حكاية سيّدة كرديّة من كوباني: "لن أخرج من بيتي مرة ثانية"

حكاية سيّدة كرديّة من كوباني: "لن أخرج من بيتي مرة ثانية"

كانت تجلس وحيدة مُطرقة الرأس، والدمار يلّفُ المكان من حولها. حين رأتنا فتحت يديها على اتساعهما ورفعت رأسها نحو السماء متضرعةً، وبدأت بالدعاء.

أم هوشنك (اسم مستعار) امرأة من كوباني هُجّرت أثناء الحرب على داعش، وحين عادت كان بيتها مهدماً. ولم تسلم منه سوى غرفة ذات سقف وثلاثة جدران والرابع مفتوحٌ على الخراب المحيط.

كانت تعيش هناك مع زوج وابن له زوجة وولدان، مع قليل من طعام وماء يدفع الموت ردحاً من الزمن.

الحكومة آنذاك كانت تنوي ترك جزء من المدينة ليبقى متحفاً شاهداً على معركة الأكراد مع قوات داعش الإرهابيّة، وهدم جزء آخر لتعيد بناء المدينة وفق خطط عمرانيّة جديدة. بيت أم هوشنك يقع ضمن خطة هذه الحكومة - حكومة كانتون كوباني، وآنذاك، هو نيسان من العام 2014.

لا أعرف الآن كيف جرى بتّ أمر ذلك المشروع، خاصةً أنّني لم أعد إلى المدينة أو إلى لقاء تلك المرأة بعد ذلك.

لم تكن المرأة تتحرك من مكانها ولا تردد سوى عبارات تعبّر عن عدم قبولها عرض السلطات لها بإخراجها من بيتها مهما كانت السبل والطرق، وكائناً من كان محدثها.

تقول لي بلغة كرديّة لطيفة: لن أخرج من بيتي مرة ثانية، سأموت هنا وليفعلوا ما يشاؤون بعد أن يغطي التراب جسدي المترهل. هذه أرضي، أموت وأحيا هنا، ولو كان "مغتصب" أرضي كرديّاً أو عربيّاً، داعشيّاً أو مسلماً مثلي، لن أخرج، أخبر رئيس الحكومة بذلك.

مغتصب هي كلمة مجازيّة وضعت اجتهاداً هنا والأصل الكردي هو: من يخرجني من بيتي.

أقوال جاهزة

شارك غردلن أخرج من بيتي مرة ثانية وليفعلوا ما يشاؤون بعد أن يغطي التراب جسدي المترهل... تقول أم هوشنك، امرأة من كوباني

شارك غرديقف الأكراد اليوم باحثين عن أنفسهم في دوامة هذا العالم... وأقف معهم قلباً وقالباً في الحل الذي سيختارونه لمستقبلهم

هذه القصة هي مثال جيد عن فكرة مغروسة في رؤوس كثير من كرد هذه البلاد. أذكر حكايات جدتي التي كانت تقصها علينا حين "تقطع الحكومة الكهرباء" فنلتف جميعاً حول المدفأة في شتاء قاسٍ لتخبرنا حكايات تدور حول حب الكردي للأرض وعودته إليها مهما طال الزمن. كانت تقول إنّ الأكراد ظلوا هنا في أرضهم منذ آلاف السنين حتى اليوم رغم كلّ المؤامرات والدسائس والحروب التي شنها العرب والفرس والأتراك عليهم، هكذا تقول جدتي، وهكذا تقول الأسطورة الشعبيّة الكرديّة.

أساطير كرديّة أخرى تتحدث بإسهاب عن مقاتلين أفراد وقفوا في وجه حملات واسعة خلال الحقبتين العثمانيّة والصداميّة - نسبة إلى الديكتاتور العراقي الراحل صدام حسين - أو خلال معارك في كوردستان باكور، كوردستان تركيا، خاضها شبّان أكراد ينتمون إلى حزب الـPKK، ضد مجموعات كبيرة من الجيش التركي على مدار ثلاثين سنة.

لست هنا بصدد سرد أساطير وحكايا يتناقلها الأكراد بل أحاول سرد شيء من الذاكرة الجمعيّة لهذا الشعب، وقول إنّ الكرد يؤمنون باستحالة اقتلاعهم من أرضهم.

في هذه السنوات، يواجه الأكراد لحظة حرجة، ربما تحدد ملامح هوياتهم في المنطقة لسنوات طويلة، قد يأخذون حقوقهم كما باقي شعوب الأرض أو قد يُطمرون في التراب ثانيةً، ويمنع عليهم التحدث باللغة الكرديّة في المدرسة، كما حدث مع أبناء جيلي.

يقف الأكراد اليوم باحثين عن أنفسهم في دوامة هذا العالم.

لست سياسياً لأستشرف المستقبل ولست ملماً في العلاقات الدوليّة لأعرف ما يدور داخل الغرف المغلقة في العواصم الأساسيّة حول هذه المجموعة السكانيّة التي تشارك باقي البشر في العيش على كوكب الأرض.

من السخف قول ذلك، إذ يشعر المرء أحياناً بأنّ عليه أن يذكر الآخرين بالبديهيات الإنسانيّة، لكنني أقف مع حقوق الشعب الكردي كما مع حقوق الشعوب الأخرى في تقرير مصيرها. أقف مع الكرد قلباً وقالباً في الحل الذي سيختارونه لمستقبلهم، لأنّني أشعر بإنسانيتي قبل كلّ شيء. إيماني بمظلوميّة هذا الشعب وحقه في الحريّة والعيش بكرامة نابعٌ من أعماقي تماماً مثل إيماني بالقضيّة الفلسطينيّة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
دلير يوسف

كاتب ومخرج من سوريا، أخرج عدداً من الأفلام السينمائيّة منها: "أمراء النحل" و"منفى" و"بانياس: البدايات" و"حبل غسيل". وله كتاب مطبوع بعنوان "حكايات من هذا الزمن" صدر في العام 2014 من بيروت. مقيم حالياً في برلين- ألمانيا.

كلمات مفتاحية
الأكراد مدونة

التعليقات