في امتداح الجدات وقصصهن... "يلي ما داق المغراية ما بيعرف شو الحكاية"

في امتداح الجدات وقصصهن... "يلي ما داق المغراية ما بيعرف شو الحكاية"

المجتمع السوري في العام 2017 يشبه - في أجمل حالاته - جدةً سبعينية. جدة مر على رأسها كل ما يمكن أن يخطر على البال من الآلام، حتى تعلمت التعامل معها بالبساطة والحب اللذين تتعامل بهما مع لف أصابع اليبرق أو حشو أقراص الكبة.

"يلي ما داق المغراية ما بيعرف شو الحكاية" بهذه الجملة تبدأ الجدة رواية ما عايشته.

في أواخر الثمانينات، كان عليها أن تفك الشيفرات وترتب المواعيد السرية لملاقاة ابنها المتخفي نتيجة ملاحقته أمنياً لأسباب سياسية، تلاقيه كل مرة في حي من أحياء دمشق، تطمئن عن أحواله وتطمئنه عن أحوال طفلتيه، وتختصر الأحاديث، هي التي لا شيء يسعدها الآن أكثر من الكلام عن مغامراتها تلك.

في إحدى المرات، طلب منها أن تراجع فرعاً من فروع المخابرات لتسلّم حفيدتيها، إذ بقيت أمهما موقوفة هناك. وفي مرة أخرى راجعته بطلب من المحققين للضغط على كنتها ومطالبتها بعمل ما في مصلحتها ومصلحة الطفلتين وكشف مكان زوجها المتخفي.

وبينما كان فمها يطلق كلماته بقوة وهي تصف لها كم كان وضع رضيعتها صعباً، كانت عيناها تطلقان غمزات مشجعة من وراء ظهر الضابط، مطمئنة إياها أن كل شيء كان على ما يرام!

لمدة ثلاث سنوات، كان على الجدة أن تعيد ممارسة أمومتها بشكل أكثر تهذيباً مع الحفيدتين اللتين عهدت إليها رعايتهما، أمومة خالية من العقوبة والتوبيخ، وكان عليها أن تكذب بشأن مكان وجود أبيهما وأمّهما، "مسافرين" كانت تقول لهما، فلا شيء أصعب من قول حقيقة كهذه لطفل، لأنها غير قابلة للاستيعاب مهما حاولت تزيينها بالحكايات وصور الخير والشر.

في عام 2011 كانت الجدة نفسها تتابع الأخبار بشغف، تحاول تحليل الوضع والتكهن بما يحمله المستقبل، تشاهد الأخبار على الفضائيات وتقول كلمة "يعليي" مبديةً أسفها لما يصيب الجميع بالتساوي، وتقوم بتهديد أحفادها: "‘إذا حدث لكم أي مكروه سأحرق نفسي"... وتقاوم الجدة "البوعزيزي" سخرية الشباب الطائش مرددةً مرة تلو المرة "يلي ما داق المغراية ما بيعرف شو الحكاية".

أقوال جاهزة

شارك غردتقول الكتب القديمة أنه لا شيء أكثر ألماً من فقدان الابن، وليس أغلى من الابن إلا ابن الابن...

شارك غردتطلب ابنها الثاني ثم الثالث فالرابع، وتبدأ بطلب الأحفاد بالترتيب، وكذلك زوجاتهم، يكفيها سماع كلمة "ألو" بصوت كل منهم، فهي ليست بحاجة لسماع أخبارهم من أحدهم لتتأكد أنهم بخير، فلربما كذب خوفاً عليها. سماع الصوت وإحساسها موثوق بهما أكثر...

بأفريقيا في ثورة؟

في منزلها في أحد الأحياء الدمشقية المتطرفة، والتي لم تشهد أية أحداث تذكر، تعيش جدة أخرى، أصيبت في العام 2009 بجلطة دماغية، فتضرر مركز النطق في الدماغ، تريد أن تقول "كرسي" فتخرج من فمها "منشفة"، تسمعها فتغضب، ونتيجة لذلك ازداد انعزالها، وانفصلت بالتدريج عن التفاصيل التي لا تعنيها، تقضي أيامها رفقة قناة روتانا زمان، إذ تمتعها مشاهدة أفلام صباها القديمة بأبطالها الذين حفظت التسجيلات شبابهم.

في أواخر الثمانينات، اعتقلت ابنتها، احتضنتها في غيابها وعند عودتها بكل ما لديها من حنان، إلا أنها لم تكن يوماً راضية عن تصرفاتها، "ما دخلنا!" كانت تقول بخوف كلما حاول أحدهم أن يثير أي موضوع له علاقة بالشأن العام.

ولذلك عندما بدأت أحداث العام 2011، اقتصر ما اختارت معرفته على أن هنالك مجموعة ما من البشر تقوم بـ"عراضة" (مظاهرة) للمطالبة بأشياء لا تعنيها، وفيما عدا ذلك تعيش حالة إنكار تامة، تعيش خارج حدود الواقع ولا تريد أن تعلم شيئاً عما يحدث خارج حيطانها الأربعة، حتى أنها لم تقبل بتحويل مدخراتها القليلة لدولارات، مرددةً "أنا عايشة بسوريا وبصرف بالسوري!"، ورغم دهشتها الدائمة من غلاء الأسعار إلا أنها مقتنعة أن لا شيء تغير ما دامت تنظر من شرفتها وترى المشهد نفسه الذي اعتادت رؤيته دائماً.

لم يخبروها عن اعتقال حفيدتها، أخبروها أنها في مهمة عمل في بلد مجاور، مهمة استغرقت سنة كاملة، واختارت هي التصديق انسجاماً مع نمط حياتها.

بعد خروج حفيدتها وحين أخبرتها أنها ذاهبة بمهمة - حقيقية هذه المرة -  للعمل في أفريقيا لم تولِ الموضوع أية أهمية ولم يبدُ عليها أي اكتراث، ولكنها بعد ساعات همست لها بذعر خفي: "تيتة بأفريقيا في ثورة؟".

ألو

تعاني أم رأفت من آلام حصوات الكلى، ولا يوجد ما يخفف هذا الألم، إضافة إلى إصابتها بالربو المزمن الذي يجعل من كل عملية شهيق جزءاً من الأشغال الشاقة.

المجتمع السوري في العام 2017 يشبه - في أجمل حالاته - جدةً سبعينية. جدة مر على رأسها كل ما يمكن أن يخطر على البال من الآلام، حتى تعلمت التعامل معها بالبساطة والحب اللذين تتعامل بهما مع لف أصابع اليبرق

تخرج من غرفتها مستندةً على كل الأشخاص والأثاث في طريقها، تتجه نحو الحصالة ببطء، تحفظ  المشرفة رقمها عن ظهر قلب، "الرقم خارج التغطية يا خالة"، تدمع عيناها وتضع يدها على فمها بأسى، تمنع نفسها من البكاء، إنها المرة الثانية هذا اليوم وهذا يعني أنه لم يعد يحق لها إلا محاولة واحدة أخيرة، تعود إلى غرفتها بالبطء نفسه.

بعد قليل، تعاود التوجه نحو الباب وتنظر نظرة مستفسرة، "والله كلما سنحت الفرصة كنت أحاول دون أن تطلبي يا خالة، ما زال رقمه خارج التغطية".

بعد زمن تسمع صوت المشرفة تصرخ من الخارج: أم رأفاااات!

تقفز أم رأفت من سريرها وتركض غير عابئة بحصواتها أو صوت نَفَسها الذي يشبه صافرة قطار، تركض وكأنها ابنة عشرين.

  • عم يرن

تبرق عيناها وتمسك السماعة متلهفة:

  • ألو رأفت، كيفك يما يا حبيبي، وكيف أولادك ومرتك، عطيني راغب أسمع صوته.

قبل أن يتسنى لابنها أن يجيب، تطلب ابنها الثاني ثم الثالث فالرابع، وتبدأ بطلب الأحفاد بالترتيب، وكذلك زوجاتهم، يكفيها سماع كلمة "ألو" بصوت كل منهم، فهي ليست بحاجة لسماع أخبارهم من أحدهم لتتأكد أنهم بخير، فلربما كذب خوفاً عليها، سماع الصوت وإحساسها موثوق بهما أكثر.

وما إن تنتهي من الحديث مع آخرهم حتى تكون مشرفة الحصالة قد بدأت بالإشارة إلى أن الوقت على وشك الانتهاء.

  • ودعي يا خالة!

عادة تبدأ المشرفة بالإشارة لأم رأفت عندما يبلغ وقت المكالمة منتصفه، فهي تعلم أنها ستحتاج للوداع الوقت نفسه الذي احتاجته للسلام.

تطلبهم جميعاً مرة أخرى، واحداً واحداً، وكالعادة لا تتمكن إلا من سماع كلمة "ألو"، ولكنها حريصة على هذا الطقس خشية أن تكون هذه المرة الأخيرة التي تسمع فيها أصواتهم.

وما إن تغلق السماعة حتى تختفي ابنة العشرين، وتعود أم رأفت ابنة الستين عاماً الموقوفة بتهمة كتم الجناية لأنها قامت بالتستر على أولادها الأربعة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
لانا نزار

كاتبة ومدونة من دمشق

كلمات مفتاحية
مدونة

التعليقات