بعد عام من إغلاق طريق اليونان إلى أوروبا، ما هي وجهة اللاجئين السوريين؟

بعد عام من إغلاق طريق اليونان إلى أوروبا، ما هي وجهة اللاجئين السوريين؟

قبل أكثر من عام، أعلنت كل من مقدونيا وكرواتيا وسلوفينيا إغلاق حدودها أمام اللاجئين القادمين من اليونان والراغبين في التوجه نحو أوروبا. هذا الإغلاق كان خطوة أولية قبل الاتفاق الذي جرى بين تركيا والاتحاد الأوروبي، بحيث توقف تركيا تدفق اللاجئين من خلال إعادة الواصلين إلى اليونان إلى الأراضي التركية إذا لم يتقدموا بطلبات لجوء، أو قوبلت طلباتهم بالرفض. بالمقابل حصلت تركيا على 3 مليارات يورو من الاتحاد الأوروبي، وإمكانية سفر مواطنيها إلى دول معاهدة شنغن (Schengen Passport-Free Zone) من دون تأشيرات مسبقة.

هذا الحدث شكل نقطة فارقة في مصير أكثر من 6 ملايين لاجئ سوري خارج سوريا (وفق إحصاءات الأمم المتحدة)، حيث أن طريق البلقان إلى أوروبا الغربية كان قد شهد مرور قرابة المليون سوري إلى أوروبا الغربية ليحصلوا على اللجوء الإنساني أو السياسي هناك. ومع إغلاق الطريق أصبح العديد من السوريين مجبرين على اتباع طرق أخرى إلى أوروبا أو الدول الغربية الأخرى.

13.5 مليون لاجئ

وفق تقديرات الأمم المتحدة، هناك حوالي 13.5 مليون سوري قد أُجبروا على النزوح من منازلهم وأماكن سكنهم الأصلية نتيجة الحرب المشتعلة منذ 6 سنوات، حوالي 7 ملايين منهم يعيشون نازحين ضمن الأراضي السورية في المناطق الآمنة نسبياً، بينما أكثر من 6 ملايين يتوزعون كلاجئين في مناطق متعددة كالتالي:

دول الجوار

وفقاً لأعداد اللاجئين المسجلين لدى لأمم المتحدة، فحوالي 5 ملايين سوري يعيشون في البلاد المجاورة لسوريا، يتركز معظم هؤلاء ضمن تركيا حيث تقول الأمم المتحدة إن أكثر من 2.8 مليون لاجئ سوري قد تم توثيقه هناك حيث يعيش معظمهم في المخيمات، أو يلجؤون للعمل في السوق السوداء بأجور بخسة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات حياتهم.

بالدرجة الثانية، يأتي لبنان الذي يحتوي أكثر من مليون لاجئ سوري مسجل يعيش معظمهم في خيام تفتقد لأبسط الخدمات. كما أن العنصرية المتفشية ضدهم نتيجة الخلافات الطائفية، وكون عدد سكان لبنان غير مهيأ أصلاً لاستقبال هذا العدد من اللاجئين يجعل الظروف الحياتية صعبة للغاية للسوريين هناك حيث يستمر التدخل العسكري السوري في لبنان سابقاً بإلقاء ظلاله على العلاقة بين شعبي البلدين.

تحوي المملكة الأردنية حوالي 650 ألف لاجئ سوري مسجل، بينما تضخم التصريحات الحكومية العدد إلى 1.4 مليون لاجئ. أوضاع اللاجئين في الأردن تعرضت للكثير من الانتقادات الدولية نظراً للظروف السيئة للمخيمات وأشهرها مخيم الزعتري، فالخدمات الأساسية شبه غائبة تماماً ومعظم سكان المخيمات لا يستطيعون مغادرتها للعمل وتأمين دخلهم كذلك.

الدول العربية

وفق أعداد اللاجئين المسجلين في الأمم المتحدة، هناك حوالي 230 ألف لاجئ سوري في العراق (يتمركزون في إقليم كردستان الشمالي) بينما يوجد 117 ألف لاجئ في مصر (يرتفع العدد إلى 500 ألف وفق الحكومة المصرية) يتركز معظمهم في "دمشق الصغيرة" في مدينة السادس من أكتوبر بالقرب من القاهرة. وعلى عكس الدول القريبة الأخرى، فمصر لا تحتوي أي مخيمات لاجئين ونسبة كبيرة من اللاجئين هناك دخلوا بطرق نظامية ويجنون معيشتهم من طريق العمل.

بينما أعداد السوريين غير ملحوظة تقريباً في معظم البلدان العربية الأخرى، فالدول الخليجية تدّعي وجود حوالي مليون سوري مقيم بطريقة غير شرعية أو تخطى فترة إقامته المسموحة يعيشون على أراضيها. هؤلاء "المقيمون غير الشرعيين" لا يتلقون أي مساعدات من أي نوع كون كشف هوياتهم يعني ترحيلهم الفوري، كما أن الأمم المتحدة لم تقدم تقديرات لعدد السوريين هناك مما يبقي العدد غير دقيق.

أوروبا الغربية

بين عامي 2014 و2016 نشطت الهجرة غير الشرعية بشكل كبير من تركيا إلى اليونان ومن ثم إلى أوروبا عبر البلقان، ومع أن معظم البلدان الأوروبية تمتلك سياسات صارمة بشأن اللاجئين وحداً أدنى من الضمان الاجتماعي لهم، فسياسات السويد وألمانيا المرحبة باللاجئين وخصوصاً السوريين منهم، أدت إلى تدفق أعداد كبيرة إلى البلدين ليصل عدد السوريين في ألمانيا إلى قرابة 600 ألف لاجئ مقابل 110 آلاف في السويد تم توطينهم ومنحهم الإقامة. بالمقابل، فالبلدان الأوروبية المتبقية مجتمعة لم تستوعب حتى نصف عدد اللاجئين السوريين في ألمانيا.

إلى أين يذهب السوريون اليوم وكيف؟

معلوم أن إغلاق طريق البلقان باتجاه أوروبا أثر على هجرة السوريين إليها، إلا أنه لم يلغِ حركة الهجرة تماماً بل أعاد توجيهها بطرق أخرى أكثر تكلفة وأكثر خطورة غالباً.

رحلة بالطائرة بجوازات سفر مزورة أو مسروقة

هذه الطريقة ليست جديدة حقاً، فحتى خلال الفترة التي كان يتم فيها التغاضي عن المهاجرين عبر طريق البلقان، لجأ الكثيرون لمحاولة الدخول إلى أوروبا عن طريق حجز رحلة جوية (إلى إيطاليا عادةً) بجواز سفر مزور أو مسروق من أحد السياح الأوروبيين في اليونان.

التغيير الأساسي في طريقة التهريب هذه هو ارتفاع تكلفتها، فبعد أن كانت تكلف حوالي ألفين إلى أربعة آلاف دولار أمريكي سابقاً، أصبحت اليوم تكلف نحو 10 آلاف دولار، مع بقائها مقامرة بالمال كون احتمال المرور باستخدام جوازات السفر المزورة والمسروقة غير مضمون مع ازدياد خبرة أمن المطارات اليونانية بالتعرف على المهاجرين غير الشرعيين.

قوارب الموت عبر المتوسط: السودان هو المحطة الأولى

مع توقف إمكانية دخول أوروبا عبر البلقان، خصوصاً مع انتشار صور وفيديوهات مناوشات اللاجئين مع حرس الحدود المقدوني، أصبح السودان وجهة أساسية للسوريين، سواء للاستقرار به لأقلية منهم أو كمحطة أولى في مشوار جديد أطول وأخطر من السابق.

يُعد السودان واحداً من بلدان قليلة تسمح بدخول السوريين إليها دون موافقة مسبقة، هذا الأمر جعلها محطة أساسية في الطريق الجديد الذي يعبر من السودان إلى مصر أو ليبيا عبر طرق التهريب الصحراوية، ومن هناك تتفرق الطرق حسب المهاجرين. فبينما يفضل البعض الاستقرار في مصر، فالأغلبية تسافر بحراً في مراكب متهالكة إلى إيطاليا ومنها إلى أوروبا الغربية. الباقون يكملون إلى الجزائر أو المغرب حيث يحاولون من هناك دخول إسبانيا ومنها تصبح الحدود مفتوحة أمامهم.

هذه الرحلات المتعددة تكلف مبالغ متفاوتة حسب الطريق المتبع، إلا أن أرخصها يكلف حوالي 4000 دولار أمريكي ويتبع طريق ليبيا ثم إلى إيطاليا، هذا المبلغ يعد كبيراً مقارنةً بالمبالغ السابقة إذ كانت تكاليف السفر عبر البلقان تقارب 2000 دولار أمريكي وانخفضت لمدة من الزمن إلى نحو 1200 دولار.

وجهات جديدة

مع تشديد أوروبا لقوانين الإقامة فيها، وتأخر معالجة طلبات اللجوء في ألمانيا (التي كانت القبلة الأولى للاجئين بسبب سرعة الإجراءات) حتى أنها تجاوزت السنة أحياناً مع تزايد حالات الرفض أصلاً، فالعديد من السوريين تخلوا عن أحلام اللجوء إلى القارة العجوز وتحولت أنظارهم إلى أماكن أخرى من العالم.

واحدة من هذه الوجهات الجديدة هي المملكة المتحدة، فعلى الرغم من أن قوانين اللجوء هناك تعد من الأكثر تشدداً في العالم، فالعديدون لا يزالون يحلمون باللحاق بـ 5 آلاف سوري تم إعادة توطينهم في المملكة المتحدة. علماً أن معظم الراغبين بدخول الجزيرة البريطانية، عالقون في فرنسا حيث أكثر من 8 آلاف لاجئ في "مخيم كاليه" شمال فرنسا قبل أن تفرغه السلطات الفرنسية أواخر عام 2016.

بالمقابل، فالهجرة إلى البرازيل أصبحت مغرية للكثيرين، فعلى الرغم من أن أكبر بلدان أمريكا الجنوبية لا تقدم ضماناً اجتماعياً فعالاً أو برامج للدمج مع المجتمع، فانخفاض تكاليف المعيشة، ووجود أعداد كبيرة من العرب عموماً والسوريين خصوصاً هناك يقلل من السلبيات خصوصاً مع كون البرازيل تعطي تأشيرات الدخول للسوريين بشكل شبه أوتوماتيكي إذ قلما يُرفض أحد.

إعادة التوطين من الأمم المتحدة: الحلم البعيد

بينما يحاول العديد من السوريين الوصول إلى أوروبا بأي ثمن، فالكثيرون لا يستطيعون تحمل التكاليف الباهظة للسفر، أو يخشون أخطار الطريق التي تبدأ بالغرق المتكرر للمراكب العابرة للمتوسط، ولا تنتهي مع عمليات النصب أو السرقة المنتشرة على طرق التهريب. هذا الأمر يجعل عدداً كبيراً من السوريين يعقدون آمالهم على برنامج إعادة التوطين الخاص بالأمم المتحدة والذي يتولى نقل اللاجئين إلى بلدان غربية وتأمين مساكن لهم.

علماً أن آمال الكثير من السوريين بإعادة التوطين في البلدان الغربية كثيراً ما تقابل الواقع السيئ، فعلى مدار سنوات الحرب الماضية لم تنجح منظمة اللاجئين بتوطين أكثر من 7% من أعداد اللاجئين. ومع كون كندا هي الوجهة الأساسية الآن مع حوالي 40 ألف سوري تم إعادة توطينهم فيها، فالأرقام تبقى غير مشجعة خصوصاً في المملكة المتحدة التي لم توطن سوى 5 آلاف وأستراليا التي اقتصر العدد فيها على 6 آلاف فقط، كما أن الولايات المتحدة غير متاحة أصلاً تحت ظل إدارة ترامب على الرغم من استقبالها حوالي 16 ألف لاجئ سوري سابقاً.

ملايين من النازحين، ولا موعد للعودة

مع دخول الحرب السورية عامها السابع، فآمال الاستقرار والعودة للوطن ما تزال بعيدة للكثيرين. ومع تزايد الوضع سوءاً من حيث الكره المتزايد للسوريين في بلدان الجوار، والآمال الضئيلة أو المعدومة باللجوء إلى أوروبا أو سواها من بلدان العالم الأول، فالمستقبل يبدو ضبابياً إلى مدى بعيد.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
علي وديع حسن

كاتب سوري، مهتم بالسياسة والاقتصاد ومتابع للدوريات العلمية.

كلمات مفتاحية
اللاجئون السوريون

التعليقات