حين أهان قاتل السفير الروسي دم الحرية السوري!

حين أهان قاتل السفير الروسي دم الحرية السوري!

مدون فرنسا

مسيراتٌ سورية على وسائل التواصل الاجتماعي تحمل صورة رجل الأمن التركي "مولود مرت ألطنطاش" الذي اغتال السفير الروسي في أنقرة وهو يصيح "الله أكبر. لا تنسوا حلب...".

بوستات على شكل لافتات تجوب شوارع وأزقة الفيسبوك تحمل عبارات من عيار "بدها رجال، بفش القلب، الله يرحمك يا بطل، بالجنة يا ألطنطاش، سيدنا محمد هو قائد الغر الميامين وألطنطاش واحد منهم" وغيرها من العبارات التي حاكها المزاج الشعبي باعتزاز وفخر بقاتل السفير الروسي وهو يكبّر ويدعونا كي لا ننسى حلب.

هي مجرّد عيّنات سريعة على "النصر المبين" الذي تحقق على يد رجل الأمن التركي، وانتشى له ملايين السوريين! فرحٌ علنيّ شعبويّ طال جماهير شعبنا السوري باغتيال سفير دولة لن يترك اغتياله أي أثر إيجابي على واقع أهلنا في الداخل السوري، لا بل على العكس سيترك أثراً سلبياً جديداً على ما تبقى من أرضنا وأهلنا وأملنا في الخلاص من هذه المحرقة التي لم تبق ولم تذر في وطننا.

لندع السفير الروسي جانباً، فالمزاج الشعبي السوري الذي يستسهل تدفقه كجدول أمام أية حادثة من هذا النوع، لم يبحث أولاً في هوية القاتل كونه ليس سورياً! كما لم يتطرق لأية معلومة عن السفير القتيل باستثناء كونه صورة لدولة تحتل بلدنا وتقتل شعبنا، وأنه جزء من نظام لم يدع وسيلة إلا استخدمها لأجل تكريس هذا العدوان بحجة حماية النظام الذي يحارب بدوره الإرهاب. علاقات متشابكة، لا يمكن مسك خيوطها ببساطة، فيما وحده الدم السوري المسفوك بغزارة هو من يحصد ثمار كل هذه التعقيدات.

لا حاجة للقول إن الروس يمارسون أبشع أنواع الجرائم على شعبنا السوري، ولا مبرر لذكر أنهم أصبحوا يحتلون بلدنا، فالعالم كله بات يعرف أن الروس هم من يقررون شكل القذيفة ونوع الطائرة أو الصاروخ الذي سيضرب هنا أو هناك، بوجود مقاتلين أم بعدم وجودهم، كل هذا لا يمكن نسيانه، لكن في المقابل، أليس من حقنا أن نتذكر أن جرائم الروس هذه تتم بالتنسيق مع الجارين التركي والإيراني ضمن اتفاق إقليمي ودولي لا مجال للتشكيك في صحته، ألم تقصف طائرات الروس حلب على مرأى ومسمع الدولة التركية التي أعلن رئيسها أنه لن يسمح بحماة أخرى في حلب! فهل نرمم زلة لسان الرئيس بانتصار وهمي تم بطريقة القتل العمد وأمام وسائل الإعلام مباشرة؟

أقوال جاهزة

شارك غرد"لقد سحب المنتشون بجريمة ألطنطاش سلاح الحق الذي نملكه في دفاعنا عن الحرية، وأهانوا دمنا المسفوك...”

شارك غرد"نغوص أكثر فأكثر في إلغاء عقولنا، لتصبح طلقات النار والقتل أسلوباً لحل مشاكلنا"... ألهذا تقوم الثورات؟

في العام 2012 قال وزير الخارجية التركي حينذاك أحمد داوود أغلو: "لا يمكننا أن نستوعب 100 ألف سوري لاجئ على الأراضي التركية، وإن وصل عدد اللاجئين السوريين إلى 100 ألف فسنتدخل لإسقاط نظام الأسد"، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث، فزاد عدد اللاجئين على المليونين، ليعود الرئيس التركي ويلعب على مزاج السوريين مشبّهاً الأتراك والسوريين بـ"الأنصار والمهاجرين"، عندما قال: "نتبع سياسة الأنصار مع المهاجرين في زمن الرسول الكريم"، ليصل عدد السوريين في تركيا الآن إلى أكثر من 3 ملايين لم ينالوا من السلطان العثماني سوى الكلام المعسول الذي أتقن تغميسه بأحرف النّصوص المقدّسة.

لم يعد يخفى على أحد أنه عندما يتعلق الأمر بمصلحة عليا لدولة ما، فإن هذا يقتضي على سياسييها الكثير من فن الممكن، وفن الممكن هنا في شرقنا الأوسط الكئيب، يدخل ضمن نظرية المتلازمة الشرطية لفن الكذب، وليس لنا هنا كجماهير كادحة أي قدرة لخوض هذه اللعبة، لكن في ظل هذا العجز، ألا يحق لنا أن نتساءل عن سبب غياب قضية الـ"نحن"، طوال السنوات الماضية؟ أليس الجواب على أسئلة من نحن، وماذا نريد وماذا سنكون وأين مصير ثورتنا، بل أين تذهب سوريا بعد كل هذه السنوات، هو ما يمكننا العمل عليه وتطويره بعيداً عن مصالح الدول وسياساتها؟

نحن الذين لم نتعلم شيئاً طوال السنوات الست الماضية..

ونحن الذين لا تزال تدغدغ مشاعرنا أية كلمة عاطفية..

نحن الذين نصدق القشة التي تقصم ظهورنا..

ونحن الذين نلجأ لقاتلنا ونطرب لمقتولنا..

نحن الذين يتم خداعنا لأهون سبب، ونرتاح لاستسهال نظرية التعميم..

نحن الذين نمارس النفاق على أنفسنا، ونجهد في البحث عن تبريره..

نحن الذين لا نزال نعتقد أن وفاة الخامنئي سيحد من حضور طهران في دولنا العربية..

نحن الذين نعتقد أنه إذا رحل الأسد فستنفرج أوضاع السوريين بلا استثناء..

نحن الذين نتهم الغرب كله بالكفر، إذا ما رسم شخص واحد فقط، رسومات مسيئة للإسلام..

نحن الذين نلجأ لهذا الغرب هرباً من بلداننا المؤمنة!

نحن الذين لا نملك أي مشروع تنويري حداثوي جدير بثقافة الحياة..

نحن الذين نغرق بهلوساتنا التي لم تكشف سوى الدرك الأسفل الذي وصلنا إليه..

نحن الذين لا نملك برنامجاً وطنياً يتسع لكل السوريين...

نحن الذين نحتفي بالأصولية والقتل والذبح ولا نملك ما نبشر به غير التصحر.

نحن الذين لن تتحرر أراضينا ما لم تتحرر المرأة فينا..

لقد وَضَعَنَا - ألطنطاش - في خانة لا نُحسد عليها، رمانا جميعناً في سلة المجرمين، لا سيما أن المعلومات التي تسربت أكدت أن طاش كان يخطط لفعلته منذ أشهر.

يحقّ لنا أن نكره بوتين، ويحق لنا أن نرفض سياسته، ويحق لنا أن نغضب للأذى الكبير الذي أصابنا على يديه، لكن بكل تأكيد لا يحق لنا أن نفرح لجريمة موصوفة أمام العالم ارتكبها شخص بحق رجل ديبلوماسي لا يقدم ولا يؤخر في قرار الكرملين حيال ما يحدث في سوريا، خصوصاً أن موت السفير بهذه الطريقة البشعة لن تغير في الأمر شيئاً، لا بل سيزيد الضغط وسيكون الإنسان السوري البسيط أول الضحايا، هذا هو الثمن الأكيد الذي سيتم حصده على الفور.

ربما يكون القهر الذي مرّ على السوريين خلال السنوات الست الماضية، وسيلتنا لتفهم هذا المزاج الشعبوي الذي لم يتردد في التعبير عن سعادته بمقتل من تم اعتباره رمزاً لقيصر روسيا، لكن السؤال الذي يحرق اللسان هو متى كان اغتيال شخص وسيلة للخلاص من بطش نظامه؟

لقد سحب المنتشون بجريمة ألطنطاش سلاح الحق الذي نملكه في دفاعنا عن الحرية، وأهانوا بتبنَيهم موقفه، دمنا المسفوك على مذبح الكرامة والحرية والعدالة التي خرج لأجله الشعب السوري، فأسوأ ما يمكن أن نراه في ردات الفعل السورية تجاه مقتل السفير الروسي هو أننا نغوص أكثر فأكثر في إلغاء عقولنا، لتصبح طلقات النار والقتل أسلوباً لحل مشاكلنا! فإن نجح الشعبويون تحويل هذا السلوك ليصبح نمط حياة، فعلينا التكبير فعلاً، لكن التكبير سيكون علينا هذه المرة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
بشار عبود

صحافي سوري عمل في الصحافة السعودية. يحمل إجازة في الإعلام، وعضو في شبكة تحرير المرأة في سوريا وفي تيار مواطنة.

التعليقات