السكن في الـ"فواييه": اختلافات بالجملة وشريكات لا يشبهنني إطلاقاً

السكن في الـ"فواييه": اختلافات بالجملة وشريكات لا يشبهنني إطلاقاً

لم تكن أية قواسم مشتركة بيننا. لم نملك درجة العلم والثقافة نفسها، ولا أسلوب حياة واحداً، بل كنا مختلفتين كاختلاف الملح والسكر أو كخطين مستقيمين لا يلتقيان على نقطة، لا في منطق الأمور ولا حتى في ثوابتها.

ثمة فرق شاسع بيننا لكن ما جمعنا باستمرار هو شراكتنا في مساحة صغيرة في الفواييه (سكن خاص للطلاب، أو للطالبات).

قصتي بدأت معهن منذ سنتي الجامعية الثانية، حين انتقلت للسكن على مقربة من جامعتي في صيدا، لأن عائلتي تسكن في قرية بعيدة عن المدينة في جنوب لبنان، وتنقلت بين فواييهاتها وفواييهات بيروت مرات ومرات، حتى تكاد تغيب أسباب هذا التغيير عن ذاكرتي. وفي كل مرة كنت ألتقي فيها شريكة جديدة.

بداية، لم تكن لدي خيارات كثيرة، أفضل الممكن كان الفواييه الذي يقع على مقربة من الجامعة، أما الفتاة التي سأتشارك معها الغرفة أو الإستديو فلم أكن أعلم عنها شيئاً، الأمر كان مقلقاً للغاية. كنت أدعو الله أن لا تكون شريرة، وأحاول إقناع نفسي بألا أبالي، فهناك إمكانية لتبديل الغرفة أو الفواييه، إذ لا خيار أمامي سوى ذلك.

الشريكة المتصبينة

وصلت الى سكني الأول متأخرة عن باقي الفتيات، لم يتسنَّ لي اختيار الغرفة التي تناسبني. في المرة الأولى التي انتقلت فيها من منزلي إلى الفواييه، كنت أعرف واحدة منهن، هي من قرية مجاورة لبلدتي التقيتها مرة في سيارة أجرة وتبادلنا أطراف الحديث، وهي التي أخبرتني عن الشقة وسألتني إذا كنت أريد الانضمام إليهن.

لكن المأساة الحقيقية حدثت حين التقيت شريكتي في الغرفة، كانت فتاة طرابلسية قامتها طويلة قلما تسدل شعرها، ترتدي ثياباً رياضية باستمرار (تيشرت وجينز)، تلعب الباسكيت والفوتبول مع أبناء الحي، وتتناول الكثير من التفاح.

أذكر أني خفت دخول الغرفة وقتذاك، لكني اكتشفت لاحقاً أنها تملك قلباً طيباً وأني محظوظة بهذه الشريكة، فهي قليلة الكلام لا تملك سوى القليل من المقتنيات، ولا تجلس كثيراً أمام المرآة ولا حتى في الغرفة، ومن المستحيل أن أجدها منشغلة بأشياء تخص الفتيات مثلي، فلم أتخيلها يوماً تضع طلاء الأظافر مثلاً.

الشريكة المحافظة

بعدها تدرجت في انتقاء المكان، "يجب أن يكون لائقاً، بناءً جديداً وواسعاً، ذا أثاث جميل ويُفضل أن تكون فيه غرفة لوحدي"، لكن لمرات قليلة فقط حالفني الحظ في ذلك، إذ كان "الفواييه" في أكثر المرات شقة بعدد كبير من الغرف، وفي بعض الأحيان إستديو مع إحدى الفتيات.

انتقلت بعد بضعة أشهر إلى منزل جديد وأقمت في غرفة مستقلة. أصبح لي فيه صديقتان جميلتان، ما زلت على تواصل معهما، هما من قريتين مجاورتين لقريتي، كانتا مختلفتين جداً عني، لا تسمعان الموسيقى ولا تفكران يوماً بالذهاب إلى الجيم أو السينما أو ارتداء ملابس مودرن، قدمتا من بيئة محافظة جداً وترتديان الحجاب وثوباً شرعياً.

رغم الملل الذي رافقني حينذاك، كنت أعيش معهما بسلام.

الشريكة المغرورة

ثم انتقلت الى بيروت، وفيها تنقلت بين الكثير من الفواييهات لا سيما تلك القريبة من مكان عملي، وليس من جامعتي.

صادفت الكثير من الفتيات، وشاركت كثيراً منهن نفس الغرفة، أسوأهن كانت من ترفض ترتيب أغراضها وتتركها مبعثرة أكثر الأوقات، لا تكترث لنظافة المكان وكثيرة الضجة والإزعاج.

التقيت واحدة منهن، في إحدى الشقق التي سكنتها أنا وصديقتي وهي، كان لكل واحدة منا غرفة مستقلة. كانت في بداية مشوارها الإعلامي، تعتبر أن الأعمال المنزلية كمسح الغبار مثلاً يقلل من شأنها، ولا تتردد في إظهار ذلك، إذ قالتها مرات "كيف لأحد مثلي تنظيف الأشياء".

"يا لغرابة الناس" قلتها مراراً وأنا أفكر في تصرفاتها وأفكارها العجيبة.

أقوال جاهزة

شارك غردلا أحتاج لأحد أن يشاركني في مساحة تخصني، أريد أن أقضي وقتي بمفردي، مع نفسي بدون أي إزعاج ولا تطفل ولا تساؤلات

شارك غردتستيقظ عند منتصف الليل للسهر مع أصدقائها، وتوقظ معها جميع من في الطابق على صوت الموسيقى التي ترافق تبرجها وهي تختار ملابسها وواحداً من الأحذية التي تفترشها وسط الغرفة، لتعود بعدها عند الـ5 فجراً.. نعم هذا هو المعنى الحقيقي لأن تتذوق الجحيم في حياتك.

الشريكة المحبة

ومن ثم التقيت ناتي أو ناتو كما أحببت مناداتها دائماً، إبنة طرابلس الجميلة، اللبقة، والمسؤولة.

أتت لتكمل دراساتها العليا في إحدى جامعات بيروت، وفي الوقت نفسه راحت تبحث عن فرصة عمل تساهم من خلالها في دفع أقساط الجامعة بدلاً من أبيها.

لم نختلف يوماً على أي تفصيل صغير، كنا صديقتين بامتياز، لم تكن تشبهني، لكنها كانت ذات أخلاق حسنة، وشعرت بالأسى حين عادت إلى عائلتها لقضاء الإجازة الصيفية في طرابلس.

الشريكة النادلة

وقتذاك، قررت صاحبة الفواييه استبدال ناتو بإحدى الفتيات، سمعت قبل أن أتعرف إليها أنها تنقلت بين غرف كثيرة لأن أحداً لم يتمكن من التأقلم معها.

وأنا أيضاً كنت كذلك، كان من الصعب جداً التعايش مع فتاة غير منظمة ولا تفقه معنى مصطلح ترتيب، ليس ترتيب أشيائها وحسب، بل أيضاً أوقاتها وكامل تفاصيل حياتها، إذ يمكن أن تستيقظ عند منتصف الليل للسهر مع أصدقائها، وتوقظ معها جميع من في الطابق على صوت الموسيقى المرتفعة التي ترافق تبرجها وهي تختار الملابس المناسبة وواحداً من الأحذية التي تفترشها وسط الغرفة، لتعود بعدها عند الخامسة فجراً ثم تستيقظ عند الساعة السابعة صباحاً لتنصرف الى عملها كنادلة في إحدى كافيهات الروشة.

نعم هذا هو المعنى الحقيقي لأن تتذوق الجحيم في حياتك.

حقيقة... لا أمل

ولم تكن الفتاة التي التقيتها في السكن الجديد أفضل منها، إذ كانت على رغم بساطتها تجعل الحياة معقدة أكثر بكثير مما نعتقد، فلم تكن تنتهي من طرح الأسئلة الساذجة التي لا تخطر على بال عاقل، وطرح أسئلة وجودية، ليس لكثير منها أية أجوبة كما أن العلماء عجزوا عن تفسيرها أصلاً.

وأخيراً انتقلت إلى مكان فيه بعض من الأشياء التي تروقني، منزل صغير وحديقة في الأشرفية التي أحب، لكن الفرحة لم تكتمل. أعتقد أن سبب تنقلي الدائم هو شريكاتي في السكن وليس السكن نفسه، وهذه أصل المشكلة، أو لعلها أشياء لا أملك تفسيراً لها.

حاولت مرة العيش عند أحد أقارب والدتي ولم أتحمل البقاء لديه أكثر من شهر، عرفت حينذاك أن الاختلاف بيني وبين شريكة في السكن أفضل بكثير من العيش مع أقرباء كثر وجميعهم مختلفون عني.

أما اليوم فإنني أبحث عن مكان لا أجد فيه من يشبهني، مكان أكون فيه بمفردي، لا أحتاج لأحد أن يشاركني في مساحة تخصني، أريد أن أقضي وقتي بمفردي، مع نفسي بدون أي إزعاج ولا تطفل ولا تساؤلات. لكن كيف سيكون ذلك في ظل البؤس الكبير الذي نعيشه في بيروت؟ ربما بات من الأفضل أن يكون هذا الأمر من أولوياتي.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات