ماذا يعني أن ترفع علم «قوس قزح» في القاهرة؟

ماذا يعني أن ترفع علم «قوس قزح» في القاهرة؟

أصابت حالة من الذعر الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي عقب رفع علم قوس قزح في حفل «مشروع ليلى» بالعاصمة المصرية، مساء يوم الجمعة الماضي.

قوس قزح هو علم يرمز إلى اختلاف وتعددية الميول الجنسية، أطلقه الفنان الأمريكي «جيلبرت باكر» بديلاً من العلم المثلث الوردي الذي استخدمه النازيون للتعرّف على المثليين وإعدامهم، وتمت إعادة استخدام المثلث الوردي في السبعينات من باب تذكّر هؤلاء الذين راحوا ضحايا النازية ورهاب المثلية معًا. وغالباً ما تتم الإشارة لقوس قزح بعلم "المثلية الجنسية".

بين إدانة وتأييد، اجتمعت عدة فصائل على أنه لا مكان للرينبو في القاهرة، على الأقل الآن.

استدعاء الدين

يُقال دائماً أن ممارسة الجنس بين أشخاص من الجنس نفسه يهتز لها عرش الرحمن. أي أنها فعل من الكبائر التي لا يتسامح معها الإسلام.

كما اختلفت طرق معاقبة المثليين عبر التاريخ الإسلامي بين القتل أو الرمي من فوق مبنى عالٍ، كل هذا بالطبع بعد إعطاء المثليين فرصة للاستتابة.

هذه الأقاويل وغيرها، حُفرَّت في الوعي الجمعي للمصريين والعرب، وباتت مرجِعاً لأي حديث عن المثلية الجنسية. هذا بالرغم من أن التراث العربي والإسلامي مليء بحكايات غرام مثلية، أو بين السلاطين والغلمان، وحتى في القرآن يُكافئ بهم الرجال في الجنة: "ويُطاف عليهم غلمان مُخلدون [...]".

لكن الذعر لم يترك هؤلاء في حالهم، فما زالوا يستدعون خطابات التحريم، حتى الضعيفة منها، للإجهاز على الأشخاص ذوي الميول الجنسية المختلفة. وتتعدى هذه الخطابات لتبرير سوء الأحوال الاقتصادية أيضاً. أي أن اللعنة والغضب الإلهي يحلّان على المجتمع كله، لأن مجموعة أشخاص ليسوا مغايري الجنس.

رهاب المثلية واستدعاء الدولة الأمنية

لا يقتصر الخطاب على استدعاء الدين كقوى عُليا، فالبعض يستدعون الدولة. كالعادة، وكأي موضوع يخص الجنسانية والحريات الشخصية، يقفز مجموعة من الناس في وجوهنا ليستنجدوا بالدولة ومؤسساتها لإيقاف ما يرونه "مهازل أخلاقية".

تكرر الأمر مرات ومرات، بل إن هذا هو العُرف في مصر، وهذا ما تستخدمه الدولة نفسها، أو يتم استدعاؤها للتدخل من قِبَل معاونيها، فتكون رقيباً على الحريات الشخصية للمواطنين، ومُحدداً لما هو مسموح وما هو غير مسموح وفقاً لسياساتها الداخلية والخارجية.

هذا ما عبّر عنه الباحث بالشئون الدينية فؤاد حلبوني على صفحته الشخصية بفيسبوك:

قام النائب محمد صلاح خليفة، نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب النور، بطلب إحاطة بشأن رفع علم قوس قزح في حفل مشروع ليلى، مُناشداً الدولة التدخل لمنع إقامة مثل هذه الحفلات "الخليعة" في مصر.

أقوال جاهزة

شارك غردبين إدانة وتأييد، ونقد... أجمعت عدة فصائل على أنه لا مكان للرينبو في القاهرة، على الأقل الآن

شارك غردماذا يعني رفع علم قوس قزح؟ يعني دعم حق الأفراد في ميولهم الجنسية، والقول: نحن هنا، والآن، ولسنا خائفين

وكما حدث في الملهى الليلي Six Degree في الساحل الشمالي الصيف الماضي، الذي تم إغلاقه بناءً على عدة فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي تُدين الانفتاح الزائد لروّاد هذا النوع من النوادي، فإن الأمر يتكرر ويُعاد بصورة مملة.

ماذا ستفعل الدولة للتنكيل بمجتمع الميم أكثر مما تفعل الآن؟ أتساءل بشكل حقيقي، وليس بسخرية. ماذا ستفعل أكثر من الملاحقات الأمنية ونصب الشباك للإيقاع بالشباب المثليين وإيداعهم السجون؟

ماذا ستفعل بعد تسليط أجهزتها الإعلامية على مجموعة أشخاص في حمام بلدي ونشر صورهم أمام العامة، من أجل حسابات سياسية؟ ماذا ستفعل أكثر من القبض على بضعة شباب لأنهم أقاموا حفلاً على مركب نيلية يُقال إنه حفل زواج مثلي؟

ماذا ستفعل بعد رعاية الخطابات الدينية والاجتماعية المُحرضة على المثليين والمثليات؟ ماذا ستفعل بعد تعرض هؤلاء للاغتصاب في السجن؟ هل يريدون من الدولة أن تذبحهم لأنهم لا يُمارسون الجنس وفق مزاجها؟ أم سيتم حرقهم على الطريقة الداعشية مثلاً؟

قوس قزح من منظور الطبقة

عدا ذلك، هناك آراء نقدية لرفع العلم من مؤيدي مجتمع الميم أنفسهم.

يقول اسماعيل البحّار، باحث في العلوم السياسية على صفحته بموقع فيسبوك، إن رفع العلم إشكالي لأنه معني بنضال المثليين والمثليات في سياق آخر لا ينطبق بالضرورة على السياق العربي المصري.

الناشطة النسوية إسراء سراج الدين في حفلة مشروع ليلى الناشطة إسراء سراج الدين - حفل مشروع ليلى

ويضيف أن هذا الاحتفاء بالعلم له مدلول طبقي ليبرالي، قائم على امتداد وتوسع الرأسمالية عن طريق دعم الحقوق المدنية وعلى رأسها حقوق الميل الجنسي. فالحفلة نفسها مُقامة في القاهرة الجديدة والتي هي نقطة تمركز الطبقات العُليا والمراكز التجارية، وهي أيضاً العاصمة الإدارية الجديدة في مصر. قد يُضفي ذلك لمسة طبقية خفيفة على الحفل، خاصة أن سعر التذكرة نفسه مرتفع نسبياً، مقارنة بحفلات أخرى.

يتفق رأي البحّار مع رأي بروفوسيرة العلوم السياسية «ويندي براون»، التي تطرح تلك الجدلية في كتابها «على الحافة»، ومحورها أن الرأسمال العالمي دوماً في حاجة لتبييض الوجه عن طريق دعم الحقوق والحريات، لاستمرار تدفقه.

لكن البحّار كذلك يُقدم لنا بديلاً وهو كتابة جملة باللغة العربية من أغاني الفرقة التي تحكي عن قصص بين أشخاص مماثلي الجنس، بدلًا من استعارة العَلَم برمزيته.

الصراع حول الظهور

ماذا يعني أن نرفع علم قوس قزح؟ يعني أننا ندعم حق الأفراد في ميولهم الجنسية، وندعم وبشكل علني، ما يعتبره المجتمع غير أخلاقي، وتُجرمه الدولة من خلال الحق في الظهور العام. نحنُ هنا، والآن، ولسنا خائفين.

ولكن وجهة النظر الحالمة هذه لم تسلم من النقد، فالبعض يرون أن الظهور بقوس قزح يُساهم في استهداف أكبر للمثليين، كأن تتبع ذلك هجمة أمنية على مجتمع الميم، يدفع ثمنها أشخاص لم يحضروا الحفل، ولا يعرفون من هي فرقة مشروع ليلى ولا يُدركون من الرينبو سوى مجموعة ألوان مصطفة في قطعة قماش.

هذا النوع من الظهور قد يجلب أيضاً خطاب المؤامرات والمخططات الخارجية، الذي لن تتوانى الدولة عن استخدامه لوضع يدها على الحريات أكثر مما تفعل الآن، حتى بعد إغلاقها للمجال العام.

وهذه النقطة الأخيرة هامة، لأن إشكاليتها تنبع من استخدامها لمُصادرة الحُريات، كما أنها تنفي عن مجموعات الميم صراعاتهم في السياقات العربية، وتقصرها على السياقات الغربية.

في هذا الصراع على الظهور، جاء فيلم مثل «حمام الملاطيلي» انتاج 1973، الذي يعبّر فيه يوسف شعبان عن رغبته في المشي بشوارع وسط القاهرة بمظهره الكويري، شعر طويل وبنطلون ضيق وضفيرة وشنب.

حتى لو تغاضينا عن منطقة وسط العاصمة كرمز للتمدّن والحداثة، وعلاقة ذلك بالحقوق والحُريات وربطه بالعُمران، فما زال الصراع حول الظهور مستمر، كما الصراع ضد التنكيل والملاحقة الأمنية.

سواء اتفقنا أو لم نتفق على جدوى رفع العلم، فإن الجدل المُثار يعكس موقع مجتمع الميم في مصر. ولربما كانت فرصة جيدة لنا جميعاً كأشخاص مُنتمين لهذا المجتمع أو مُهتمين به، أن نُراجع آليات الاندماج والمقاومة، جنباً إلى جنب مع اختيار خطابات أكثر حساسية لسياقنا المصري والعربي.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
غدير أحمد

- ناشطة نسوية مصرية، وباحثة متخصصة في دراسات المرأة والنوع الاجتماعي.

التعليقات