نعم، حوادث السير لا سبب محدد لها

نعم، حوادث السير لا سبب محدد لها

أول ما يرد في بال القارىء عند قراءته عنوان هذا المقال هو أن ينتقد الكاتب والموقع على السواء. "ألستم من أخبرنا أنه يجب أن نتوقف عن استعمال مصطلح حوادث السير؟". صحيح، ولكننا قررنا أن نستخدم مصطلح "حوادث السير"، حتى إذا ضغط القارىء عليه نعطيه المصطلح الأصح: "الصدامات المرورية".

الهدف من التذكير بأهمية تغيير المصطلح، يأخذنا مباشرة إلى عالم "أسباب الصدامات المرورية".

هل هنالك سبب وراء كل صدام مروري أم مجموعة أسباب يتصدرها سبب رئيسي أو "مسبب"؟ هل نعطي كل "حادثة" أو عامل رافق زمنياً حصول الصدام حقه لجهة الدراسة، ونسبته الصحيحة في النتيجة، أي حصول الصدام؟

هل تعي الجهات المعنية من قضائية وأمنية وتقنية ومصنعة وإدارية وتسويقية وخبيرة، وغيرها، ما هو السبب أو الأسباب وراء وفاة نحو مئة ألف عربي سنوياُ؟

هل "التحقيق" الذي تقوم به الأجهزة الأمنية/القضائية أو من نسميهم "خبراء سير" كاف؟ هل يعطينا هذا "التحقيق" أجوبة يؤدي استثمارها للحد من الصدامات المرورية، أو يقتصر على إجراءات ذات طابع إثباتي ووصفي بحت؟

هل تتشابه المعلومات التي يحتاجها القاضي أو المحكمة من "التحقيق" لتقسيم المسؤوليات الجزائية، مع المعلومات التي يحتاجها خبير السلامة المرورية لتوجيهه نحو التدخلات المناسبة الكفيلة بإلغاء الأسباب؟

أسئلة مشروعة يصلح كل منها لمطالعة وبحث قانونيين لا يشملهما عنوان المقال.

نقول عادة حين نترحم على أحد المتوفين بصدام مروري: "السرعة قتلته" أو "راحوا افراماته" (أي تعطلت المكابح)، أو نواسي الأهل ونقول "الطريق معتمة"، "بس لو كانت الطريق من دون حفر"... وغيرها الكثير من "الكليشيهات" الجاهزة في جيب المعزين للاستعمال، خلال أي مأتم له علاقة بصدام مروري.

أقوال جاهزة

شارك غردحالتان وسائقان، من منهما برأيكم سيتعرض لحادث سير؟

أما أحاديث بقية فئات المجتمع على اختلاف مؤهلاتها العلمية، وطبقاتها الاجتماعية، وسواء كانت معنية بالصدامات المرورية في مهنها أو ليست معنية، لا فلا يختلف، لأن كل هذه الفئات تتعاطى مع الصدامات المرورية من منطلق أحادي الأسباب (أي نسبة الصدام إلى سبب واحد)، السرعة، أو الكحول، أو استعمال الهاتف، أو وضع الطريق، أو الطقس وغيرها.

فقط البعض ممن اكتسب الخبرة العملية قد يتعاطى مع مسببات الصدام المروري على أنها متعددة الأوجه وكثيرة المصادر. أما القلة القليلة، وهم عادة خبراء السلامة المرورية، فيعطون للـ"العوامل" المختلفة الأهمية اللازمة، أي العوامل الهندسية والشخصية من نفسية وجسدية ومؤهلات، والعوامل المرتبطة بتطبيق القانون، وأجهزة الإسعاف والإنقاذ، وإدارة الطرق والتوجيه والإرشاد، والعوامل الظرفية او اللحظية كالطقس وغيرها.

ما الفارق إذاً بين المقاربات المختلفة، وبين نظرة كل جهة لما نسميه أسباب الصدامات المرورية؟ وهل يوجد فارق بين استعمال مصطلح "سبب" واستعمال مصطلح "عامل"؟

هل تأثرت تحقيقات الصدامات المرورية بالمدارس المختلفة التي فسرت الصدامات. من المدرسة القدرية مروراً بالمدرسة الأحادية السبب، والمدرسة المتعددة الأسباب، وصولاً إلى مدرسة منهج النظم (أو تعدد العوامل وطرق إدارتها)؟.

جميعنا يجزم بمخاطر السرعة أثناء القيادة،

جميعنا متأكد من مخاطر استعمال الهاتف أثناء القيادة.

حسناً، في اللحظة التي نقرأ فيها المقال، كم شخصاً نعرفه يخالف السرعة المحددة، وكم من الأشخاص يستعملون الهاتف أثناء القيادة؟ ربما نصفهم. هل يعني ذلك أننا خلال دقائق سنتبلغ خبر وفاة هذا "النصف"؟ الجواب كلا.

لماذا؟ نحن نجزم بمخاطر السلوكين المذكورين ودوريهما في وفاة العديد على الطرق. ما الذي ينقذ هؤلاء "النصف" من وفاة حتمية؟

إنها العوامل، أعزائي، اجتماع العوامل من عدمها هو المعيار. لنحلل معاً حالتين:

أ- سائق يبلغ من العمر 64 عاماً، لديه رخصة قيادة + يقود مركبة كيا صنع 2001 + طقس سيىء + يقود بسرعة قانونية 60كلم/ساعة

ب- شاب عشريني لديه رخصة قيادة + يقود مركبة مرسيدس صنع 2010 + ظروف مناخية ملائمة + يقود بسرعة 110كلم/ساعة في حين أن السرعة المحددة هي 100كلم/ساعة.

لا جدال في أن السائق في الحالة (أ) قانوني، بينما السائق في الحالة (ب) غير قانوني، ويمكن لأي دورية شرطة تحرير محضر مخالفة السرعة بحقه. ولكن السؤال بالنسبة إلي: أي سائق تعتبر ظروفه مجتمعة مسببة لخطر حصول صدام مروري؟ هل هو السائق (أ) أو السائق (ب)؟  هل اجتماع عوامل ضعف النظر أو التركيز +المركبة القديمة + الطقس السيىء (الحالة أ)، تعتبر حالة خطر تفوق أو تقل عن اجتماع عوامل قلة الخبرة + مخالفة السرعة المحددة ب 100كلم/ساعة؟

الإجابة ليست سهلة، لكن الأكيد أنه ليست كل حالة قانونية هي حالة آمنة، وليست كل حالة غير قانونية حالة غير آمنة. والأكيد أيضاً أن نظرة القاضي والمحقق إلى "مسببات" الصدام المروري، هي نظرة تهدف لتحديد المسؤوليات، ولا يهمها الوصول إلى نتائج تقي أو تعالج حالة مشابهة مستقبلاً. والأكيد أيضاً وأيضاً أن عامل خطر واحداً قد يكون سبباً بصدام مروري وقد لا يكون. والأكيد برأينا أن القول: "السرعة كانت عاملاً من العوامل المسببة للصدام المروري" قد يكون أفضل وأدق من أن نقول: "السرعة كانت سبب الحادث".

وعليه يمكننا القول إن الصدامات المرورية لا سبب محدد لها، بل هي لحظة اجتماع عوامل.

ما رأيكم؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
ميشال مطران

النقيب ميشال مطران هو مساعد أمين سر المجلس الوطني للسلامة المرورية في لبنان.

التعليقات