تفاصيل من حياة الملا محمد

تفاصيل من حياة الملا محمد

أتذكّر عروق يديه حين نمتُ مرةً على الأرض البلاط واضعاً رأسي في حضنه. كان يجلس مستنداً إلى حائط شرفة بيته، بيتنا. كان عمرُه قد قارب السبعين وأنا في عمر المراهقة.

قالت جدتي يومذاك إنّ أولاده لم يتجرأوا يوماً على الجلوس بجانبه بهذه الطريقة. قالت إنّنا، نحن أحفاده، مدلّلون، فهو يرقص معنا ويمازحُنا ويرافقنا في الشوارع ويسألنا عن أحوالنا. قالت إنّنا محظوظون وإنّ أولاده، الذين يعيشون بقربه والذين يعيشون بعيدين عنه، يغارون منّا.

كنّا نناديه "يابو"، أي "أبي" بالكرديّة.

1

كان يستيقظ جدي - ولد 1930 / توفّى 2007 - الملّا محمد نيّو، في الصباح الباكر، يحلق شعر ذقنه، يتناول فطوره ويتجه إلى دكان الثياب المستعملة الذي يملكه في شارع الثورة. يعود في الظهيرة حاملاً أكياساً بلاستيكية، قد يكون ما بداخلها ثياباً أو فواكه أو أشياء صغيرة مما يشتريها الأطفالُ عادةً.

يعطينا أكياسه. نأخذ الأكياس متلهفين. نقبّل يديه ونفتحُ الأكياس بسرعة. يبتسم وهو يقول لنا: على مهلكم.

كان في بيتنا، في ذلك الزمان، تلفازٌ قديمٌ بنيٌّ كبير. وكان جدي كلّما مرّ من جانبه خفض الصوت قليلاً. لا يهم إن كان الصوت مرتفعاً أم لا. كان يمّدُ يده اليمنى ويخفض الصوت.

مرة حين سمعناه قادماً أسكتنا صوت التلفاز. أتى وقام بحركته اللاإراديّة وأخفض الصوت. قال له أحدنا: يابو لم يكن هناك صوت. ابتسم وقال بمحبة وبعربيّة فصيحة: لعنة الله عليكم، كلابَ أولاد الكلاب. كان يقولها لنا بِمَدِ حرف البَاء فتصبح كلابا. كان أبي يقول له: ما ذنبي يا والدي إن كانوا هم ملاعين. كنّا نضحك. كان عالمنا في تلك الأيام أجمل، أو هكذا يبدو في ذاكرتي.

يابو هو أكثر الرجال الذين رأيتهم رومنسيّة. يقولون عنه عكس ذلك. يقولون إنّه كان أكثر الرجال قسوة حين كان شاباً. لم أعرف ذلك. أعرفه طيباً وحنوناً ويحب جدتي جداً.

حين استيقظَ بعد إجراء عمليّة القلب كان ينادي الممرضة: سلطانة، سلطانة. هذا اسم جدتي، زوجته وحبيبته. حين كانت تغفو في غرفة التلفاز كان جدي يجلب غطاءً من غرفته ليغطيها به كي لا تبرد.

أخي التقط له صورة وهو يفعل ذلك. أذكر أنّه كان يرغب في تقبيلها بشدة في آخر أيامه. كانت ترفض، ربما خجلاً من أحفادها.

أقوال جاهزة

شارك غردكان في بيتنا صورة له مع صديقه جلال الطالباني...

شارك غردكان يجلس على سطح بيتنا المُطل على دمشق ويدخن. في رمضان كان يلفُ 20 سيجارة أو أكثر قبل الفطور

جدي كان مستعجلاً دائماً. إن كان عنده موعدٌ ما في العاشرة صباحاً كنتَ تراه مستيقظاً في الخامسة. هكذا كان جدي. جدتي كانت تقول إنّ هذا بسبب عمله السياسي الثوريّ حين كان شاباً.

كان ملاحقاً دائماً، لذا كان دائم الاستعجال. نسيتُ أن أقول إنّ جدي كان من أوائل السياسين الأكراد في سوريا في خمسينيات القرن الماضي، وكان من مؤسسي أول حزب سياسي كرديّ في البلاد، كما كانت له صولاته وجولاته في كردستان العراق. كان في بيتنا صورة له مع صديقه جلال الطالباني.

3

كان يطلب مني أحياناً أن أذهب إلى الدكان من أجل شراء بعض التبغ له. كان يحب التدخين كثيراً. كنت أقول غالباً: بعد أن ينتهي هذا المسلسل أو بعد أن أنهي وظائفي المدرسيّة. يقول: لا بأس، لستُ مستعجلاً. بعد دقيقتين يقول لنفسه بصوت عالٍ مسموع: يا الله يا رب سوف أذهب إلى الدكان لجلب بعض التبغ. كنت أنظر إليه وأقول: هذا استغلال عاطفي، سأذهب الآن. يضحك ويقول: خذ خمس ليرات لك واشترِ ما تريد.

كان جدي يحب التدخين كثيراً. يجلس على سطح بيتنا المُطل على دمشق ويُدخن. في رمضان، كان يلفُ عشرين سيجارة أو أكثر قبل الفطور كي يلتهمها بعد أن يتناول القليل من الطعام بعد رفع أذان المغرب.

حين مَرضَ في آخر شهور حياته منعه الأطباء من التدخين. بدأت العائلة بفرض حصار عليه. أنا وأخي وأمي وعمي وأبي وجدتي. ذات يوم لم يعد يحتمل. توسّل إلينا أن نسمح له بسيجارة. قال لزوجته: سيجارة واحدة لن تقصر في عمري ولن تطيله. هذا الطبيب مجنون. منذ ثلاثة وعشرين يوماً لم أذُقها. هل تعرفين معنى أنّني أدخن منذ أكثر من ستين سنة؟ كان يترجى. جدتي ممتعضة وأمي تبتسم بحُب.

أخذ أخي سيجارة من علبته وأعطاها لجدي. أخذ جدي السيجارة وابتسم جذِلاً. جدتي كانت تراقب بهدوء. سحب جدي الدخان بقوة. قالت جدتي: أنظر كيف تحسنت صحتك بعد أن تركتَ تدخين هذه الملعونة.

رد جدي: معك حق، معك حق. أعاد باقي السيجارة لأخي وهو يتمتم: لن أشبع من هذه السيجارة ما دمت حياً. أمسك بيد زوجته وقال لها إنّه يحبها.

2

كثيرة هي تفاصيل حياة جدي. كثيرة جداً وممتعة هي حياته، قد لا تكفي المرء مجلدات إذا ما أراد كتابة كلّ تفصيل فيها، السياسي منها والاجتماعي والإنساني. جدي كان رجلاً طيباً، حلو المعشر، يحب زوجته وعائلته وكوردستَانه والمشي لفترات طويلة. كان يأخذني معه أحياناً. كان جدي يحبني. كنتُ أحبُّ جدي. الآن ابتسم وأنا أتذكر كلّ شيء.

مات يابو في أحد أيام ربيع العام 2007. مات في فترة الظهيرة. أنا وأخي كنّا في غرفتنا ندرس. عمي في غرفته يكتب. أمي في المطبخ تعدّ بعض الطعام. جدّتي كانت تعتني به، لم يكن بمقدوره الاعتناء بنفسه مُنذ مَرض.

سمعنا صوت جدتي تنادينا. ركضنا إليها. كان جَدّي مُمدداً أمامها. عمي حاول التأكد من نبضه. كان قد فارق الحياة. انهار أخي باكياً وركض نحو الشرفة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
دلير يوسف

كاتب ومخرج من سوريا، أخرج عدداً من الأفلام السينمائيّة منها: "أمراء النحل" و"منفى" و"بانياس: البدايات" و"حبل غسيل". وله كتاب مطبوع بعنوان "حكايات من هذا الزمن" صدر في العام 2014 من بيروت. مقيم حالياً في برلين- ألمانيا.

كلمات مفتاحية
مدونة

التعليقات