لماذا تهتم الدولة بما نفعله في غرف نومنا؟

لماذا تهتم الدولة بما نفعله في غرف نومنا؟

هجمة أمنية هستيرية شنتها الدولة المصرية على مواطنين تم اتهامهم بالمثلية الجنسية. تمت الهجمة على إثر رفع مجموعة من الشباب علم قوس قزح في حفل فرقة مشروع ليلى بالقاهرة، سبتمبر 2017.

تناولنا العديد من الزوايا للقضية التي عُرفت إعلامياً بقضية الرينبو، وسيكون من المفيد دائماً تناولها من زوايا ذات أبعاد سياسية اجتماعية.

هل يخضع الرجال لكيان آخر غير الدولة؟

العلاقات الجنسية المثلية تؤرق النظامين الاجتماعي والسياسي المصري، لأنها في صلب بناء هذين النظامين. في علاقة هرمية بين الدولة والرجال والنساء، تقع النساء في المرتبة الأخيرة.

نحن في 2017، وما زالت الدولة تعتبر النساء ملكيات للأسرة وللرجال بإعتبارهم أرباب الأسرة، وتتجاهل المطالبة بقوانين تُبدد هذه الملكية؛ كقوانين مناهضة العنف الأسري.

فالدولة هنا هي التي تحدد النظام الاجتماعي وتقننه. فتكون العلاقة الجنسية الوحيدة المقبولة هي علاقة رجل بامرأة وفي إطار الزواج. وكل ما خرج عن هذا الإطار بات محل استهداف أمني.

أن تتوافق مع ما تفرضه الدولة كنمط اجتماعي هو أن تكون مواطناً صالحاً وغير مُشاغب. أنت صالح لأنك خاضع للدولة ولما تحدده هي كتيار سائد. أنت صالح لأنك مواطن ملتزم بما تقرره لك هذه الدولة. أن تُسيطر وأن تخضع، هي اختيارات متروكة للدولة، تُحددها لك دون أن تحمل عبء الاختيار.

هذه الدولة تنظر للعلاقات الجنسية عموماً نظرة دونية. وتؤصل لثنائية الفاعل والمفعول به وللعلاقة بينهما. فيكون الاعتقاد السائد أن الرجال مُهيمنون في العلاقات الجنسية وتظل يدهم هي العُليا، بينما تقوم النساء بدور المُستقبِل فقط.

لا توازن في هذه العلاقة، فهي علاقة قوة وصراع بدل من أن تكون علاقة رضائية وشرائكية. فتُصبح معها الرجولية مرتبطة بالهيمنة وبالفاعلية. وتصبح كذلك المفعولية مرتبطة بالخضوع.

رجولة مُهددة

طالما ارتبطت رجولية الدولة بالعنف واستمدت هذه الرجولية من ربط العنف الجنسي بالسلطة. فتم استخدام العنف الجنسي ضد الرجال كآداة إذلال وتحقير في السجون وأقسام الشرطة.

القيام بدور المستقبِل اعتبروه إهانة. فالجنس الشرجي يحقّر منك كرجل. فالرجال يقومون بالفعل، لا يستقبلونه. والرجال يُسيطرون، ولا يُسيطر عليهم. والرجال إن هم فقدوا الرجولة والسيطرة، باتوا نساء.

آخ! هنا مربط الفرس. هنا يأتي دور الهوية الجندرية كمُحدد لموقع الأشخاص على سلم الامتيازات. مَن كبروا كرجال، لا يحق لهم التصرف كنساء وإلا تم نبذهم. بينما مَن كبرن كنساء يحق لهن التصرف كرجال لأن الرجولة هنا معيار جودة مجتمعية. فكل متطلع إلى الرجولة، مقبول. وكل مُتخلٍ عنها مرفوض.

في العلاقات المثلية الجنسية بين الرجال، يكون لحاملي صفة الإيجابية نظرة أقل دونية من حاملي صفة السلبية. ويُمكن أن يكون السبب في ذلك هو أن هؤلاء مازالوا محتفظين بسيطرتهم، حتى أنهم يُخضعون رجالاً مثلهم. تماماً كالمخبر القائم بدور المغتصِب في قسم الشرطة. لا ينظر له الضباط كمثلي الجنس أو كرجل أقل، بل بالعكس يعتبرونه أداة قوة لأنه قادر على إخضاع وإذلال رجال آخرين. فيفقد الخاضعين له رجولتهم، ويفقدون معها امتيازاتهم كرجال.

أما العلاقات الجنسية المثلية بين النساء، فتهدد الرجولة لأنها ببساطة تستغنى فيها النساء عن الرجال. مرعب أن يتم الاستغناء عمّا يتم وصفه بأنه محور العلاقة الجنسية. ومرعب أن تفهم النساء أجسامهن وجنسياتهن لدرجة يرفضن فيها الامتثال للعلاقات الغيرية كنمط اجتماعي.

وعلى جانب آخر، لا تؤخذ هذه العلاقات على محمل الجد، فيعتبرونها إما فانتازيا جنسية لإثارة الرجال، أو عدم نضوج جنسي كما تقول المدرسة الفرويدية.

معقد الأمر قليلاً. فهؤلاء الذين يرفضون الامتثال للمعيار الاجتماعي الذي تعتمده سلطة الدولة، يُهددون وجود هذه الدولة. إن كان الدستور المصري ينص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، فمن المؤكد أن الدولة لن تُقر بعلاقات جنسية تعتبرها الشريعة كبائر.

تبادل المصالح بين النظام السياسي والمؤسسات الدينية يفرض أن تغازل الدولة تلك المؤسسات من وقت لآخر، لما تحتله من مكانة مركزية في الحياة الاجتماعية أكثر من الدولة نفسها. وبذلك تصبح يد المؤسسة الدينية هي يد الدولة. وتتوغل الدولة في الحياة الاجتماعية للمواطنين عن طريق هذه المؤسسة.

في مصر، البرامج الدينية وبرامج الفتاوى هي بزنس القنوات الفضائية. المواطن المصري حريص على ما هو حرام أكثر من حرصه على ما هو قانوني. وهو النهج الذي تريده الدولة لإحكام سيطرتها، وللخروج من أسس المواطنة والدخول في ديلمة الفتاوى.

هنا، تُترك الساحة الاجتماعية خاضعة لسلطة المؤسسات الدينية، وتكون الساحة السياسية خاضعة لسلطة الدولة. وتكون المساحة المتقاطعة بين الإثنين هي مساحة تدخل الدولة أمنياً باعتبارها السلطة العُليا، لإعادة إحكام السيطرة على النظام الاجتماعي؛ كما حدث في قضية الرينبو.

لماذا تُريدنا الدولة أن نتزوج؟

يُعد الزواج في مصر العلاقة الجنسية المقبولة اجتماعياً وقانونياً ودينياً. والزواج هو عقد بين رجل وامرأة يكتبه رجل دين، ويتم تسجيله في دفاتر الدولة الرسمية.

عقد الزواج غير منوط به تنظيم العلاقة بين المتزوجين فقط، ولكنه لتنظيم العلاقة بين هؤلاء وبين الدولة ككيان مؤسسي. قبول الدولة لأي علاقة جنسية خارج إطار الزواج هو بالتأكيد فجوة غير مُفضلة الحدوث بين النظام السياسي والمؤسسات الدينية، للسبب المذكور أعلاه.

وتحكم الدولة سيطرتها، وتبيت المؤسسات الدينية ليلتها هنيئة.. فرجولة الدولة ورجولة المواطن بخير

نحنُ أرقام في سجلات الدولة. كيف ستتم عمليات المسح والعد السكاني والبناء الاقتصادي على أرقام غير موجودة؟ تلك الرقمنة والمعلوماتية هي وسيلة الدولة للحكم. فعلى أساسها يتم تحديد موقع الدولة اقتصادياً وسياسياً على مستوى العالم. فإما أن تكون الدولة سوق عمل أو منطقة توزيع، أو تمركز للصناعات. ولأننا لن نحصل على تقنين لزواج مثليي ومثليات الجنس، بسبب المؤسسات الدينية أو الوضع الاجتماعي الأصولي، فلن تتم عمليات رقمنة هؤلاء. ما سيؤثر سلباً على الأرقام والمعلومات.

الأسرة في هذا السياق ليست نواة المجتمع، بل نواة الدولة. لتعود الكرّة مرة أخرى إلى القوانين التي تجعل من النساء ملكيات للأسرة. وتعتبر العلاقات الجنسية أداة سيطرة. وتنبذ كل مَن خرج عن تلك المنظومة.

وتحكم الدولة سيطرتها، وتبيت المؤسسات الدينية ليلتها هنيئة. فرجولة الدولة ورجولة المواطن بخير.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
غدير أحمد

- ناشطة نسوية مصرية، وباحثة متخصصة في دراسات المرأة والنوع الاجتماعي.

التعليقات