ليندا صرصور: ناشطة "نسوية" لسلب حقوق المرأة؟

ليندا صرصور: ناشطة "نسوية" لسلب حقوق المرأة؟

شكّل رفع الحظر عن قيادة النساء للسيارات قبل أشهر لحظة تاريخية، ليس فقط للناشطين والناشطات في السعودية، الذين لولا إصرارهم وتضحياتهم (المؤلمة في كثير من الأحيان) في العقود الأخيرة لما أبصر المرسوم الملكي النور، لكن أيضاً بالنسبة لملايين من النساء المضطهدات على امتداد العالم الإسلامي.

على الرغم من النزاع المحتدم بين القطبين المسلمين، توقع البعض أن تبلغ ارتدادات القرار السعودي الشواطئ المقابلة، تاركةً أثراً قوياً في تعزيز زخم حركة "الأربعاء الأبيض" في إيران التي تدعو الرجال والنساء إلى ارتداء أغطية رأس أو قطع من الملابس بيضاء اللون في يوم الأربعاء من كل أسبوع من باب الاحتجاج الرمزي على فرض نمط لباس معيّن على النساء عقب ثورة عام 1979.

كذلك توقع البعض أن تتجه رياح التغيير شمالاً حتى تصل إلى بغداد، المدينة التي أبصرتُ النور فيها، والتي نزل عدد لا بأس به من فتياتها إلى الشارع في شهر فبراير المنصرم لقيادة عجلاتهن الهوائية، وهن في بناطيل الجينز الزرقاء، في الوقت الذي عجّ البرلمان العراقي بالنائبات المتلفعات بالعباءات السوداء.

وقد صرّحت واحدة من المتظاهرات الجسورات لوسائل الإعلام بأنها لا تطالب بأكثر مما كانت والدتها وجدتها تعتبرانه حقاً من حقوقهما المسلّم بها، قبل أن يبدأ البلد انحداره المروّع إلى هاوية بلا قرار من القبلية المقيتة والطائفية.

مبادرات كتلك كانت ستُستقبل بحفاوة عارمة وتهليل صاخب من قبل الأوساط الليبرالية في الولايات المتحدة لو أنها حدثت قبل سنوات قليلة فقط. لكن ردة الفعل تجاهها هذه المرة جاءت فاترة ولم يحظ أصحابها بأي دعم يُذكر. فالليبراليون الأمريكيون كانوا قد غيّروا نهجهم وسياساتهم واختاروا الاصطفاف مع أجندة مختلفة تماماً لمواجهة دونالد ترامب.

فما إن أعلن الرئيس الجديد قراره السيئ الذكر والقاضي بحظر استقبال اللاجئين والمسافرين من حملة جنسيات عدد من الدول ذات الغالبية المسلمة، حتى أدرك مناوئوه المتربّصون أن فرصة ثمينة للإيقاع به قد حانت.

أقوال جاهزة

شارك غردلا شك في أن غزل الليبراليين البراغماتي لليندا صرصور قد شدّ أزرها ومنحها شهرة واسعة حتى كدنا نفتقد أصوات النسويات الداعيات للإصلاح والمطالبات بالمساواة بين الجنسين في العالم الإسلامي

شارك غردجرى تقديم ليندا صرصور للرأي العام كناشطة في الدفاع عن الحقوق المدنية وعن حقوق النساء أيضاً، مما ألحق الأذى بمسعى الحركات النسوية "الحقيقية" من خلال التلميح إلى أن الفتيات المسلمات سعيدات باعتبارهن أقل شأناً من الرجال

بحثت أمريكا على عجل عن شخصية مسلمة لاحتضانها وأخذ صورة معها كي ترفعها لاحقاً على سناب شات أو انستغرام وتغيظ بها الرئيس. لم تكن تعنيهم اقتناعات تلك الشخصية أو المبادئ التي تؤمن بها، إذ كل ما حرصوا عليه هو أن تكون ذات مظهر إسلامي وخطاب إسلامي، وأن يكون صوتها عالياً أيضاً.

ذلك ما توفّر على نحو جلي في ليندا صرصور التي ألقت خطبة شهيرة بمناسبة "المسيرة الوطنية للنساء" في شهر يناير، وجاء صراخها مدوياً جعل سماعتَيْ هاتفي النقّال تهتزّان وتصدران صريراً مزعجاً.

عرّفت ليندا الحشد الغفير نفسها بأنها "فلسطينية/أمريكية، وُلِدت ونشأت في بروكلين، ولا تعتذر عن أيّ من ذلك"... أعقب الخطبة الرنانة قيامها بجولة على الجامعات المرموقة في الولايات المتحدة وظهورها على شاشات المحطات التلفزيونية واحتلال صورها صفحات أبرز المجلات والصحف.

علماً أن الحملة الإعلامية الضخمة لم تقتصر على تغطية آراء السيدة صرصور ومشاركاتها في المناظرات السياسية المحتدمة، بل امتدّت لتشمل عروضاً جانبية عن فضائل "الشريعة الإسلامية" وملاءمتها للحياة المعاصرة وفق تفسيرها الخاص لمفردة "الشريعة" التي يكتنفها كثير من الاختلاف والضبابية.

وكانت طريقة إعداد والدة ليندا وجبة "المقلوبة" من الأمور التي قدمها آل صرصور  لقراء جريدة "النيويورك تايمز"، لكن حدود المشاركة لم تقف عند ذلك. فقد حرصت ليندا (التي تزوجت وفق الطريقة التقليدية وهي في السابعة عشرة من العمر) على الدفاع عن عُرف الزواج الذي يدبره الأهل حتى للفتيات المسلمات المقيمات في المجتمعات الغربية، كما أيّدت منع المرأة من قيادة السيارة لأنها لا تجد في الأمر أي تمييز أو ظلم ما دامت النساء يحصلن على رواتبهن كاملةً خلال إجازة الأمومة.

ليس صعباً تفهّم تزايد الدعوات المطالبة بإقالة دونالد ترامب من منصبه، فالرجل قد تسبب بعدد كبير من المشاكل الداخلية والخارجية، لكن ترداد صرصور المستمر لآرائها الرجعية يضع صدقية حلفائها من الليبراليين على المحك، خصوصاً عندما جرى تقديمها للرأي العام ناشطةً في الدفاع عن الحقوق المدنية وفي أحيان كثيرة عن حقوق النساء أيضاً، مما يلحق الأذى بمسعى الحركات النسوية "الحقيقية" من خلال التلميح إلى أن الفتيات المسلمات سعيدات باعتبارهن أقل شأناً من الرجال ومعاملتهن وفق ذلك المعيار في مجتمعاتهن. وهن، في الواقع، لسن سعيدات بذلك على الإطلاق.

عندما أجريتُ بحثاً سريعاً باللغة العربية على تويتر، توفّرت لديّ قائمة طويلة من النتائج تضمّنت اتهامات عديدة لصرصور بكونها بوق دعاية للأخوان المسلمين و/أو حماس، تلك كانت آراء فتيات مسلمات متعلّمات مثلها، لكنهن يرفضن أن تُسلب إرادتهن باسم “الدين".

لا شك في أن غزل الليبراليين البراغماتي لليندا صرصور قد شدّ أزرها ومنحها شهرة واسعة حتى كدنا نفتقد أصوات النسويات الداعيات للإصلاح والمطالبات بالمساواة بين الجنسين في العالم الإسلامي مثل نوال السعداوي وارشاد مانجي والمؤلفة والناشطة آيان هيرسي علي (صومالية المولد وهولندية/أمريكية الجنسية) التي ألغيت جولتها إلى أستراليا ونيوزلندا أخيراً بذريعة "وجود مخاوف أمنية من بين عدة أسباب أخرى”.

لا أوافق هيرسي علي على نهجها التصادمي الحاد، لكنني أحترم وجهة نظرها وسعيها الدؤوب لتحقيق الإصلاح، كما كنت مهتماً بحضور ندوتها وسماع تفاصيل تجربتها الحياتية القاسية والرحلة التي أفضت بها إلى إعلان التمرّد على المؤسسات الدينية.

عندما سمعت نبأ إلغاء الحدث في اللحظة الأخيرة، أصبت بخيبة أمل، لكنني لم أُفاجأ، فمن يدري، ربما يعلن المنظمون قريباً عن جولة ترويجية لليندا صرصور تحملها إلى شواطئ أوكلاند البعيدة.

المقالة مترجمة عن النص الأصلي لعلي شاكر المنشور في صحيفة Dominion Post النيوزلندية.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
علي شاكر

مهندس معماري عراقي نيوزلندي. مؤلف كتاب A Muslim on the Bridge ورواية "كافيه فيروز" وكتاب "صدام وأنا ومتلازمة ستوكهولم" (2018). نشر العديد من المقالات في العالم العربي والولايات المتحدة وبريطانيا ونيوزلندا حيث يحمل عضوية اتحاد كتابها.

التعليقات