في لبنان، تسيطر السياسة على كرة السلة

السبت 10 سبتمبر 201605:03 م

أنهت أعمال الشغب المباراة بين الغريمين التقليديين في الدوري اللبناني لكرة السلة، فريقي “الحكمة” و”الرياضي بيروت”، وذلك قبل 48 ثانية على انتهاء اللقاء ليل أمس.

وأتى المشهد ليعكس مدى الضرر اللاحق برياضة تميز فيها لبنان في العقدين الأخيرين. فبرغم وصول المنتخب الوطني إلى بطولة العالم ثلاث مرات متتالية في 2002 و2006 و2010، فشل اتحاد اللعبة بأن يحصن هذه الرياضة من الانقسامات الطائفية والتدخلات السياسية في البلد. أمس ليلاً، انطلقت شرارة الإشكال من تضارب بين اللاعبين تيريل ستوغلين Terrell Stoglin من "نادي الحكمة" واللاعب علي محمود من "نادي الرياضي"، قبل أن يتسع ليشمل أعضاء رابطتي الجمهور واللاعبين على دكتي البدلاء. الأمر الذي أدى إلى وقوع إصابات في صفوف الناديين، وإلى انسحاب نادي الحكمة من المباراة.

تاريخ كرة السلة في لبنان حافل بالإشكالات المماثلة، وقد أدى آخرها إلى منع الجمهور من الحضور في مدرجات الملاعب في الموسم الماضي، على خلفية اشتباك نجم الرياضي إسماعيل أحمد مع عدد من مشجعي الحكمة في نهاية مباراة جمعت الفريقين.

وقد سبق ذلك الحدث إلغاء الاتحاد لبطولة 2012-2013، على خلفية حصار جمهور نادي "اتحاد بيبلوس عمشيت" (الذي كان يعرف بنادي عمشيت سابقاً) لحافلة "نادي الشانفيل".

وفي أولى ردات الفعل على حادثة أمس، قال وزير الشباب والرياضة اللبناني عبد المطلب حناوي إنه قرر، بعد التشاور مع رئيس الحكومة ووزير الداخلية، منع الجمهور من دخول الملاعب كلياً حتى انتهاء الموسم الجاري من دوري كرة السلة. وشدد على أن الدولة لن تسمح بتحول الملاعب من مساحات للتلاقي والوحدة إلى ساحات للفتنة والفوضى حسب ما نقلت عنه جريدة "السفير" اللبنانية.

ولكن المشكلة في كرة السلة اللبنانية أعقد بكثير من التشنج المألوف الذي سبق المباراة وتلاها، أو الإشكال الفردي بين اللاعبين على أرض الملعب. فواقع الرياضة اللبنانية، وخاصة كرة السلة، يعكس حالة الاصطفاف السياسي والانقسام المذهبي الحادين في البلاد. وقد استغلت الأحزاب السياسية المتنوعة قلة التمويل التجاري للنوادي لتستحوذ عليها وتمولها بنفسها وتحقق المزيد من الترويج والانتشار من خلال الرياضة. في السنوات القليلة الماضية، أصبح لكل طائفة أو مجموعة سياسية ناد رياضي ومشجعون، البعض منهم محازبون، وهذا ما نقل الاحتقان المناطقي والطائفي إلى ملاعب كرة السلة. اليوم، يدعم حزب القوات اللبنانية، وهو من الأحزاب المسيحية الرائدة في لبنان، بقيادة سمير جعجع، نادي الحكمة، حامل اللقب اللبناني سبع مرات. ويدعم التيار الوطني الحر، الحزب صاحب الكتلة المسيحية الأكبر في البرلمان، بقيادة العماد ميشيل عون نادي الشانفيل، ويمتلك ابن رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان، شربل، نادي اتحاد بيبلوس - عمشيت بالشراكة، فيما تملك جمعية الهومنتمن الأرمنية "نادي الهومنتمن". ويموّل رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين ورئيس المؤسسة المارونية للانتشار نعمت افرام "نادي التضامن" في كسروان. أما بطل لبنان، وحامل اللقب ثماني مرات، نادي الرياضي، فيدعمه تيار المستقبل بزعامة رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، فيما يمول نظيره رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي “نادي المتحد”. ويملك جاسم قانصوه، ابن النائب في البرلمان اللبناني عن حزب البعث عاصم قانصوه، نادي هوبس Hoops. الحكمة والرياضي: وضع خاص

تعود المنافسة الشرسة بين الخصمين اللدودين في كرة السلة اللبنانية إلى نهاية التسعينيات من القرن الماضي، عندما كان المشهد السياسي مختلفاً عما هو عليه اليوم. كان الانقسام السياسي آنذاك متأثراً بالانقسام الإسلامي - المسيحي الذي عنون الحرب الأهلية اللبنانية الممتدة بين 1975 و1990. ولذا كان العدد الأكبر من الإشكالات يحصل بسبب تسرب التشنج الطائفي إلى الملاعب.

وفيما بقيت تشكيلات النوادي الكبيرة متنوعة طائفياً، انعكس الانقسام السياسي على الرياضة وجعل من ملاعب كرة السلة مسرحاً للأناشيد السياسية والطائفية والإشكالات في صفوف الجماهير منذ بداية الدوري اللبناني بشكله الحالي عام 1997. بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، اتخذ الانقسام السياسي والطائفي في البلاد شكلاً جديداً، متأثراً بتطورات إقليمية، مما دفع بتبديل الصراع الطائفي المسلم - المسيحي بآخر سني - شيعي. لكن هذا الصراع دخل إلى الرياضة في لبنان من بوابة كرة القدم، بسبب دعم الحريري ناديي "النجمة" و"الأنصار" ودعم حزب الله "نادي العهد". بقي مع ذلك العنوان الطائفي مسلم - مسيحي، مسيطراً على كرة السلة اللبنانية إلى حد بعيد. والمفارقة أن تحالف داعمي نادي الرياضي ونادي الحكمة اليوم، القوات اللبنانية وتيار المستقبل في قوى 14 آذار، لم يحد من العصب الطائفي المشدود لدى بعض فئات الجمهور. على خلفية إشكال البارحة، وجّه اللاعب علي محمود اعتذاراً خطياً لاتحاد اللعبة وعائلة كرة السلة. ومما جاء فيه أنه يأمل بأن يتعلم الجميع من الحادثة كي لا يتكرر السيناريو نفسه مجدداً. غير أن المتابع الرياضي الواقعي سيدل على ماضٍ قريب، في السياسة والرياضة، أكثر تعقيداً من أن يتعلم أحد منه شيئاً. وقد كان لتسرب الانقسام السياسي إلى كرة السلة اللبنانية نتائج كارثية عليها، إذ منع لبنان من المشاركة في كأس العالم عام 2014 بعد قرار الاتحاد الدولي تعليق عضوية الاتحاد اللبناني، معتبراً أن "قرار التعليق لن يُرفع، بعد أن تبيّن أنّ الاتحاد اللبناني لا يزال غير محصّن لمواجهة التدخّلات السياسية".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard