لا يوجد ذلٌ أكبر...

لا يوجد ذلٌ أكبر...

أنهيت رواية خالد خليفة الرائعة "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" خلال يومين ونصف اليوم من شتاءٍ باردٍ للاسكندرية عام 2014. ولا أخفي أن ذلك الشتاء الغائم والماطر كان الخلفية المناسبة تماماً لروايةٍ قاتمةٍ كتلك. حين أصفها بالقتامة لا أقصد الذمّ، فهي من روائع الأدب المعاصر بأسلوبها الروائي. وإنما تأتي القتامة من الموضوع بذاته الذي لا يحمل بطياته شيئاً إلا السواد والموت.

لم يكن الأسلوب الروائي الآسر والطبيعة المزمجرة من حولي السببين الوحيدين لانغماسي في هذه الرواية حتى النخاع، فالقصة وأحداثها، التي لا تستند على الخيال في شيء، انعكست تماماً على نشأتي وحياتي في دمشق، في "سوريا البعث". وأكاد أجزم بأن كل سوري قرأ تلك الرواية شعر بذلك أيضاً.

إحدى أجمل اللحظات في الرواية تأتي في الثلث الثالث تقريباً حين تتكشف الدلالة الذكية للعنوان. إذ يصرخ أحدهم راكضاً في الشوارع كالمجنون "كيف يمكن لكم أن تعيشوا في هكذا ذلٍ وهوان؟ لا بد أن السكاكين نفذت من مطابخكم!" لا يوجد تفسير آخر... لا يمكن أن يكون هناك تفسير آخر... لا يوجد ذلٌ أكبر... لا يمكن أن يكون هناك موتٌ أقسى. لقد تسرب عفن النظام المستبدّ إلى الشوارع وتسلق جدران البيوت وغاص إلى ركائز النفس الواحدة ليخلخلها ومن ثم يقوض أركانها مرة واحدة وإلى الأبد.

وجدت بعضاً من نفسي في كلٍ من شخوص هذه الرواية. أحسست بثقل ذكريات الماضي الذي يفترض أن يكون سعيداً - ألا يفترض أن تكون الذكريات سعيدة؟ - وتذكرت أحاديث أهالينا وقصصهم عما كان وعما أصبح عليه وطننا على زماننا. فهم عاشوا سورية قبل كابوس "النظام". عاشوا المدنية والتمدن والحرية والتحرر والرقي والثقافة. عاشوا العمل السياسي والأحزاب ومظاهرات الجامعة وأفلام رشدي أباظة وسعاد حسني والميني جوب في الشوارع دون تحرش، وموسيقى الحجرة تعزف للعموم في حديقة العائلات كل يوم جمعة. عاشوا الشوارع النظيفة والأبنية الحكومية المحترمة والفرص المتساوية والانتخابات الرئاسية. وكل ما حصلنا عليه كان شبحاً محطماً للمدينة بشوارعها الوسخة وثكناتها العسكرية التي لا تنتهي وأسوارها التي لا يخلو واحدها من شعارات التأليه "للقائد" وحزبه الحاكم. بجحافل الجنود التي شُحِنَت إلى العاصمة كي تتسكع في الشوارع، تعلّمها ببصاقها كما الكلاب، وتقذف أعقاب السجائر في كل مكان. تمد أيديها إلى أثداء البنات ومؤخراتهن وتخدش حياءهن بأشنع الألفاظ. تمزق المقاعد في المواصلات العامة وتخرب كابينات الهواتف العمومية بعناصر مخابراتها وأمنها الذين يحملون الرشاشات علناً دون أن يتوانوا عن القتل في وضح النهار. حصلنا على الفساد الحكومي والرشوة والتعطيل والإزهاق والإرهاق والتضخم الهائل والمحسوبيات وأولاد المسؤولين الذين تفوقوا علينا مادياً ومعنوياً بل وحتى دراسياً غصباً عن الامتحانات وعن المدرسين وعن أي منطق يذكر. كانت بلدهم، تلك القلّة الحاكمة، كانت لهم وليست لنا. لا حقوق لنا فيها ولا مستقبل. حصلنا على دريد لحام الإمعة وعلى الفن الناقد الذي يكتبه الرقيب بأمرٍ من النظام. حصلنا على الحزب الأوحد وعلى "البيعة" عوضاً عن الانتخابات الرئاسية.

كل تلك الأحاديث عما كان وعما صار تركتنا مع إحساس مر بالذنب وبالمسؤولية حملناهما منذ نعومة أظفارنا دونما ذنب ولا لسبب إلا لأننا خلقنا في بلداننا! ذلك الشعور بالذنب بسبب الخضوع للهوان وتعلم الخنوع والسكوت عن حقوقنا تعلمناه مع الألف باء في المدرسة. ولكنه للأسف لم يكن شعوراً خالصاً بالذل ما ورثناه، بل مرر لنا آباؤنا ممن ظلوا يحتفظون ببعض من ضمير في ظل ذلك الوباء، مرروا لنا غضبهم ونقمتهم وتحديهم الصامت ليشعل فينا جمراً تحت الرماد ويقض مضاجعنا بحرارته، فلا هو تسليماً كاملاً للذل ولا هو انتفاضاً وثورة. عشنا هذا العذاب وكبرنا معه، ومع السنين عرفنا أكثر فأكثر عن ذلك الماضي الدموي الذي أوصلنا لما نحن فيه. ماضٍ أسود حاول النظام طمسه ولكن ليس جاهداً كي يستمر الناس بتناقل صور بطشه وتنكيله والأفعال الرهيبة التي هو قادر على فعلها، كي تبقى الخشية والرهبة والخوف الأصم من مجرد الاقتراب من شخوص النظام وأزلامه الفاسدون.

بصقة في وجه حياتي التي عشتها في سوريا... إن كانت سورية الأسد فأنا لا أريدها ولا أريد ذكرياتي فيها. تلك الذكريات الملوثة بالغبار الكيماوي القاتل لنظام سفاح مُفسِدٍ مُستبيح.. لا أريدها وأبصق عليها الآن وإلى الأبد.

هل استسلمت؟ ربما. فحربنا هذه لم تعد حربنا وثورتنا صارت مسخاً أُجهِض جنيناً ميتاً. سأمضي إلى الأمام باحثةً عن وطنٍ يعوضني عن الوطن الذي لم أعشه يوماً. وربما لن أعيشه يوماً. فنحن الجيل الملعون الذي حُكم عليه بأن تسكنه المدن ولا يستطيع سكنها. أن يراها أمام عينيه على التلفاز ويشم رائحتها في قهوة أمّه ولا يستطيع الوصول إليها.

لن تستبدل مدينة أخرى دمشق عندي، فهي مدينتي وموطن طفولتي ومسقط رأس أجدادي ببطولاتهم وآثامهم. لن تغادرني دمشق ولن أتخذ دونها وطناً، فالمدن تسكننا كما قال أحدهم. لكنني سأجنب أولادي المصير ذاته. سأهدي إليهم وطناً يحبونه ويحبهم، لا وطناً ذليلاً خانعاً أصبح الآن مفككاً محروقاً خرِباً تنهشه الكلاب الطامعة.

سأهدي إليهم مستقبلاً لم أحصل عليه يوماً.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
ألف ياء

ولدت وترعرعت في بلاد الشام، ولطالما كان عشقي القلم والكلمة. كتبت خاطرتي الأولى في عمر الثامنة ولكن الحياة وألاعيبها أبعدتني عن الكتابة ردحاً، ولكن لأن الحب هو للحبيب الأول فقد عدت. أهوى العمل الإنساني والعمل مع المنظمات غير الحكومية، ولي خبرة تطوعية طويلة مع الهلال الأحمر ومؤخراً مع الأصوات العالمية. أعمل في الترجمة والتحرير وتضم اهتماماتي حقوق المرأة، المجتمع والدين، السياسة والنزاعات، اللغة العربية والفلسفة.

التعليقات