سوريا، حيث يعامل النظام ومعارضوه المقاتل كـ"مواطن إكسترا"

السبت 10 سبتمبر 201605:06 م

مع نهاية عام 2013، ارتفعت أرقام البطالة في سوريا إلى حوالى 60%، وفقاً لتقرير نشرته مجلة "ذا إيكونوميست" البريطانية. هكذا، صار الانضمام إلى الجيش وميليشياته أو إلى الكتائب المسلحة المعارضة، رغم مخاطره، خياراً للكثير من الشباب والشابات العاطلين عن العمل بهدف تجاوز المأزق المادي.

ولا يقتصر الأمر على الرواتب الثابتة. فالانضمام إلى "العسكر" يمنح المنضم ميزة سهولة الحصول على الكثير من السلع والخدمات التي يصعب على المدني، الذي "ما إلو ظهر" كما يقال في سوريا، الوصول إليها. وبالنسبة للبعض فإنه يمثل استثماراً رابحاً بشكلٍ كبير، أكثر مما هو انخراط عن قناعة في الصراع العسكري السياسي الدائر في البلاد.

رواتب و"برّاني"

في الغالب، تراوح الرواتب التي يحصل عليها صغار المقاتلين (غير القادة) بين 15 و40 ألف ليرة سورية (70 – 200 دولار) شهرياً. وتتفاوت الأرقام باختلاف طبيعة مهمات المقاتل، والفصيل المسلح الذي يحارب تحت لوائه، والممول الأجنبي الذي يقف وراء الفصيل.

ولا ينخرط متطوعون كثر في الأعمال العسكرية الصعبة وفي معارك حقيقية على الجبهات، وإنما يُستخدمون للوقوف على الحواجز الأمنية، بهدف تعزيز وجود فصيل ما على حساب فصيل آخر في المناطق الهادئة نسبياً. وهذا النوع من العمل يعتبره البعض بديلاً عن السفر، أو العمل في وظائف تتطلّب ساعات عمل طويلة وأجورها منخفضة لكون نسبة خطورته متدنية. إضافة إلى هذا المدخول الثابت، يتمتع المقاتل بميزة الوصول إلى مصادر دخل إضافية، خاصةً إذا كان يقاتل إلى جانب النظام. على رأس هذه المصادر عمليات النهب التي تتبع عادةً السيطرة على منطقة جديدة. فيُغض النظر عن استيلاء الجنود على ما "يسهل حمله"، سواء بغرض الاستخدام أو البيع، كمضخات المياه وبطاريات السيارات والأدوات المنزلية الخفيفة. لكن صغار الجنود لا يشاركون في عمليات السلب الكبيرة. فاستقدام شاحنات وتحميلها بكل ما يمكن انتزاعه من المنازل والمستودعات هما ميزة محصورة بالشخصيات النافذة. كما يمكن للمقاتل إلى جانب النظام الاستفادة من نفوذه بأشكال عدّة. على سبيل المثال، يمكن أن يقوم بتأدية بعض "الخدمات" لمن يحتاجون إلى مسلّح لحماية أعمالهم أو أنشطتهم التجارية، مقابل مبالغ مالية دورية أو مقابل خدمات. وأحياناً يصل المقابل عن "الحصانة" التي يقدمها إلى حد دخول المقاتل كشريك في المشروع.

خط عسكري

عندما دعا وزير المال السوري اسماعيل اسماعيل المواطنين السوريين إلى التقشف، كان هناك جزء آخر من كلامه لم يتنبّه إليه كثيرون. قال الوزير، عند التطرّق إلى مسألة زيادة الرواتب: "لا تنبغي المقارنة بين العسكري والمدني". وجهة النظر هذه ليست خاصة بوزير المال وحده، فعبارة "عسكري" تطالع السوريين في كل مكان في المدن السورية الخاضعة للنظام.

فأفران الخبز، على سبيل المثال، تُقسّم منافذها عادةً إلى ثلاثة: "نساء، مدني، عسكري". ولا يُلزم العسكريون بإجراءات السماح بشراء كمية محددة من الخبز كما هو حال المدنيين الذين لا يحق لهم، في معظم الأحياء، شراء أكثر من ثلاثة أكياس (تقريباً 3 كلغ). وهذا ما يدفع أصحاب المحال التجارية إلى الاستعانة بخدمات شخص يحمل بطاقة عسكرية لتأمين كميات كافية لاستهلاك زبائنها.

للعسكري الأولوية

ميزات العسكري لا تتوقف عند هذا الحد. فللعسكريين أولوية على المدنيين في الحصول على المواد والسلع الأساسية، خصوصاً تلك التي تشرف على توزيعها قوات الدفاع الوطني (اللجان الشعبية)، كغاز الطبخ ووقود التدفئة (المازوت).

ولا تبدو الشركات الخاصة أقل "تدليلاً" للعسكريين. ففي حين ينتظر المدنيون لوقت طويل، قد يصل أحياناً إلى أكثر من سبع ساعات، من أجل الحصول على الحوالات المالية التي تعيل آلاف العائلات في سوريا، تقوم منافذ خدمة الزبائن في شركات تحويل الأموال بخدمة العسكريين بسرعة فائقة. ويُذكر أن هذه الميزات التي كانت سابقاً تقتصر على عناصر الجيش والأجهزة الأمنية، أصبحت متاحة تقريباً لأي فرد يحارب في أيّة مجموعة مسلحة إلى جانب النظام.

الحر لا يجوع

الحال ليس أفضل في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة. فالتمييز بين المدني والعسكري في مختلف جوانب الحياة يطبع حياة الناس. "حين تدخل السلع إلى الغوطة، فإنها تدخل عن طريق المكتب الإغاثي التابع للواء المسيطر في المنطقة"، تروي لرصيف22 رشا ب. التي كانت تقيم حتى وقتٍ قريب في الغوطة الشرقية: "لا يبدأ توزيع السلع أو المواد الغذائية على المدنيين، إلا بعد أن يحصل المحاربون وقادتهم وعائلاتهم على "حاجتهم منها". وبعد ذلك يبدأ التوزيع على المدنيين بأسعار مرتفعة جداً بسبب قلة الكميات التي تبقى. المواد كانت تصلنا بأسعار مقبولة من ناحية النظام، ولكن احتكار العسكريين لها يضاعف سعرها مراتٍ عدة في اليوم الواحد".

وتتغاضى المحاكم الشرعية، الهيئات القضائية البديلة في المناطق المحررة، عن مخالفات الكثيرين من أعضاء الكتائب المسلحة، التي غالباً ما تكون مسيطرة أو قادرة على الضغط على هذه المحاكم، وذلك وفق قاعدة: "إبننا وغلط". وتميّز هذه المحاكم في أحكامها بين المدنيين وبين عناصر الكتائب المسلحة، فالكثيرون "قابعون في سجون التوبة بسبب خلافات شخصية مع عسكريين من الكتائب المسيطرة". "باختصار، الجيش الحر في الغوطة ما بيجوع"، تستنتج رشا. معظم المدنيين، في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وفي المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، باتوا يشتكون، علناً أو سرّاً، من هذا التمييز المبالغ فيه لمصلحة العسكريين في شتى جوانب الحياة، خاصةً في ظل صعوبة الحصول على الكثير من السلع والخدمات الأساسية. ومع تدهور الحالة الاقتصادية وارتفاع أرقام البطالة بشكلٍ جنوني، تولّدت لدى كثيرين قناعة بأن التطوع والمشاركة في الحرب وعسكرة البلاد، صارا الخيار الأنسب لتجاوز الكثير من المصاعب.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard