"الفتيات الفلسطينيات جميلات عندما يتمردن على الأب ويكسرن إبر التطريز فوق جبال عجلون"

"الفتيات الفلسطينيات جميلات عندما يتمردن على الأب ويكسرن إبر التطريز فوق جبال عجلون"

لم نختر الحياة التي وُلِدنا فيها، لم نُصمّم الكون الذي نعيش فيه، لم نختر آباءنا، وسائر الأشياء التي سيفرضونها علينا لاحقاً- اللغة، الدين، الوطن، التقاليد- لم نختر ظروفَنا الاجتماعية التي تواجهنا، ووضعنا الاقتصادي الذي نعاينه ونعانيه.

لم نختر أن نكون أمريكيين، ننتمي لدولة رفاهيتها مُكتسبة من تدمير أجزاء كبيرة من العالم، وإفقار شعوبها، ونهب ثرواتها، لم نختر أن نكون مصريين، في بلد "فاتحة رجليها"، بتعبير الشاعر نجيب سرور، ينفذ اقتصاديوها شروط البنك الدولي المفقرة، واستراتيجيوها التعاون مع "كيان محتل" و "كوينات مصطنعة"، ومشايخها تقاليد الصحراء، وفرض قيمها المقفرة على شعب حضارة الثلاثة آلاف عام.

لم نختر أن نكون فلسطينيين في بلاد رافضة أن تزول مثل الهنود الحمر، وغير قادرة على الاستقلال كدول العالم الثالث.

لم نختر أن نكون بشراً، لسنا حيوانات تعيش لحظتها بلا ماضٍ ولا مستقبل، لا تعيش سوى مرة واحدة، ولسنا نباتات مؤمنة ومستسلمة بفطرتها وطبيعتها للجينات، ليس مطلوب منها شيء أكثر من ذلك، ولا أقل من ذلك؛ لتعيش وتُزهر وتزدهر، ولسنا صخوراً تحتضن بدهاء رقصة الكويركات الساحرة الساخرة من الحياة نفسها.

ولكننا لدينا شيء مختلف، حتى لو لم نتحمل مسؤوليته، هو الوعي المتجسد في الاختيار، نحن أحرار في استجاباتنا لكل تلك الظروف التي دُفعنا إليها، ومن بين تلك الاستجابات، تظل المقاومة هي الأغنى والأثرى وإن كان لشيء يمكن أن يعرف الإنسان، بأفضل احتمالاته، فهو المقاومة.

الوعي مقاومة

من الأشياء الرائعة التي زُودنا بها كبشر، الوعي، وتنظيم الواقع العبثي أفكاراً وتصورات حتى يمكننا التعامل معه، يتعلم الطفل حروفاً وكلمات، عادات أخلاقية هذا يجوز وهذا عيب، وهو أول فعل من أفعال المقاومة للوعي نتعلمه منذ براءتنا.

يقول العلم التطوري إن كل ما نتخيله أو نعرفه ونعتقد به، علمياً كان أم أسطورياً لا علاقة له بالواقع، مدفوعين دائماً برغبتنا في البقاء، وخوفنا من الموت- هو ما يشكل حواسنا الإدراكية.

وذهب المؤمنون بنظرية الماتريكس إلى مدى أبعد قد يكون جنونياً للمتعايشين مع الأفكار القديمة الموروثة منذ آلاف السنين، فقد كشفوا عبثية قوانين الفيزياء من التفسيرات الميكانيكية إلى الكوانتم. هذه المعرفة مكنتنا من محاربة أمراض كادت تفتك بالجنس البشري، فسهلت التنقلات، وزادت من الإنتاجية، ولكن الواقع شيء مختلف، قد يكون مجرد بيانات أصفار وآحاد مثل العالم الرقمي.

لم نختر أن نكون مصريين، في بلد فاتحة رجليها، بتعبير نجيب سرور، ينفذ اقتصاديوها شروط البنك الدولي المفقرة

الخوف من الموت، الإيثار، الغريزة الجنسية، الانتماء- الأسري والوطني والديني- بحسب ريتشارد دوكنز في كتابه "الجين الأناني" هي وغيرها مجموعة أخلاقيات تهدف إلى مقاومة الموت والفناء، وإبقاء الإنسان حياً، بالتكاثر، والاستمرار في الحياة.

ولكن للوعي جانباً مظلماً أيضاً، تدميري، غرائز الموت، كما يسميها فرويد، تدفع البعض منا لتسخير الوعي والذكاء البشري لأغراض عنصرية وشخصية واستبدادية، تفقر الناس وتذلهم حتى تسيطر عليهم، تفجر نفسك فيك وفيهم لتدخل الجنة.

المقاومة اختيار

يحلل مصطفى حجازي في كتابه "مدخل إلى سايكولوجية الإنسان المقهور"  كيف يُمسَخ وعي الإنسان في الدول الفقيرة المستبدة، وكيف يُقتَل إدراكُه المنطقي والسليم للأمور، وإن احتفظ به يتحول إلى عبء نفسي واجتماعي حيث الإيمان بالغيبيات والقدر محل تدبر معطيات الواقع والأسباب المنطقية، و"طغيان الانفعالات ونكوص العقل" حالة عقلية ملازمة للأزمات التي نتعرض لها.

ولاحظ أن "قصور منهجية التفكير" تتناسب بشدة مع درجة القهر المفروضة، ويتحول الحوار الهادئ العقلاني بين الناس إلى حالة عبث وصراخ، ويلجأ المقهور للهروب من الواقع بغية تحقيق نوع من التوازن، ويتحول الإيمان الحقيقي بالأفكار وتبني المواقف الجادة إلى حالة استعراضية مستميتة في تمسكها بالشكليات.

وتسود الأغاني الحزينة التي تندب جَور الزمان على الموسيقى المحتفية بالحياة، والاحتيال على الأمانة، والنكتة التي تحول الواقع المرير إلى حالة ساخرة لتجاوز الألم الناجم عن وعينا بها، والمرأة إلى أداة عرض، وتسود بدلاً من مقاومة المعتدي المحلي "الزعيم المستبد" حالة "التماهي بالمعتدي" المحلي والأجنبي في تقليد طريقة كلامهما، وأسلوب معيشتهما، وتسود الأشكال السادية- التلذذ بإيذاء الغير-  والمازوشية- الاستمتاع بإيلام النفس- أشكال العلاقات الأسرية والعاطفية والإنسانية.

استخدام الخرافة كمقاومة

فالنخب العلمانية في الدول النامية التي تتبنى أكثر الأفكار تقدماً، يجدون أنفسهم منفصلين عن الواقع البائس، وأفكارهم غير محركة أو محفزة لقطاعات عريضة من الناس، حتى ولو للتغيير والمقاومة مثل الحركات التي تستلهم الأفكار الخرافية في مقاومة الفساد والاستبداد المحلي.

كان للكنيسة في دول أمريكا الجنوبية دور اجتماعي في مقاومة الظلم والاستعباد، وكذلك كان للنسخة الشيعية من الإسلام دور في مقاومة إسرائيل في جنوب لبنان، والحراك السياسي ضد الفساد الذي تزعمه مشيخة دينية "مقتضى الصدر" في العراق.

ومن بين جميع أشكال المقاومة التي يقوم بها الإنسان- مقاومة العبث بالإيمان، والفوضى بالنظريات الفيزيائية لتطويع الواقع لأغراض بقائنا وتحسين نوعية حياتنا، ومقاومة الفساد والاستبداد بالأنشطة السلمية أحياناً والمسلحة أحياناً أخرى- تظل فلسطين قضية "رمزية" لكل المقاومين من علماء وفنانين قبل أن يكونوا نشطاء وسياسيين.

هل الأمر واضح؟

بالطبع هذا الربط غير واضح، ويبدو للكثيرين تعسفاً وافتراضاً. فالنظم التي تخدم غرائز الموت جزّأت الحياة وصنفتها. النظام التعليمي يؤهلك فقط لتكون متخصصاً في شيء، تتعامل معه باحترافية، وتنتظر التقدير الذي في الغالب تتحكم فيه تلك النظم. فتبدو النظريات الفيزيائية المقاومة لعبث الوجود في وادِ، والمقاومة المسلحة للكيان المحتل في وادٍ آخر، ولكن يدهشنا الأشخاص المقاومون حقاً، ويذكروننا دائماً بأنه لا فصل.

الفيزياء تقاوم إسرائيل

لعل في اختيارات ستيف هوكينج عالم الفيزياء المعروف الذي حاول في مشواره المهني أن يقدم تفسيراً "دينياً" مستمداً من كشوفات الفيزياء، وأحمد زويل الحائز جائزة نوبل ومكتشف "الفيمتو ثانية" قد تضعنا مباشرة في صلب الموضوع.

قرر ستيف هوكينج، الذي ينتمي إلى دولة استعمارية أهدت فلسطين إلى إسرائيل، مقاطعة مؤتمر الرئيس الإسرائيلي عام 2013، وكانت رسالته واضحة لا لبس فيها "بُناءاً على مطالب الأكاديميين الفلسطينيين".

لم نختر أن نكون فلسطينيين في بلاد رافضة أن تزول مثل الهنود الحمر، غير قادرة على الاستقلال

سرعان ما عزت إسرائيل عدم حضور هوكينج لأسباب صحية، ولكن العالم البريطاني ردّ بأنه إذا حضر فسيستغل المناسبة لانتقاد سياسة إسرائيل حيال الفلسطينيين.

ما يغضب إسرائيل في مقاطعة هوكينج، بحسب تقرير صحيفة "الجارديان" البريطانية، هو أن هذا الرفض من عالم مشهور في العلم والتكنولوجيا الذي يقود اقتصادها، ويهدد قرار هوكينج بفتح باب لغيره من العلماء الذين قد يعاملون إسرائيل باعتبارها دولة منبوذة، وهو الأمر الذي يدفعها دائماً لحماية علاقاتها البحثية مع العلماء الأوروبيين والأمريكيين.

عِلم إسرائيل ليس مصدر فخر وابتكار تكنولوجي فقط بل هو أساس قوتها العسكرية، تعلق "الجارديان" على موقف هوكينج، لقد كان مهندساً إسرائيلياً الذي طور الطائرات بدون طيار التي توظفها الولايات المتحدة في عمليات كثيرة، والأسلحة الكيميائية الإسرائيلية المنتجة محلياً تتطابق إلى حد كبير مع نظيرتها المستخدمة في سوريا، وتوفر الجامعات الاسرائيلية بشكل كافٍ لـ"جيش إسرائيل" الأساليب الاجتماعية والنفسية والتكنولوجية التي يستخدمها لقمع الاحتجاجات الفلسطينية ضد الاحتلال، أو إشباع غرائز الموت بحسب رؤية فرويد.

في مثل هذه النشاطات العلمية الموظفة لأغراض عسكرية غير نظيفة، شارك علماء آخرون، بالإضافة إلى هوكينج، وأقرت إسرائيل بجميلهم عليها، وهو ما حدث مع العالم أحمد زويل، الذي ينتمي إلى بلد استنزف اقتصادها وشبابها احتلال إسرائيل، الحائز جائزة "وول برايز" الإسرائيلية 1993 وسلمها له الرئيس الإسرائيلي حاييم وايزمان في الكنيست، وبحسب مراقبين كان ذلك تمهيداً لنيله جائزة نوبل، وذلك بعد أن ألقى محاضرات في جامعات إسرائيلية، وأعد أبحاثاً مع خبراء في الجيش الإسرائيلي لتطوير منظومة صواريخ باستخدام الليزر.

نعى أفيخاي أدرعي المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي العالم المصري، ورأى أن زويل "نموذج لبطل" قدم إنجازات "عظيمة" للبشرية، واعتبره "مثلاً وقدوة" للأجيال، وقارنه بمن يعتبرهم العالم العربي أبطالاً وهم إرهابيون، في إشارة إلى المقاومة المسلحة لحماس وحزب الله، وقال: "كونوا أبطالاً مثل أحمد زويل لا مثل الإرهابيين القتلة".

يمثل زويل جيلاً من العرب الذين يرفعون رايات "السلام" مع إسرائيل سعياً للحصول على الاعتراف الدولي بإنجازاتهم الإبداعية والفكرية والعلمية، ليس ذلك فقط، فهو يمثل نمطاً اجتماعياً للمصريين "المحترفين" الطموحين، أو أفراد الشعوب المقهورة التي تتماهى مع "المعتدي" بحسب رؤية مصطفى حجازي، وترفع شأن التخصص وراية "العلم لا وطن له" كما كان يردد دائماً زويل.

أتأمل في عيني العالم "المحترف" زويل اللامعتين، وبذلته الأنيقة، وتفاخره بإنجازه، على فيديو بـ"يوتيوب"، فأرى تلك الصورة الزاهية الملهمة التي رسمها في خيالنا الأديب الفرنسي المتمرد رينيه جينيه عن المسلحين العرب المقاومين لإسرائيل أثناء ارتكاب مذابح صبرا وشاتيلا.

حلاوة الروح وجمال الشكل

فلنقرأ كلمات جينيه في وصف المقاومين العرب لإسرائيل، وليعيد أبناء جيلي ذاكرته في المقاومة السلمية لنظام مبارك في ميدان التحرير، يقول جينيه رابطاً بين التمرد الاجتماعي ومقاومة الإسرائيلي المحتل: "أما عن النساء وجمالهن...كانت النساء الفلسطينيات يبدين قادرات على مساندة المقاومة، وتقبُّل التجديدات التي تحملها الثورة. كُنَّ قد عصين العادات: نظرة مباشرة مساندة لنظرة الرجال، رفض للحجاب، شعورهن مرئية، وأحياناً مكشوفة تماماً، أصوات من دون تصدُّع".

ويقول: "الفتيات الفلسطينيات يصبحن جد جميلات عندما يتمردن على الأب، ويكسرن إبر التطريز ومقصاته فوق جبال عجلون والسلط وإربد".

"إن التأكيد على وجود جمالٍ خاص بالثوريين يطرح صعوبات كثيرة. من المعلوم ـ من المفترض ـ ان الأولاد الصغار، أو المراهقين، يعيشون في أوساط  قاسية، ولديهم جمال في الوجه والجسد والحركة والنظرات، يقرب كثيراً من جمال الفدائيين. وقد يكون تفسير ذلك هو الآتي: برفضهم للأوامر، والقيود العتيقة، أخذت حرية جديدة تشق طريقها عبر الجلود الميتة، وسيجد الآباء والجدود مشقة في إطفاء بريق العيون، وكهرباء الجباه، وحبور الدم في النسوغ".

قد يكون جينيه شاعرياً في نظرته لجمال المقاومين، ولكن ما توصل إليه العلم في تأثير قراراتنا ومواقفنا على بنية خلايانا التي تشكل أجسامنا قد يكون أكثر شاعرية.

تقول ديبي هامبتون، محررة "هافنجتون بوست" في المجال السايكولوجي، إن ما تفكر فيه هو حدث كهروكيميائي، يقع في الخلايا العصبية ويُطلق تدفقاً من التغيرات النفسية تؤثر في تشكيل خلايا جسدك جميعا.

علمياً، تقول الكاتبة: هناك آلاف من المستقبلات في كل خلية في جسمنا، كل مستقبل خاص ببيتيد أو بروتين واحد، وعندما تنتابنا مشاعر غضب أو حزن أو سعادة، يطلق كل شعور منفصل سيلاً من نيوروببتيدات، التي بدورها تندفع عبر الجسم كله، وتتصل بالمستقبلات في الخلايا، التي تغير بنية كل خلية بشكل عام، وكل شهرين تقريباً تتغير خلايانا بالكامل.

الخلايا التي تتعرض أكثر لهذا التفاعل هي التي تنقسم، وإذا تعرضت الخلية لببتيد معين أكثر من غيره فستصبح لديها مستقبلات تتطابق مع هذا البيبتيد، والتي تتعرض أقل يكون مستقبلاتها لهذا البيبتيد أقل.

مشاعر الغضب النبيل، والكبرياء، الشعور بالحميمية مع الآخرين الغرباء، السعي لتوكيد حريتنا واختياراتنا، مقاومة كل أشكال التفرقة، والقمع والاستبداد والفساد، أي ببيتيدات تطلقها عقولنا في تلك اللحظات، وأي خلايا تنقسم وتعيد تشكيل نفسها.

بالنسبة لي، هذه الحيوية، والكهرباء، والبريق الذي تحدث عنه جينيه عن المقاومين في مخيمات جنوب لبنان، وأبصرته في عيون وأجساد الشباب والفتيات الثائرين في 25 يناير بميدان التحرير ضد استبداد مبارك، هذه كلها عناصر هي نقيض لـ "الكهرباء" و"البريق" القابعين في عيون الناس الغارقين في يوميات الحياة الرأسمالية المملة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات