"مختل عقلي" متخصص في قتل المسيحيين؟

"مختل عقلي" متخصص في قتل المسيحيين؟

"قتلت القسُّ متعمداً لأنّي أريد التخلّص من الكفرة وتطهير الأرض" و"جالي هاجس من الله أنّي اقتله وحسيت إني هعمل خير".

بهاتين العبارتين بررّ الشّاب أحمد سعيد قتله القمص سمعان شحّاته، كاهن كنيسة القدّيس يوليوس الأقفهصي ببني سويف، طعناً بسلاح أبيض في المرج بالقاهرة الخميس الماضي أثناء التحقيق معه.

وتُبيّن تصريحات القاتل وجود نية لعملٍ إرهابي لأن القتل على أساس الاختلاف الديني، وليس بدافع السرقة كما روّجت مصادر أمنيّة، فلم يسرق المتّهم شيئاً كما ذكر شهود عيان لموقع مصراوي.

وتبيّن أيضاً أن المتهم لا يعاني اختلالاً عقلياً. وقد قام المتهم بتهديد القسّ ميخائيل، كاهن كنيسة العذراء والملاك ميخائيل بمدينة السلام ،بالذبح من قبل، واستجوب الأمن الوطني الشاب وقتها.

INSIDE_MinisterSemaan القمص سمعان شحّاته، كاهن كنيسة القدّيس يوليوس الأقفهصي ببني سويف

فما الذي دفع مصادر أمنية للتصريح لوسائل إعلامٍ بأن القاتل مختل عقلياً؟ ولماذا صدّرت بعض وسائل الإعلام عناوينها بأن المهاجم مختل عقلياً؟ ولماذا لم تعلن وزارة الداخلية شبهة عمل إرهابيّ كما تصف عمليات المتطرّفين في سيناء؟

ليست هذه المرة الأولى الذي يتم وصف المعتدي على المسيحيِّين بأنه مختلّ عقلياً بدلاً من وصفه بأنه إرهابي مثل الإرهابيين في سيناء. وربما علينا أن نرجع للوراء أكثر للبحث عن بداية إطلاق وصف "مختلّ عقلي" على الإرهابيِّين الذين يهاجمون المسيحيِّين.

ففي 2006 أصدرت وزارة الداخلية بياناً جاء فيه: "مريض نفسي قتل مسيحياً وأصاب خمسة آخرين يوم الجمعة في اعتداءاتٍ شنها على كنيستين في مدينة الإسكندرية".

تفاصيل الحادثة تبدأ حين هاجم محمود عبد الرازق كنيسة القدّيسين بسيدي بشر بسلاحٍ أبيض وقتل عجوزاً، وأصاب ثلاثة، ثمّ هاجم رواد كنيسة السيدة العذراء ليصيب ثلاثة آخرين.

وقعت حادثة أخرى في شهر يوليو 2017 عندما هاجم شاب مسلم حارس أمن كنيسة القديسيين حين استوقفه على باب الكنيسة وسأله عن هويَّته. أصاب الشابُّ الحارس مينا زخاري بطعنة في الرقبة، هاتفاً: "نصرةً لديني" ولكن الحارس نجا من الموت.

أقوال جاهزة

شارك غردلماذا لا تصف السلطات المصرية المعتدي على المسيحيين بأنه إرهابي، بدلاً من "مختل عقلي"؟

فور وقوع الحادث صرحت المصادر الأمنية بأن الشاب مختلّ عقلياً، وروّجت وسائل الإعلام لهذه الصّفة. كما أن النِّيابة العامَّة طلبت فحص سلامة القوى العقلية للمعتدي بدلاً من توجيه تهمة الإرهاب إليه، وكأنّها تبحث عن ذريعة للتضامن معه.

فهل الخلل العقلي يقود الشباب المسلم لمهاجمة الكنائس وطعن القسس؟ بالطبع لا علاقة للموضوع بالاختلال العقلي، إنما هناك تعمد من السلطات والإعلام لعدم الاعتراف بالممارسات الإرهابية بناءً على الدين. ومثل هذه الحوادث كثيرٌ، وجامعها المشترك أنّ الضحية مسيحي، وأن الاعتداء لدوافع دينية، وأن المجتمع يبحث عن تفسير لأسبابها بعيداً عن الاعتراف بوقوف التطرف الديني والتعصّب وراءها.

تجنب الاعتراف بانتشار التطرُّف والتعصُّب ضد المصريين المسيحيِّين هو محاولة دائمة من الحكومة والأمن لتجنب جوهر المشكلة. إذ كيف تعترف الحكومة بوجود التطرُّف الدينيِّ بين المواطنين العاديين، والاعتراف معناه أنَّ الخطاب الدينيُّ الرسمي، والتعليم، والإعلام مسؤول بشكلٍ أو بآخر.

ولكن في الوقت نفسه هل يمكن للأمن أن يحمل مسؤولية الاعتداء على بيوت المسيحيين لمجموعة من المختلِّين عقلياً؟ بالطبع لا، لأن الدَّولة لا تجرؤ على أن تغضب الغالبية المتطرفة من المصريين، ولا تستطيع أن تعترف بالتمييز بحق المسيحيِين.

يدفع المسيحيُّون كل مرة ضريبة من دمائهم، وكنائسهم، وحريَّة ممارسة شعائرهم لأن الدولة تزايد على المتطرِّفين بأنها أكثر تمسكاً بالإسلام منهم. فيخرج الجناة كل مرَّة بدون عقاب، بل ُيهجرّ ويطرد المسيحيون من قراهم وأملاكهم.

وبالطبع الإسلام الذي تعرفه الدولة بجميع أجهزتها يعتمد نفس التأويلات التي توافق عليه الجماعات المتشدِّدة، بل لا يختلف عن نظرة الجماعات الإرهابية كثيراً.

ويبدو أن الحكومة والإعلام درجا على إطلاق لفظة الفتنة الطائفية على عمليات الإرهاب الجماعية، وإطلاق لفظ مختل عقلي على عمليات الإرهاب الفردية، على الرغم أن معنى الإرهاب هو: " الأفعال العنيفة الَّتي تهدف إلى خلق أجواء من الخوف، ويكون موجهاً ضد أتباع دين ما".

ووفقاً لهذا التعريف، فإن الاعتداءات التي تستهدف المسيحيِّين كونهم أتباع دين آخر هي عمليات إرهابية سواء ارتكبها فرد واحد، أو قامت بها مجموعة كأهل قرية لا يعجبهم صلاة المسيحيين في بيوتهم، أو سكان حيَّ شعبي لا يريدون ترميم كنيسة.

وإدعاء الخلل العقلي أو المرض النفسي في العمليات الإرهابية لا يقتصر على الجهات الرسمية والإعلام، بل يستخدم محامو المعتدين هذه الحجة للحصول على أحكام قضائية مخففة. ففي عام 2008 نجح دفاع شاب مسلم ذبح آخر مسيحي في أسوان، بالإفراج عنه بعد حجزه لفترة في مصحة نفسية.

وتكررت المحاولة مرة أخرى مع دفاع الشاب محمود علي في 2014، وكان المعتدي هاجم ثلاث صيدليات يملكها مسيحيون في كوم أمبو، فقتل فتاة وأصاب ثلاثة، وحاول الدفاع استخدام حجة الاختلال العقلي إلا أن الطبَّ النفسيَّ كشف زيف الحجة بتقرير ذكر: "يتَّضح أن المتهم لا يعاني أثناء الفحص أو وقت ارتكاب الواقعة المنسوبة إليه من أي أعراض لمرض نفسي أو عقلي أو تنقصه القدرة على الإدراك أو الاختيار أو التمييز أو الحكم الجيِّد على الأمور، مما يجعله مسؤولاً عن الاتهام المسند إليه في القضية رقم 779 لسنة 2014 إداري كوم أمبو".

وليس على الدَولة سوى الاعتراف بوجود الإرهاب، والتَّمييز بحق المصريِين المسيحيِين، والعمل على تجديد حقيقي للخطاب الدينيِ، إذ تمتلئ المساجد بتكفير المسيحيين، ويسودها خطاب شديد الكراهية للاختلاف، ثم نتساءل بكل سذاجة كيف ينشأ التطرف؟

ويجب أن تدرك الحكومة أن حجة الخلل العقلي لم تعد تنطوي على أى عاقل، ومواقع التواصل الاجتماعي امتلأت بمنشوراتٍ تصف مقتل القمص سمعان بالعمل الإرهابي، وتطالب بإصلاح الخطاب الديني، وعدم التمييز ضد المصريين بناء على الدين.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
حامد فتحي

​حامد فتحي، صحفي مصري، مقيم في القاهرة، حاصل على بكالوريوس في الإعلام جامعة القاهرة، وطالب دراسات عليا فلسفة جامعة القاهرة، مهتم بالأدب نقدا وكتابة، ليبرالي

التعليقات