مهنة الزمن السائل.. عن الصحافة والبيرة والتفاح

مهنة الزمن السائل.. عن الصحافة والبيرة والتفاح

لنتفق أولا أن ما أكتبه هو نظرتي الخاصة عن الموضوع، ولا أدعي بأي شكل من الأشكال أن لي نظرية أو مرجعية كبرى في البحث عن ماهية الصحافة، لكنني أحاول التفكير في الأمر.. وأريد أن أتشارك معكم فيما أفكر. ولعل الدافع في ذلك معايشتي اليومية لهذه المهنة، أو لأنها ليست مهنة، أو لأن جون بول سارتر أجاب عن سؤال ما الأدب من وجهة نظره في أواخر أربعينات القرن الماضي قائلا أن "الأدب إلتزام" أو لينين الذي كتب كراسا حول الصحافة وصف فيه نشرية "البرافدا" على أنها "تكثيف صحفي وأيديولوجي لتوق الجماهير للانعتاق". وأما أنا اليوم، في زمننا السائل كساعات سالفادور دالي، فأجيب عن ماهية الصحافة قائلا أنها التفكير في التفكير، وأن الصحفي هو إنسان الإنسان.

لا يقتصر أمر الصحافة اليوم على نقل الخبر أو المعلومة (أي الإخبار) بالرغم من أن جوهر العمل الصحفي قائم على هذه الوظيفة. فالصحافة مسألة أعم وأشمل وأعمق من مجرد نقل ميكانيكي للخبر من مكانه وزمانه وإعادة تشكيله وتوزيعه بين الناس عبر القناة الإعلامية. إن الصحافة اليوم هاجس يتعلق بخلق التصوّر والمهجة العامة للجماهير أو تضخيم أو تتفيه موجة أو صيحة ما أو صورة أو شخص أو فكرة أو غيرها... وهنا علينا التوقف في تفاصيل هذا العمل بجدية وتأنّ.

إن كنت موظفا عاديا.. اقرأ يوميات الصحفي

العمل الصحفي هو أن تقوم في الصباح الباكر مستعدا لإعادة عجن ذهنك وتشكيله في نحت جديد، ويمكن أن يدوم هذا النحت نصف يوم أو يوما كاملا أو أياما بحالها، المهم أن هذا الشكل الصلصالي الجديد لذهنك لن ينته إلا بإنتاج مادتك الإعلامية، أو بتجاوز الفكرة إلى فكرة أخرى. لأن الحدث حاصل لا محالة ولكن الزاوية التي من خلالها يتم تناول الحدث هي التي تتغير، ويمكن أن يتم التخلي عنها لسبب أو لآخر، المهم أن لا تكون وفيّا للفكرة.

العمل الصحفي هو أن تغادر بيتك غير آبه لما تلبسه أو تحمله، فقط أنت متأكد من بعض الأساسيات مثل الحاسوب الشخصي والهواتف الجوالة التي بحوزتك وقطعا نقدية للتنقل وقلم رئيسي وآخر احتياطي وذهنك. وإذا كنت من الصحفيين المحظوظين فقد يتسنى لك تناول إفطارك الصباحي في بيتك، ومن المحبذ أن يكون على الشرفة.. ليس للاستمتاع بالشمس، بل لتفحص حالة الطقس.

العمل الصحفي هو أن يكون لك قدرة هائلة على احتواء كل الظواهر المحيطة بك، سلبية كانت أم إيجابية، وأن لا يكون لذلك تأثير على تركيزك وسعة صدرك وبشاشة وجهك وصحتك النفسية عموما. فكل ما يحيط بك هو موضوع محتمل للكتابة، وكل شيء يتحرك من حولك هو هدف قادم للقنص.

تخيل نفسك تقترب من الموت في حافلة نقل عمومية وهي بصدد الانقلاب وأنت تفكر في كيفية أخذ صورة للحدث من زاوية جديدة وكيف أنك ستساهم في مساعدة المحققين في وزارة النقل في البحث عن ظروف الحادث بمقالة أو صورة أو فيديو أو تسجيل.. تخيل أنك في خضم كل هذا، يتبادر إلى ذهنك بسرعة البرق بنية المقالة التي سوف تكتبها عن الحدث الذي تعيشه. ـ صدقني ـ تقريبا، هذا هو العمل الصحفي خاصة في جبهات الحروب.

العمل الصحفي هو أن تصل المطار في الساعة السادسة والنصف صباحا لأن طائرتك تقلع على الساعة الثامنة وخمس وثلاثين دقيقة. الساعة السابعة وأنت تتجاوز الجمارك تجد أن الأعوان التقنيين لأبراج المراقبة مضربين عن العمل: لا توجد رحلات من وإلى المدينة التي أنت فيها إلى حدود الساعة الثامنة ليلا. فتفترش الأرض بأوراق الصحف التي وجدتها في إحدى الحاويات، وتتوسد كتبا وترتشف علبة بيرة وتدخن بحذر بعيدا عن أعين المراقبة، لتقرأ مصادفة في صفحة من الجرائد التي تستلقي فوقها "ضحايا زلزال وسط إيطاليا يتظاهرون من أجل تأخر إعادة ترميم منازلهم"، فتتخيل أن أولئك الناس قد قضّوا أسابيعا وهم يبيتون في العراء. ثم تتذكر مأساة الحروب في الشرق الأوسط فتتنهد.. ثم تتصل بمديرك وتخبره أنك ستتأخر عن الموعد بيوم لأن المطار مغلق، ليفتح تحقيقا هو الآخر ويقول لك كلاما يحسسك فيه أنك المسؤول عن إضراب أعوان برج المراقبة، فتتمنى أن تكون ساعيا للبريد وليس صحفيا.. لكنك تحب مهنتك.

هذه بعضُ الصور التي يمكن أن يعيشها الصحفي في يومياته، وقد أطلت التأمل فيها لأجد أنه من الغريب فعلا أن يعيش الصحفي خارج هذه الدائرة الجهنمية من المشاغل والهواجس والقلق والتوتر وامتلاء أجندته بأشياء يقوم بها ويكتب عنها. والصحافة هي ذلك العالم المركّز داخل العالم الكبير أين يتم اعتصار الزمن والجغرافيا والناس معا لإنتاج فقرات تقرؤها أو تشاهدها أو تسمعها.

الزمان والمكان والإنسان

عامل الزمن مهم جدا بالنسبة للصحفي، لذلك لا ينام الصحفي كثيرا، وغالبا ما يكون مصابا بالأرق. على الكاتب الصحفي أن يكون استثنائيا عند تفكيره في الزمن، إذ لا يجب بالضرورة أن يكون دائما سريعا، بل إن تعامل الصحفي مع مسألة الزمن يجب أن تكون ناجعة، فالنجاعة هاجسٌ صحفي بامتياز، ولا يهم إن كان الصحفي سريعا في نقل الحدث خاصة مع الرقميات الآن.. المهم أن يكون الوقت عاملا مساعدا في خدمة مستهلك المعلومة. لذلك أنا أفضل دائما أن أبتعد عن الحدث مسافة بضعة أيام كي أرى ما لا يراه الآخرون.

محدد المكان أيضا مسألة حاسمة. صحيح أنني الآن في بلد ما، لكن مهجتي في بلد أو مجموعة دول أخرى. يجب أن أكون في خيالي هناك وليس هنا، وفي زمن قياسي. على الصحفي أن يتشبع بالعالم، فهو الكائن الوحيد تقريبا المسؤول عن تلخيص الدنيا في تلك الحركة السحرية الغريبة عندما يحرك قلمه فوق الورقة. وللجغرافيا معنى كبير بالنسبة للصحفي عند التنقل إلى مكان الحدث أو الظاهرة التي سوف يشتغل عليها. فالمكان يحمل في نفسه مفاتيح الشفرات والألغاز، وفي المكان يمكن أن يشتمّ الصحفي آثار من مروا من هناك، وكيف كان مرورهم، وكيف كانوا سعداء أو تعساء أو خائفين أو جياعا أو مرعوبين أو مهووسين أو حتى رياضيين. على الصحفي أن يكون مشبعا بالمكان.. ولكن لا يجب أن يكون وفيا له، فهو متغير مع تغير الحدث والظرف وإجبارات القلم.

لا معنى للصحفي دون إنسان. وأخطر فكرة يمكن أن تسكن الصحفي في هذا الباب هو ميله وانحيازه لمجموعة على حساب أخرى، كأن يكون كاتبا عن إشكالات الإنسان في أوروبا الشرقية متناسيا ما يمكن أن يكتشفه مع الإنسان الياباني مثلا أو المكسيكي أو الأيرلندي أو الكامروني. إذ على الصحفي أن يكون منطلقا وحرا وصريحا كالريح في كل الثقافات والدول وبين كل الأجناس دون أي تمييز أو تحيّز.

على الصحفي أن يكون إنسان الإنسان، وفي ذات الحين دون مشاعر مولدة للحب نحو تلك الجماعة أو تلك، لأن الحب طاقة، ولا طاقة لدى الصحفي للحب بعد أن اختار أصلا الاشتغال في الصحافة. فالحب يظهر من خلال تمكن الصحفي تقنيا في نقل الحدث أو الظاهرة، ثم يمرّ تاركا الأثر والشعور لمتقبل الرسالة.

هل نحن سعداء؟

قد يعتقد البعض أن الصحفي شخص لطيف ومحظوظ واجتماعي جدا. نعم، يمكن أن يكون كذلك، لكن تأكد أن كل ذلك ليس سوى صورة يتقن الصحفي ترويجها عن نفسه كي يتسنى له العيش مع الناس.

تشارك ـ ي معي في هذا السؤال: كيف لشخص دون عاطفة لأكثر من 9 ساعات في اليوم، لا يعنيه الزمان ولا المكان إلا لكي يعمل، ولا ينظر إلى استثناء في أي إنسان مخافة السقوط في التحيز وفقدان الموضوعية.. كيف له أن يعيش طوال فترة عمله كصحفي سويّا؟ وأقصد بسويّ هنا هو ذلك السلوك الذي لا تعتبره عامة الناس غريبا على الأقل.

لا تستغرب أن يقفز صحفي في حياتك لبضعة أيام ثم يغادر كأنه لم يكن. الصحفي خبير في هذه الحركة البهلوانية ومن الصعب أن يترك أثرا إلا إذا أراد ذلك. فقد تظافرت العديد من العوامل ليكون تعامل الصحفي مع مشاعره ومشاعر الآخرين على أنها خبر أو مادة إعلامية، فيها بداية وذروة ونهاية. ومن الصعب أن تجد صحفيا متزوجا. إنس أمره عندما ينسى أمرك، فالأكيد أنه منهمك في قضم تفاحة وهو يقرأ صحيفة التايمز الورقية في مرحاض حانة رخيصة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
سيف الدين العامري

صحافي وباحث في أنثروبولوجيا السياسة بالجامعة الإيطالية. متخصص في الأزمات الإنسانية بحوض البحر الأبيض المتوسط. عمل في القسم الفكري لصحيفة العرب اللندنية ومراسلاً لعدد من وسائل الإعلام من بينها موقع Orientxxi فرنسي/عربي، وصحيفة الأخبار اللبنانية. مهتم بالقضايا الفكرية العربية والإنسانية، خاصة قضايا الحداثة وما بعدها، وأسئلة الجماليات والسيمياء والفنون والثقافة في الأزمنة الراهنة. يميل إلى المقالة ـ الحكاية أكثر من مقالات الإخبار الكلاسيكية. يدرس مادة الموسيقى العربية كهواية ويعزف على آلة العود.

كلمات مفتاحية
مدونة

التعليقات