"أنت مش عارف أننا صايمين ولا إيه يا مينا؟"

"أنت مش عارف أننا صايمين ولا إيه يا مينا؟"

في مقر شركة ما في مصر، وبعد حادث المنيا المأسوي الذي وقع في شهر مايو الماضي، توجه أحمد إلى مينا زميله في العمل، ليعزيه في قريبه الذي لقي مصرعه في الحادث.

أطال الحديث معه عن رفض الإسلام للإرهاب، ومدى قوة الوحدة التي تجمع مسلمي ومسيحيي مصر، وإيمانه الشديد بحرية الاعتقاد.

مضى كلاهما إلى العمل، وبعد ساعة أخرج مينا إفطاره ليتناوله على المكتب كعادته، وتوجه بالسؤال إلى أحمد ليشاركه في إفطاره، وبدلاً من أن يسمع عبارات الشكر، سمع أحمد يجيبه مستنكراً "أنت مش عارف أننا صايمين ولا إيه يا مينا؟"، ليفيق بعدها من غفلته، ويتذكر بسرعة أن اليوم أول رمضان، وأن عليه أن يتناول إفطاره في البيت قبل المجيء للعمل، حرصاً على مشاعر الصائمين المرهفة، وحتى لا يصير منبوذاً من زملائه المسلمين.

فاعتذر من أحمد، وتوجه إلى مكان التدخين ليكمل إفطاره الأخير في العمل لمدة شهر كامل.

ولكنه أحس بحزن يعتصر قلبه، فمن أين خرجت هذه اللهجة الاستنكارية، أمن الشخص نفسه الذي حرص على أن يؤكد احترامه لاختلافه الديني. أتراها شعارات جوفاء؟ أكان عزاؤه غير صادق؟ ألا يستطيع تحمل تناول الطعام أمامه وهو صائم، فكيف به يتحمل الاختلاف حول الإله والدين؟.

أحس مينا بمرارة وتذكر قريبه القتيل، فكلاهما رُفض لاختلافه، والفارق أن العقاب مختلف، ففي حالته هو كان النبذ الاجتماعي، وفي حالة قريبه كان القتل.

ما لم يدر بعقل مينا أن منعه من الإفطار ولو بشكل غير مباشر هو نوع من الإرهاب لا يختلف عن الإرهاب الذي قتل قريبه إلا في الدرجة.

أقوال جاهزة

شارك غردأخشى أن تكون هذه هي خطة الدولة... فقد فعلها مبارك من قبل

فقريبه قتل لأنه مسيحي، وهو مضطر لتغيير عاداته لأنه مسيحي أيضاً. فلو لقي مسيحي مصرعه في حادث سيارة لن يسمي هذا إرهاباً، إنما يكون الإرهاب حين يقتل أو يضطهد بناء على اختلافه.

من هنا كان كل اعتداء على المختلف دينياً أو مذهبياً أو سياسياً أو أي مختلف هو اعتداء إرهابي. والفرق بيني وبين الدولة هو أني أرى الإرهاب بصورة أكبر. بدايةً من البيئات الحاضنة، والسلوكيات المشجعة، وردود الفعل المتشفية. وهمي الآن هو إيضاح صور الإرهاب التي غفلت عنها الدولة. فلماذا يضطر المسيحي لتغيير عاداته في الطعام في شهر رمضان؟ أليس ذلك خشية أن يتعرض للأذي البدني، أو على أقل تقدير للنبذ الاجتماعي. أليس هذا رفضاً للاختلاف؟ أليس هذا عقاباً لأنه مختلف؟ فبأي حق لا يكون هذا نوعاً من الإرهاب؟

وحين تضطر المسيحية، والمرأة بشكل عام إلي تغيير عادات ملبسها، خشية الاعتداء من الصائمين في شهر رمضان، بدعوى أنها تفتنهم، أليس هذا إرهابا؟ وفي غير رمضان حين تلبس المرأة ملابس على غير رغبتها لتتقي شر التحرش، ألا يعتبر ذلك ارهاباً؟ لأنه اعتداء عليها لاختلافها عما يريده أغلب المجتمع؟

وماذا عن رفض الجماهير العريضة لتولية مسيحي منصب المحافظ، أو نفاق الدولة للدهماء بمنع المسيحيين من تولي وظائف عديدة، أليس هذا تمييزاً بحقهم، أليس هذا عقاباً على اختلافهم، فكيف ترتضي الدولة أن تصبح ألعوبة بيد الدهماء والغوغاء المتطرفين؟

وكيف نفسر موقف الأزهر من التسلط على حرية الرأي والاعتقاد، وتصديه لأي محاولة لتنقيح الدين من التطرف والتعصب، رغم أنه يقول إنه يتصدى لمهمة تجديد الخطاب الديني. أليس هذا إرهاباً بحق كل من اختلف معه؟ وماذا عن أحكام الحبس بحق الكتاب والمخالفين للدين السائد؟ ألا تمارس الدولة عقاباً على الاختلاف مثلما تقتل داعش المسيحيين لاختلافهم؟

وألا يحرض السلفيون على الإرهاب بحق المرأة، وبحق المسيحي، وبحق الشيعي، وبحق كل مختلف. ألم يقتلوا مصريين فقط لأنهم شيعة؟ ولكنهم لا يحملون الأسلحة بشكل مباشر أغلب الوقت، وتحتاجهم الدولة لقمع الإرهاب المسلح.

إن دولتنا عاجزة عن انتاج خطاب قومي علماني، فاستبدلت ذلك بالخطاب السلفي المدجن.

وماذا عن تورط بعض الإخوان بالإرهاب المسلح؟

إن توسيع الرؤية للإرهاب ليشمل كل سلوك أو اعتداء بحق الأخر بناء على اختلافه ستكون البداية الحقيقية لمواجهة الإرهاب المسلح. فقد مرت مصر بفترات متعددة من الإرهاب وخصوصاً الناتج عن الجماعات الإسلامية ثم نجحت في القضاء على مظاهره المسلحة، ليعود في فترات أخرى.

وهذا يثبت لنا أن المعالجات السابقة كانت قاصرة، وللأسف هو القصور نفسه الذي تقع فيه الدولة الآن. فلا تطوير للخطاب الديني، وهناك فشل ذريع في التعلىم، ولا حماية للحريات العامة والشخصية، وفوق ذلك، هجوم مستمر على حرية التعبير والاعتقاد، وحبس لكل من يعارض السلطة. فما أشبه الليلة بالبارحة.

إن الدولة مصرة على استبدال الإرهاب المسلح بالإرهاب غير المسلح، فهي تتخلى عن المجتمع للسلفيين والأزهر على أمل أن تستبدل بهما الإرهاب المسلح. فأي صفقة هذه؟

هل هذه خطة الدولة لمواجهة الإرهاب المسلح؟ هل تريد الدولة أن تواجه الإرهاب حقاً، أم تريد أن تنقل مواجهته إلينا، فيكون مصيرنا أن نواجه نحن الإرهاب الاجتماعي والفكري يومياً، فلا نستطيع أن نعبر عن أرائنا، ولا أن ترتدي المرأة ما تريده، ولا أن نأكل أو نشرب إلا بمزاج رجال الدين، ولا أن نتزوج أو نتقاسم ثروتنا وفق قوانين غير دينية، ولا أن نعامل بمساواة أمام القانون بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق، ولا نستطيع أن نسن قانوناً إلا بموافقة الأزهر، ولا أن نقرأ كتاباً لا يرضي عجائز المشيخة.

أحقاً هل هذه خطة الدولة؟ وأخشى أن تكون هي، فقد فعلها حسني مبارك من قبل.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
حامد فتحي

​حامد فتحي، صحفي مصري، مقيم في القاهرة، حاصل على بكالوريوس في الإعلام جامعة القاهرة، وطالب دراسات عليا فلسفة جامعة القاهرة، مهتم بالأدب نقدا وكتابة، ليبرالي

كلمات مفتاحية
مدونة

التعليقات