذه الرائحة التي أعرفها ولا أتذكر أين شممتها من قبل!! وفجأة انهالت عليّ أصوات من الخارج: مجموعة من الناس هاربة من الشرطة وطرطقات الأحذية فوق الرصيف تصل إلى سمعي كأنها وخز بعود ثقاب داخل الأذن. لقد كانت جموعاً من التلاميذ والطلبة الذين بدؤوا يتظاهرون منذ أيام تنديداً بغلاء المعيشة والزيادة في أسعار بعض المواد.

اشتدت الرائحة بشكل لم أعد أحتمل معه التنفس، فقد اختنقت بالفعل وحينها تذكرت أنها رائحة قنابل الغاز المسيل للدموع. هرعت إلى أحد شبابيك غرفتي علني أجد هواء نقياً أتنفسه، فحرقة العين والدموع وانعدام الأوكسوجين أيضاً... هذا كثير على مواطن تافه مثلي. وبمجرد وصولي إلى النافذة اكتشفت أن المبنى كله محاصر بالغاز المسيل للدموع، وأنه لا مناص من الخروج إلى شوارع أخرى بعيدة وإلا فسأختنق.. وغادرت المبنى فعلاً مهرولاً إلى الشارع الكبير حيث بقيت برهة من الزمن ريثما تخف رائحة الغاز لأعود.

عدت إلى شقتي الصغيرة ولم تكن الرائحة قد خفّت بعد، لكني تحملت ما بقي منها وتمالكت نفسي وفتحت الباب لأكمل ما بدأت. يا ويلي!! وجدت المطبخ في حالة يرثى لها: الدخان قد عبأ المكان والنار موقودة تحت آنية الطبخ وتصدر صوتاً يشبه تشتشة الشواء. لقد كان المطبخ ضبابياً إلى درجة أنني لم أر شيئاً. أغلقت الموقد وحملت الطنجرة إلى الحوض وفتحت الماء لينهمر على تلك العجة التي أضعت من أجلها الكثير من المال... لعنت المتظاهرين والشرطة معاً وفتحت شباك المطبخ وجلست على الكرسي أندب حظي محدقاً في الكتاب الذي كنت أتصفحه وأنا أستمع لأغنية إديت بياف La Vie en Rose.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
سيف الدين العامري

صحافي وباحث في أنثروبولوجيا السياسة بالجامعة الإيطالية. متخصص في الأزمات الإنسانية بحوض البحر الأبيض المتوسط. عمل في القسم الفكري لصحيفة العرب اللندنية ومراسلاً لعدد من وسائل الإعلام من بينها موقع Orientxxi فرنسي/عربي، وصحيفة الأخبار اللبنانية.

التعليقات