هل كان لدى العرب حس فكاهة؟ وماذا نعرف عن أشهر المهرجين في تراثنا؟

الأربعاء 29 مارس 201706:42 م
تفردت شخصية المضحك، أو ما يُطلق عليه فى أيامنا هذه "المهرج"، ببعض السمات والصفات التى جعلتها تتواجد وتنتشر فى كل عصر من عصور التاريخ، لما لها من قدرة على التلون بثقافة البيئة التى تعيش فيها فتُدخل جو من السرور والبهجة على حياة الناس. وقد انتشر الاهتمام بالفكاهة والنوادر في التراث العربي منذ أياّم الجاهلية، ولكن الشخصية انتشرت بشكل أوسع في العصرين الأموي والعباسي بسبب التوسعات الخارجية للدولة الإسلامية واختلاط العرب المسلمين بالفرس والروم الذين عرفوا الشخصية قبل العرب بقرون. نحاول فى هذا المقال إلقاء الضوء على أبرز المهرجين في التاريخ العربي، والصفات التي تميزوا بها، وتأثير تلك الشخصية في الأدب الشعبي العربي.

ظهور شخصية المضحك (المهرج) عند العرب

بحسب كتاب "شخصية المضحك عند العرب حتى نهاية حكم المتوكل" لعلي محمد السيد خليفة (2015)، لم تلق شخصية المهرج في التاريخ العربي اهتماماً في العصر الجاهلي مثل ما لقيته في العصر الأموي والعباسي، فكانت وسائل اللهو والتسلية والإضحاك تقتصر على الحكايات القديمة، وقصص الحروب والأمم السابقة، وحفلات السمر الشعرية. ولكن ازدادت أهمية دورها نتيجة لاتساع رقعة الدولة العربية الإسلامية فى العصرين الأموي والعباسي، وإختلاط العرب بالحضارات والثقافات المختلفة، خاصة حضارات الفرس والروم الذين قرّبوا المهرج إلى بلاط أكاسرتهم. كما كان للازدهار الاقتصادي، والترف الذي ترافق مع توسع الإمبراطورية الإسلامية تأثيراً على عادات وسلوك العرب فى هذين العصرين، فقرّب الأمراء والحكام الشعراء إلى بلاطهم، وأقاموا حفلات للسمر والغناء، ومعها انتشرت تلك الشخصية وأصبح لها دور كبير في حياة الناس الاجتماعية والثقافية.

بعض صفات المهرج في التراث العربي

يوضح كتاب "شخصية المضحك عند العرب" إن المضحك شخص موهوب فى إضحاك الناس وتسليتهم وإمتاعهم بأقواله وأفعاله، وباستخدام تكوينه الجسماني لا سيما ملامح وجهه، وبأنه يقوم في الغالب بتنمية موهبته بالتعرف على أخبار المضحكين السابقين وحكاياتهم، ويدرس وسائلهم في الإضحاك، كما يتصف بالظرف، والقدرة على التمثيل، وتقديم التعليق الساخر في حينه. ويستكمل "الكتاب" إن من أبرز سمات تلك الشخصية: "القدرة الكبيرة على الإضحاك وعلى حفظ النوادر والحكايات الطريفة وقيامها بتأليفها وبيعها، والسخرية من نفسها ومن أقرب الناس إليها، والجرأة، واتساع الحيلة، والقيام بأفعال غريبة، والتهاون فى أمور العبادة، وعدم الإخلاص في حب المرأة، وحبها الشديد للطعام، والتعلق بالحيوانات كما في نوادر وفكاهات جحا، والغيرة من المضحكين الآخرين". وفي رأي له طابع شخصي أكثر منه علمي أو بحثي، قال الأديب عباس محمود العقاد فى كتابه "جحا الضاحك المضحك": "إن شخصية المضحك في التراث العربي تتسم بالعبث والغرور لأن كل عمل يضحك الناس إنما هو لون من ألوان الغرور أو ضرب من ضروب العبث، وكثيراً ما يلتقيان، لأن الغرور ما هو إلا تجاوز الإنسان لقدره والعبث هو السعي في غير جدوى، ولا يكون هذا الأمر في كثير من الأحيان إلا عن اعتزاز المرء بنفسه".
من كتب الأخبار وقصص مجالس السمر وبلاط الخلفاء، نتعرف على حب الدعابة والفكاهة في التاريخ العربي

تأثير المهرج في التراث الاجتماعى والثقافي

لعبت شخصية المهرج دوراً هاماً في حياة الإنسان العربي الاجتماعية والثقافية. اعتبرت تلك الشخصية بديلاً عن كثير من وسائل الترفيه التي نعرفها في أيامنا هذه، مثل المسرح والتلفاز، وهي متنفس للناس في تخفيف إحساسهم بوطأة المتاعب الاقتصادية والاجتماعية اليومية التي يعيشونها، ولكن الأهم أن لها وظيفة جوهرية في تحديد ما هو مقبول أو محرم ومرفوض اجتماعياً، سواء في القيم وسلوكيات الناس، أو في أصول التعامل مع الحكام. كما لعبت تلك الشخصية دوراً هاماً في الأدب العربي، شعراً ونثراً، يمكن تقصيه في ظهور الشعر الفكاهي بما فيه من سخرية وتصوير كاريكاتيري. ويعتبر أبو دلامة أول من حمل لواء الشعر الفكاهي في العصر العباسي الأول، بتحويله شعر الهجاء إلى صور ساخرة ورسم كاريكاتيري شعري مضحك، وهذا يعني تطور فن الهجاء إلى فن الكاريكاتير الشعري الذي اعتمد على التصوير لا على اللفظ، وعلى التجسيم والمقارنه لا التعيير والنقد. ولا بدّ هنا من تجاوز التعريف الضيق لفكرة المضحك، للتنويه بوجود مفهوم الدعابة والمزاح والفكاهة في نماذج مختلفة في الأدب العربي، منها نسق الدعابة عن "اللحن" في اللغة، والإضحاك في قصص المنادمة والمجون، وهي واسعة الانتشار، وكذلك الشخصيات التي تتكرر في الأدب العربي الكلاسيكي، والتي كانت إلى حد بعيد تقوم بهذا الدور في الأخبار والنوادر، كشخصية القصّاص، الحقيقي منها والمتخيل، وقصص "الأعرابي"، التي كانت تنسب لها وروايات كثيرة، منها ما يدل على حذاقتها وفطنتها، ومنها ما يتحدث عن مواقف طريفة يجد الأعرابي نفسه عالقاً فيها.

أنواع المصحكين في التراث العربي

ظهر في عصور ازدهار فن الإضحاك في التراث العربي أنواع مختلفة من المضحكين كان أبرزهم:

مضحكو الحكام وعلية الناس

via GIPHY وهم طائفة من المضحكين ظهروا فى العصر العباسي الأول بتأثير واضح من الثقافة الفارسية، ويعتبر أبو دلامة أول مضحك ظهر فى بلاط الخلفاء العباسيين الأوائل.

مضحكو الحكام ورجال الدولة والعوام معاً

via GIPHY جمع هذا النوع من المضحكين بين إضحاك الخلفاء والحكام وكبار المسؤولين في الدولة العباسية وقتذاك وبين انغماسهم مع أبناء الشعب، ومنهم من احترف كسب الرزق والعيش من وراء الإضحاك.

الحمقى والمجانين والمتحامقون

اشتهر بعض المضحكين وخاصة في العصر العباسي بالحماقة والجنون وادعاء الحماقة وهؤلاء لهم نوادر وأخبار كثيرة، تناولتها كتب الأخبار كـ"البيان والتبيين" للجاحظ، و"عيون الأخبار" لابن قتيبة، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه، وذكرهم ابن الجوزي في كتابه "أخبار الحمقى والمغفلين".

المضحكون المخنثون

هم طائفة من المضحكين ظهرت فى العصر العباسي الأول، اتصفوا بالتمثيل الهزلي، واستخدموا خلال تمثليهم وسائل مختلفة فى الإضحاك كالتعليق الساخر، والحركات المضحكة وغيرها، ومع ذلك كانت شخصية المخنث المضحك ثانوية في بداية الحكم العباسي حتى أصبحت جزءاً أساسياً من مجالس المتوكل، ومن أشهر مضحكي هذا النوع "عبادة المخنث".

أبرز المهرجين في التراث العربي

أبو دلامة

هو زند بن الجون الكوفي، مولى بني أسد. كان شاعراً، وكان أسود البشرة، ولد فى أواخر القرن الأول الهجري، ونبغ في أيام العباسيين الأوائل، فكان نديماً للخليفة السفاح والمنصور والمهدي، يؤنسهم بنوادره وشعره الفكه. اتصف بالظرف وسرعة البديهة، والقدرة العالية على الإضحاك، وتقديم التعليق الساخر. وكان يعرف بأناقة هندامه وقصائده القصيرة.

أبو العيناء

محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر الهاشمي، أديب فصيح، من الظرفاء، اشتهر بنوادره ولطائفه، وكان حذقاً وسريع البديهة. يعتبر من أبرز المضحكين الذين ظهروا فى بلاط المتوكل، وكان منادماً للخليفة ولصفوة رجال الدولة العباسية، ولم يكن مضحكاً للعامة فكان دائماً ملازماً للخليفة ولكبار رجال الدولة أو بعض أصحابه المقربين منه الذين نالتهم سخريته كالجاحظ وابن مكرم.

ابن أبي مريم المدني

يعتبر أشهر منادمي الخليفة هارون الرشيد، وتروى له نوادر وحكايات طريفة في قصر الرشيد، وكان يقال أن الرشيد لا يمل محادثته.

عبادة المخنث

هو أحد الظرفاء الذين كانوا ضمن بطانة وبلاط الخليفة المتوكل، وقد اشتهر بكثرة نوادره.

الجماز

أو أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، شاعر عُرف بظرفه وكثرة نوادره، وكان الناس يأتنسون بحديثه وظرفه خاصة الخليفة المتوكل الذي قربه منه.

أبو الشبل

عاصم بن وهب بن البراجم، كان مضحكاً للخليفة المتوكل، وقد اشتهر بالشعر الغزلي والنوادر والمجون، وله أخبار تدل على ظرفه.

أبو الحارث جمين

ورد في بعض المصادر العربية بإسم جُميّز، هو صاحب نوادر ومزاح، اشتهر بالنكتة الحارة، والفكاهة الطريفة، والخبر الغريب. يعتبر من معاصري الجاحظ الذي نسب له الكثير من طرائفه في كتب الحيوان، والبيان والتبيين، والبخلاء، وجاءت أكثر نوادره وأخباره الطريفة عن الطعام وحبه الشديد له.

جحا

هو جحا الكوفى الفزاري، أو أبو الغصن صاحب النوادر، والذي يضرب به المثل فى الحمق والغفلة. اشتهر في العصر العباسي الأول، وتركزت نوادره حول حمقه، ثم أضيفت له في عصور تالية نوادر أخرى منها ما يشير لحمقه، ومنها ما يشير لفطنته. نختتم بموقف مضحك لجحا مع الرشيد وفيه "إن الرشيد قد دعا بهلولاً ليضحك منه. فلما دخل دعا له بمائدة فقدم عليها الخبز وحده، فولى بهلول هارباً، فقال له: إلى أين؟ قال: أجيئكم يوم الأضحى فعسى أن يكون عندكم لحم".

 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard