كنت أودّ الطيران ولكن...

كنت أودّ الطيران ولكن...

عقدت ُحول معصميّ طرفيّ القماش الرقيق لغطاءٍ مطرّز تناولتُه عن الطاولة الخشبية ذات القوام الحديدية المتصالبة، بعد أن شكلته كمثلث وجعلت له ثقبين في المنتصف، ثم مررت عبرهما خيطاً لأربطه حول عنقي مثبتة بذلك الجناحين. لم يتبق سوى صنع الذيل! ولكن لايهم، فلدي رجليّ وسأتوازن بهما... أليست تلك مهمة الذيل!

بدأت بروڤاتي على الأرض أركض وأرفرف بجناحي قماشٍ وبكل ما فيّ من عزم أحاول القفز علّي أرتفع عن الأرض ولو شبراً واحداً! لكن محاولاتي باءت بالفشل، فطفقت ألهث وقد انهارت قواي وتصبب مني العرق، لكنني لم أستسلم، قلت في نفسي ربما كان عليّ المحاولة من على قمة عالية كما رأيت في أفلام الصور المتحركة، حيث يقصدون جبلاً متشبثين بقطعةٍ حديديةٍ ثبت على هيكلها قماش بشكل مثلث أشبه بطائرة ورقية كبيرة كالتي كنا نتلهى بصنعها من ورق دفاترنا، لكني لا أملك مثلها ولن تسمح لي أمي بالخروج وحيدة من المنزل هذا مؤكد، ثم إننا أصلاً نقيم في الجبل، هذا ما يردده الجميع!

اكتفيتُ بعد تفكير بما تيسر لي من أدوات، مصممة على المحاولة بهذا القماش والتوازن برجليّ بعد أن شلحت حذائي كي لا يعيق ارتفاعي، ثم امتطيتُ حافة الڤرندة والتي كانت أعلى قمة وجدتها في البيت، فالسطح لم يكن ضمن المخطط، حينها كنت في الخامسة!

وقفت موازنة جسدي وبدأت بالركض ثم عند انتهاء الحافة أقفز وأرفرف بسرعة وأخفق في رفع رجليّ فتسقطان كأنهما حجرين ثقيلين باتجاه الأرض يتبعهما جسدي مرتطماً بأكمله. وبينما كنت أعيد التجربة مقلدةً عباس ابن فرناس في طيراني الفاشل، وصل قريب لنا إلى البيت وبدأ يناديني بالفراشة، لم يرق لي ذلك فاشتكيته، فكف عن ذلك واختبأ ذلك الإسم في مكان ما داخلي إلى اليوم.

على أنّ تجربة الغناء لم تكن بأفضل منها في الطيران، في الثالث الابتدائي كان لي صديقةٌ تغني للسيدة أم كلثوم وكأنها تردد الشعار، كان صوتها يسحرني وتوصلت في خلوة مع النفس أنه إذا كانت صديقتي تستطيع الغناء فكذلك أنا، فلم يكن لدي الوعي بمعنى الملكات وماهيتها، جاهلة خصوصية الموهبة، ذات اعتقادٍ جذريّ بالمساواة، فأنا طفلة مثلها وفي نفس الصف وأدرس ما تدرسه، مع أن شعري كان قصيراً ومجعداً بينما شعرها أملساً و"كاري"... لكن ذلك لم يكن ليفسد القضية، بل هو صوتي بحد ذاته ما كان يقلب المعادلة، فلم يكن أبداً كصوتها. هذا ما قالته لي معلمة الموسيقى "كاميليا" التي تحملتني طوال سنوات وصوتي الأشبه بالزعيق كلما رفعت اصبعي لدى سؤالها "مين بدو يغني؟"، لتعترف لي أخيراً في الصف السابع وقد لاحظت تصميمي على دخول كورال المدرسة، وبعد تدريب واحد مع الفرقة، بأن عليّ أن أبحث عن موهبتي الحقيقية لأنني ودون أدنى شك لا أملك مقومات المطربة على الإطلاق.

وهكذا اجتزتُ غصتي مع الزمن واقتنعت بأنني لا أملك صوتاً لتقليد أم كلثوم التي أحببت أغانيها منذ الصغر حين كانت تصدح بصوتها الجبار كل مساء في الساعة الخامسة في إذاعة "صوت الجنوب" اللبنانية، بينما كانت فيروز تحتل الفترة الصباحية، وبين هذه وتلك تمرر المذيعة أخبار حزب الله و"ميشيل عون" و"حركة أمل". كان لها شكل ضفدعي وصوت مسموم! على ذلك النحو تخيلتها. قال والدي مرة وهو يحادث أصدقاءه باني كنت أنفي أي تحرك لي كلما كررت المذيعة في نشرة الأخبار "حركة أمل"!.

أما في إذاعة مدرسنتا الثانوية، فكانت الأغاني الوطنية هي الوحيدة المسموح لها أن تصدح. كانت جوليا بطرس تدغدغ مشاعرنا بأغانيها المؤثرة عن شمس الحق التي غابت وعن رفضها للموت وفيروز تهز الوطن في داخلنا كأنّه طفل، بينما يتنقل مختالاً بين أوتار العود كلما غناه سميح شقير.

ومرة بينما كان الموجه مشغولاً بتوجيه درسٍ في حسن التصرف لإحدى الطالبات اقترح أحد الأصدقاء التسلل إلى غرفته لتبديل شريط الكاسيت الذي تردد على مسامعنا عدد أيام العام الدراسي لدرجة أننا حفظنا المقاطع التي يبدأ فيها "بالعلك" فكنا نقول بصوت واحد "اقلبه يا أستاذ بسرعة قبل ما تخلص هالفرصة" رغبة باستبداله بآخر ليس لـ"وائل كفوري" بالطبع، فقد كان من المحظورات، بل آخر وحسب يفك شيفرة التكرار المقيتة تلك، فكان أن استبدلته إحدى صديقاتي بينما راقب آخر الباب بثانٍ لفيروز يحتوي أغانيها تلك التي كانت تحاكي فيها عليا وعيونها الحلوين وتهرب بها إلى عيد العزابي وتهوى بلا أمل...

لكنه اكتشف الأمر بمجرد أن خرج لتنظيم الاصطفاف حيث الصوت يتردد بوضوح، أصغى قليلاً وصفن وهو يزم شفتيه مقطباً حاجبيه وقد تطايرت خصلة الشعر الوحيدة المتبقية على جمجمته ثم سأل مثبتاً نظره إلى الأرض وقد بدى عليه الإنزعاج: "مين يلي غير الشريط؟" فنعترف بفعلتنا وتذهب صديقتي لتتلقى محاظرة حول حسن التصرف لارتكابها فعل تبديل الشريط عن سبق إصرار وترصد.

على أني لم أفقد الأمل بمحاولاتي فبعد الطيران والغناء ابتكرت مشهداً من مخيلتي مأخوذ عن فلم مصري فكاهي أو ماكان يسوق لنا في تلك الفترة على أنه كذلك، وكان الحوار عبارة عن توبيخ بروح الفكاهة من بطلة الفيلم لحبيبها، ودعيت صديقاتي والموجه لكي يستمعوا إلي قبل دخولنا إلى المهجع الدراسي، وحالما بدأت بقراءته غرقت صديقاتي بالضحك وتبعهن الموجّه بعد أن حاول تمالك نفسه لبعض الوقت، أما انا فأكملته للنهاية وعندما توقفت صمت الجميع.

وبعدها لا أذكر أني حاولت زج نفسي في موهبة جديدة اللّهم سوى الانتظار...

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أمل فارس

كاتبة ومترجمة عن الإسبانية من سوريا.

كلمات مفتاحية
مدونة

التعليقات