الزواج المُبكر في السياسة اللبنانية... بين القطاف والشيطنة

الزواج المُبكر في السياسة اللبنانية... بين القطاف والشيطنة

في كلمة ألقاها بمناسبة "يوم المرأة المسلمة" قبل مدة، نجح السيد حسن نصرالله في تحويل قضية الزّواج المبكر إلى مادةٍ ساخنة حفّزت الجميع، من خصومٍ وأصدقاء للتعليق عليها، ودخلت القضية في البازار السياسي.

"من يروّج لثقافة مواجِهة للزواج المبكر في مجتمعنا يخدم الشياطين وإبليس ويسعى إلى تخريب مجتمعنا أخلاقياً"، وعظة نصرالله هذه في ظاهرها تبدو منطقية، فلا ضير بالزواج المبكر، لكن من يحدّد المدى العمري للزواج المبكر؟ هل يشمل الزّواج المبكر زواج القاصرات؟

نصرالله ينطلق من خلفية دينية كونه رجل دين، والدين، أو الشرع يسمح بتزويج الفتاة البالغة. الشرط الشرعي الديني واضح ويتعارض مع القوانين الدولية التي تحدّد سن الرشد بـ18 سنة.

لا قانون مدني في لبنان، أي أن زواج القاصرات مبرّر ولا يعاقب عليه القانون. طرح نصرالله للزواج المبكر فتح باباً للجدل حول مقصده، فهو استغلّ العنوان الفضفاض للزواج المبكر دون أن يفصل ما بين زواج القاصرات وزواج من ينتمون لفئاتٍ عمرية شابّة راشدة، فزواج من بلغوا الثامنة عشرة لا ضير فيه، في حال كانت الظروف المعيشية والحياتية والاقتصادية متاحة، لأن الزوجين راشدان أمام القانون، ومهما كان قرارهما، فهما مسؤولان عنه.

تبرير زواج القاصرات... عقلية مريضة أم عاداتٌ متخلّفة؟

منذ قرابة الأربعين عاماً، كان زواج القاصرات لا يعتبر موضوعاً يستأهل النقاش، وكانت الزيجات في لبنان تبدأ من مَن بلغت في الجسد ومن العمر 13 عاماً.

منذ أربعين عاماً لليوم، لم تشهد العقلية السائدة والمشرعة أي تغيير أو تطوير، لا بل يستميت بعض رجال الدين في الدفاع عن شرعية تزويج القاصر، فالشّرع يسمو على القانون، والقوانين الدّينية التي تستمدّ شرعيتها من الله المعمم على الأديان، أسمى من القوانين المدنية التي صنعها الانسان.

محاولاتٌ عديدة شهدها لبنان لتمرير قانون مدني للأحوال الشخصي ولو كان اختيارياً، لكنها لم تفلح أمام معارضة بعض الكتل بضغطٍ من رجال الدين المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء.

أقوال جاهزة

شارك غردحاول رئيس القوات تسجيل موقف على الأمين العام لحزب الله، ويا ليته لم يفعل.. ما هكذا يكون الدفاع عن النساء

شارك غردالسياسة اللبنانية بين من يعتبر محاربة الزواج المبكر عمل شيطاني ومن يرى المرأة كثمرة يحين وقت قطافها أو لا يحين

وردة "القوات" ثمرتها ليست للقطاف

"ما تقطفها قبل وقتها"، الشعار ليس شعاراً ترويجياً لحملة حفاظ على الثمار الزراعية، ولا شعاراً وقائياً للزهور والنباتات، الشعار ببساطة هو للترويج لثقافة رفض تزويج القاصر.

image_uploaded_from_ios_720

الشعار أطلقه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، كأساسٍ لحملة رفض تزويج القاصرات، التي لم تكن في سلّم أولويات القوّات إلا بعد أن أصبحت موضوعاً ساخناً على بساط البحث.

سحب جعجع المنشور عن صفحته، لم تلاق حملة الأخير صداها المطلوب، فركوب القوات موجة انتقاد نصرالله انقلب وبالاً عليها، بعدما كان من المفترض أن يكون حملةً ترفع من أسهم القوات لدى المجتمع المدني وأصحاب الرّؤى الحقوقية النسوية، طالما أن لبنان على أبواب انتخاباتٍ نيابية، من المفترض أن يكون لأصوات الرماديين، أي المستقلين، دورٌ بارز.

زواج القاصرات ليس موضوعاً مستجداً كي تتبنى القوات رفضه، بل موضوعٌ قديمٌ ولا ينفصل عن المواضيع الحقوقية الأخرى كحقوق المرأة بإعطاء الجنسية لأولادها وحقّها بالحضانة، والمشاكل هذه حلّها بقانون مدني يضمن الحقوق والواجبات، لا بحملات "قطف" وتلطيش.

ركب حزب "القوات" موجة انتقاد خطاب نصرالله من باب النكايات السياسية لا أكثر، شعارهم يشبه الى حدٍّ بعيدٍ الشعارات التي يطلقها الدعاة لفرض الحجاب، بأن المرأة كقطعة الحلوى، حجابها غلافها، فهل نأكل الحلوى بلا غلاف؟

ثمرة "القوات" لم تنضج، عند نضوجها يمكن قطفها، لا وقت للحديث عن الحقوق أو إطلاق حملةٍ شاملة لإعطاء المرأة حقوقها، "الترند" حالياً هو انتقاد خطاب نصرالله دون إيجاد حلول.

للقوات ممثلون في البرلمان والحكومة، ليطرحوا مشاريع قوانين وليدعموا بأصواتهم مشاريع القوانين المطروحة، فالتّصويت والتّشريع الفعلي أجدى من حملات إلكترونية ومزايداتٍ فارغة تافهة، حاول جعجع أن يقطفها وفشل، مش وقتها حالياً، لأنها مشكلة دائمة لا يمكن حصرها بهاشتاغ أو ترويج آني.

مش وقتها...

بمجرد تخيّل المشهد، أي طفلة بثوب العرس أو تلبس ثوب السيدات وتحمل مسؤوليات أكبر من عمرها والقبول به، يعني أن المجتمع في خطر، فالمراهقة لن تنجح في لعب دور السيدة، وإلا لما كان لتقسيم الفئات العمرية من فائدة.

نصرالله انطلق من كونه رجل دين، ولم يحدد، في خطوة ذكية، ما يقصد بسن مبكرة، ما يمنح الجميع فرصةً للضغط على الكتل النيابية الرافضة لتشريع قانون تجريم زواج القاصرات، وعندها فقط، سيعرف الشّعب من يرضى بتزويج القاصرات من المشرّعين ومن يرفض ذلك، عندها يكون "قطاف" المواقف قد حان.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد ياسين

صحافي ومدوّن لبناني شاب، حاصلٌ على عدّة جوائز في التّدوين، كما على لقب سفيرٍ لحقوق الإنسان من منظمة التّنمية البشرية في الأمم المتحدة. نشر في وسائل إعلامية لبنانية وعربية عدة، منها النّهار، الأخبار، وصحيفة العربي الجديد، قبل أن يتولّى رئاسة تحرير موقع "الحقيقة" الإلكتروني، ويبدأ عمله كمراسلٍ تلفزيوني ومعدّ مواد في قناة ال "LBCI". ولياسين أيضاً مساهمة كمنتج لأفلام وثائقية، عن فيلمه "نوستالجيا"، الذي يتحدّث عن مصوّري الحرب الأهلية اللبنانية وتجاربهم. @Lobnene_Blog

كلمات مفتاحية
لبنان مدونة

التعليقات