لم نكتب بوستات فى حب ميت لا يسمعنا؟

لم نكتب بوستات فى حب ميت لا يسمعنا؟

مدون مصر

تجلس أمام الكمبيوتر تتأمل تلك الملامح التي تمتلئ طيبةً دافئة، تريد أن تكتب كلمة لمن رحل.

الرجل الأخير كان الروائي مكاوي سعيد، أحد أعلام القاهرة، أحد رموز بهجتها.

الرجل الذي ارتبط اسمه بمقهى زهرة البستان الثقافي، على كرسي بلاستيك في "القهوة" أمضى حياته يحب الجميع ويلتقط تفاصيل الأشخاص ليكونوا أبطال قصصه. تتساءل هل يسمعني وهو تحت التراب؟

هل يدرك اليوم ماذا زرع في نفسي عبر مقابلات صحافية عدة معه، ثم متابعة عملي الصحافي واحتفائه به.

تكتب، تقرأ ذكريات كثيرة لكثرٍ معه، تشعر بقسوة الموت، بالفقدان، تهرب إلى ذاتها تخبرها لا بد من زرع الحب لكي نجني ثماره من فاكهة الذكريات الطيبة، تتذكر تجارب الخذلان، ترمي بمعطف يمتلئ أشخاصاً إلى خارجها تقرر البصق عليهم، ومعاودة الحنين لمن رحلوا.

تقول ودمعة تقف في عينها هل يدرك من قابلتهم يوماً ما صنعوا بي؟

هل يدرك أسامة أنور عكاشة أنه خلق لابنة الريف طموحاً للقفز إلى وسط المدينة لكي تعمل في مهنة عمرها؟

هل يدرك سيد حجاب ما فعل بي حين استقبلني في بيته وأعطاني درساً قصيراً مفاده أنه وزوجته يتبادلان الحب بالصمت؟

كثيرون تركوا لي أفعالاً طيبة ورحلوا. يوم رحيل مكاوي سعيد، قلت لزوجي كنت أحب هذا الرجل، لم أكن أخجل من ذكر كلمة أحب وترديدها على مسمع زوجي، كنت أقف اليوم على معنى الفعل الطيب، على معنى البسمة التي يستقبلك بها، على معنى دافئ كنت تشعر به وأنت تجلس معه، كنت أظن أن الحياة تضحك معه على الرغم من نظرات عينه الحزينة واختياره "القهوة" مكاناً لحياته، لا مكاناً لبعض الوقت كما يفعل كثرٌ منا.

أشعر بأن قلبي يؤلمني، شعرت بالخوف على أمي المريضة، أخشى سيناريو رحيلها، تألمت لانشغالي عن أحبابي من أصدقاء وزملاء وأقارب، أشعر بأن عجلات قطار ترقد على رأسي يومياً، إنها الطاحونة اليومية التي نعمل بها ونطلق عليها مجازاً كلمة مختصرة هي الصحافة.

الصحافة التي تتغذى على أعصابنا، تقفز على مخططنا الحياتي للركض وراء أخبار وتحقيقات صحافية، ننسى مشاعرنا، ننسى من نحبهم ولا ندرك الوقت الذي يفصل بيننا، هل هو ثوانٍ دقائق، ساعات، شهور، سنوات؟

أقوال جاهزة

شارك غردنكتب على فايسبوك لميت... هل يسمعكم مكاوي سعيد؟

شارك غردننسى من نحبهم ولا ندرك الوقت الذي يفصل بيننا، هل هو ثوانٍ دقائق، ساعات، شهور، سنوات؟

لا داعي لمزيد من الوقت قبل أن يصدمنا فعل الموت وينهشنا من الداخل، قبل أن يذكرنا بالإمساك بأيدي من نحبهم، قبل أن نكتب سطوراً من ذكرياتنا في حق ميت، فهل من ضرورة للموت لنعلن له حبنا؟

في صفحته، أشاهد شاباً يتصور معه ويمسك بين يديه بروايته "أن تحبك جيهان"، كتب له "فراقك صعب هتوحشني صحبتك وابتسامتك. اكتفت فتاة أخرى بالقول: "بحبك".

هل هذا الدخان الذي يملأ أنفاسي من صدى لهيب موتك الخاطف، أم بكاء على خسارة كل جميل مثلك، نعم كنت خفيفاً، خاطفاً، مفاجئاً، سريعاً، ذكياً، ابن نكتة، بسيطاً في كلماتك عميقاً في ثقافتك، رحيماً بالفقراء الذين تلحظ نحيبهم من الفقر والعوز.

تشغلك قضية أطفال الشوارع، تصادقهم، تراهم في ميدان الثورة، تريد أن تحكي عن الثورة التي خرجت إلى النور بعيون طفل شارع، ليس له أي مطالب فئوية، فقط هو باحث عن الأنوار الساطعة وسماع الأغاني في ميدان 25 يناير، من يلاحظ وسط الزحام طفلاً بجوار ظلال عمود كان يختبئ من برودة المجتمع من وحشية الحياة من حوله، عينك وحدها كانت تتابعه، تجري خلفه.

أتعرف لماذا؟ لأنك عشت طفلاً يبحث عن الحرية دائماً، لذلك فضلت الشارع وابتعدت برغبتك من المجالس الرسمية للثقافة بترفها وزيفها.

حبيبي يا مكاوي مش مصدقة ولا هصدق إنك سبتني، كل مرة كان بيحصلي فيها حاجة وحشة كنت بجري عليك عشان أعيطلك وأنت تطبطب عليا، مش مصدقة أنك مش هطبطب عليا تاني، ولا مصدقة أنهم بيقولوا عليك "الله يرحمه".

كلماتك عن نفسك ترن في أذني توقظ صوتك الذي رحل: "أنا من الهامش ومتسق تماماً مع عالمي وأصدقائي ومن أكتب عنهم... ولن أكتب عمن لا أعرفه... ولن أكتب كوجاهة اجتماعية... ولن أكتب كي أدعي أنني من طبقات أعلى...الكتابة عن المهمشين هي بمثابة كتابة عن أهلي وهي التي أوصلتني إلى ما أنا فيه... ولن أتخلى عنهم ولا عن الكتابة عن أحلامهم وأوجاعهم. المثقفون مهمشون تماماً في الوطن العربي كله... لأننا مجتمعات غير مثقفة. لذا، فهم يخاصمون الثقافة ويكنون لها العداء... وحتى الساسة عندما يحتاجون المثقف يتزلفون له وعندما يستتب لهم الأمر ينسونه ويتمنون لو أنه يختفي".

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
هانم الشربيني

صحافية مصرية ومعدة برامج تليفزيونية، لها عدد من القصص الأدبية المنشورة بموقع ثقافات،كما كتبت عدد من الأفلام الوثائقية الحائزة على جوائز دولية.

التعليقات